Views: 127 الرقة ورهانات المنطقة الآمنة – الرقة بوست-Raqqa Post

الرقة ورهانات المنطقة الآمنة

هيئة التحرير

منذ أعلن ترامب منحَ ما اصطُلح على تسميته شمال شرق الفرات لأردوغان بعد عزمه سحب القوات الأمريكية من سورية، ليعود بولتون مستشار الأمن القومي بشروط رفضتها تركيا، ليكون الإعلان الأخير عن اتفاق الرئيسين ترامب وأردوغان على إقامة منطقة آمنة في الشمال السوري. هي أشبه بمناطق “خفض التصعيد” سيّئة الصيت والنتائج التي أُقرّت بضمانة ثلاثي أستانا، ولكن الضامن هنا أمريكا وتركيا. والفكرة ليست جديدة، فقد طالبت تركيا بتطبيقها منذ سنوات؛ تجنيباً للمدنيين الدمار والقتل، ولكنها اليوم تبرز ورقة للمقايضة والابتزاز بين أطراف في حلبة صراع شارف على نهاياته.

ولأن الأمر لن يتوقّف عند الإعلان والتفاهمات صباحاً ونقضها مساء، فلا مناصَ من التروّي في تناول المخرجات الممكنة، بعيداً عن طرائق “قارئي الفنجان وفاتحي المندل”، فالقضية هنا أرض وشعب ودول ومصالح وصراعات مسلّحة واحتمالات حروب، وليست تهويمات خيال. وأمّا المنطقة التي أُطلق عليها “آمنة”، فتمتدّ على الحدود السوريّة – التركية، لتغطّي مساحة 15000كم2 تقريباً من سورية، 450كم طولاً، و32كم عمقاً، أي يصل عمقها إلى عين عيسى (في محافظة الرقة). ولو سلّمنا جدلاً بأن المنطقة ستكون -بمباركة أمريكا قبل غيرها- بعهدة الدولة التركيّة، تنظّفها من الـ PYD والـ PKK وكل من يريد بها شرّاً، ولن يكون فيها غير المحبّين لها، الداعمين لخاصرتها من مشاريع تؤذي جغرافيّتها ونسيجها الاجتماعي، فما مصير ما تبقّى من الأرض التي تسيطر عليها قسد؟ وإن افترضنا أنها قادرة على الاستقرار – وهو غير متوقّع- فهل سيسلّم النظام بالأمر الواقع؟ وهل ستقبل روسيا؟ وهل سترضى إيران؟ ومَن سيتكفّل بإعادة إعمارها وحمايتها ورعايتها؟ وقبل هذه وتلك من الدول، هل سيتقبّل المجتمع بكافة شرائحه ومكوّناته ما ستؤول إليه الأمور؟ وما المانع من تفجّر صراعات بينيّة في كتلة أستانا؟ على الرغم من أن تركيا قدّمت ما عليها لروسيا وإيران لإحكام السيطرة على مناطق خفض التصعيد؟ وهل ستكون المقايضة القادمة بين شرق الفرات وإدلب “القضاء على النصرة”؟

لعلّ من المفيد النظر فيما تشتغل عليه تركيا منذ سنوات، وبدأت تعويمه منذ أسابيع، إذ أعادت إلى التداول “العقد الوطني” ونشر خريطة تركيا 2023، وإجحاف معاهدة لوزان، وتسريب بعض بنودها السرّية، وطرح تبعية حلب والموصل ” وما بينهما ” للدولة التركية، وأخيراً حشدها من القوات -والمكوّنات القبلية والعشائرية والمجالس المدنية والعسكرية- ما يمكّنها من بسط سيطرتها على شرق الفرات وصولاً إلى الحدود العراقية. وأمّا سياسة الشدّ والجذب بين واشنطن وأنقرة، والعشق حتى النخاع بين موسكو وأنقرة، والحقد المتأجج بين طهران وأنقرة، والغبطة المتبادلة بين إسرائيل وأنقرة، والتحرّش السائل بين الرياض وأنقرة، والمراقبة الحذرة بين أوروبا وأنقرة، فما هي إلا “تضييع عيون” كما يُقال، فالتفاهم أعمق حول ترسيم مستقبل سورية بين مختلف الأطراف المتصارعة، وقد دُفعت الأثمان ورسا المزاد على الفائزين بالكعكة.

لكن السؤال الأبرز، أين الرقة من رهانات المنطقة الآمنة؟ هل سيتمكّن أهلها من العودة؟ وإن عادوا، فهل سيتبعون نفوذاً أمريكياً تركياً؟ وإلا فهل ما يجري من دفعٍ لقسد إلى حضن النظام وفق شروط النظام المتهالك المرتهن على ضعفه، هو المخرج الواضح الآن؟

أمامنا سنوات قليلة بانتظار بروز أو إبراز واجهة جديدة قادرة على خلق واقع جديد أو توجيه مخرجاته لصالح مستقبل أقلّ ارتهاناً وأكثر حرّية وفعالية.
   


Posted

in

by

Tags:

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »