السوريون ـــ من العدالة الانتقالية إلى العدالة التصالحية

عبدالرزاق الحسين *

اشتعلت ردود الأفعال خلال اليومين الماضيين على وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي رداً على مصطلح ورد في إحاطة السيد غير بيدرسون أمام الأمم المتحدة وهو مصطلح )العدالة التصالحية( حيث نسب السيد بيدرسون استخدام هذه الجملة لبعض من أعضاء اللجنة الدستورية عن المجتمع المدني تلاه بيان من مجموعة من أعضاء اللجنة المذكورة ينفون فيه استخدامهم لهذا المصطلح وأنهم في كلماتهم والوثائق المقدمة منهم كانوا يستخدمون عبارة العدالة الانتقالية وأن تحريفاً قد تم في الترجمة من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية ووردت العبارة المذكورة بشكل خاطئ.

وحتى تكون الأمور واضحة لابدّ من تحديد المعنى الحقيقي لما يسمّى العدالة التصالحية واختلافها عن العدالة الانتقالية التي دأب السوريون على المستوى السياسي والحقوقي على المطالبة بها كجزء أساسيّ من الحل الحقيقي الذي يراه السوريون وبالتحديد الجمهور المناوئ لنظام دمشق، رغم أنّ هذه العدالة بدورها لا تحقق العدالة الناجزة كما يريدها من أمضوا أعمارهم تحت مقصلة الظلم والطغيان.   

وتعني العدالة الانتقالية مجموعة من الإجراءات المختلفة التي يتمّ اللجوء إليها في الدول التي تمر بفترات من النزاع أو الحروب الأهلية أو الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان ويتم تطبيق هذه الإجراءات في المرحلة الانتقالية الموصلة إلى الاستقرار والحل وحكم القانون والتخلص من عبء الماضي المؤلم، ومن أهم الإجراءات المذكورة المحاسبة ومحاكمة مجرمي الحرب ومرتكبي الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان ورد المظالم وتعويض الضحايا عما لحق بهم من حيف وإصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية وغيرها، بهدف التعافي مما حدث من آلام في الماضي وضمان عدم تكرار الانتهاكات في المستقبل. 

ومن الواضح في موضوع العدالة الانتقاليّة الدور الفاعل للمجتمع الدّولي وللقانون الدولي ومؤسسات العدالة الدولية في رعاية برامج العدالة الانتقالية حيث يصعب في أغلب الأحيان أن تتكون العدالة الانتقالية على المستوى المحلّي دون دفع ومشاركة نشطة من المجتمع الدّولي والمؤسسات الأممية. 

أما ما يسمّى بالعدالة التصالحية فمن المفيد التوضيح أنه ليس مصطلحاً جديداً ولكنّه يتميّز بشكل أساسيّ بأن مكانه ومجال تطبيقه يكون داخل الدولة وتحت إشرافٍ ما من مؤسساتها كما أنه يأتي في مرتبة ملحقة )وليست أصليّة تماما( بالنظام الجنائي الوطني وهو يستند بشكل خاص إلى تفاعل رضائيّ بين إرادَتَي كل من الضحية والجاني، أي أنه من غير الممكن إجبار الجاني إضافة للمجني عليه على الخضوع جبراً لبرنامج أو اتفاق العدالة التصالحية، وعندما يكتمل الاتفاق بين هذين الطرفين يمكن توثيقه بصيغة ما أمام القضاء، عندها يصبح تنفيذه على عاتق السلطة القضائية في الدّولة وتحت ظل العدالة الجنائية المحلية.

 وإذا كانت بعض مؤسسات الأمم المتحدّة ترعى وتشجّع إجراءات العدالة التصالحية ـــ مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للهيئة العامة للأمم المتحدة ـــ فإن هذا الأمر لا يقع تحت أحكام القانون الجنائي الدولي متمثلاً بمحكمة الجنايات الدّوليّة مثلا بل لا يعدو عن كونه مجرّد مساهمة من الأمم المتّحدة في مساعدة الدول في تطوير ودعم العدالة الجنائية ) الوطنية لا الدولية طبعا (وضمن سياق الممارسات الوطنيّة المستقرّة والظروف الاجتماعية والثقافيّة والاقتصاديّة لهذه الدّولة، ولم تكن الوثائق الصادرة عن بعض مؤسسات الأمم المتحدة سوى مبادئ توجيهية غير ملزمة يمكن للدول المختلفة الاستعانة بها كنتاج للخبرة الدولية المفيدة ليس أكثر. وقد طبقت العدالة التصالحية في دول مختلفة مثل مشكلة السكان الأصليين في كندا مثلا وكان لها تطبيق واضح في جنوب إفريقيا وهما تجربتان تختلفان من حيث الطبيعة والحجم والعمق عن الكارثة السورية التي مازالت تتفاقم منذ خمسين سنة وبشكل خاص منذ عام 2011 حيث دمرت أكثر الحواضر السورية وهجّر نصف شعبها وقتل ما يزيد عن مليون سوري فمن العبث والاستهتار الحديث عن عدالة تصالحية وكأن المشكلة السورية مشابهة لمشكلة السكان الأصليين في كندا على سبيل المثال.

وفي ضوء هذه الموجة من حرب المصطلحات ـــ إذا جاز التعبير ـــ  فإننا ينبغي أن لا ننسى أن فكرة اللجنة الدستورية قد اعترض عليها أكثر الجمهور المنتمي للمعارضة لأنه لا يعوّل عليها ويعتبرها تنازلاً مريعاً وابتعاداً عن حق السوريين في الانتقال السياسي الآمن الذي تتضمنه القرارات الدولية والذي يعني بالتحديد نقل السلطة إلى هيئة حكم انتقالية تحوز كامل الصلاحيات التنفيذيّة مهمتها تأمين البيئة الآمنة لتنفيذ إرادة السوريين في الانتقال إلى نظام دستوري ديمقراطي أهم ما يميّزه إقامة العدالة الانتقاليّة التي تعني قبل كل شيء محاسبة المجرمين ومرتكبي الانتهاكات وكذلك إصلاح وإعادة بناء المؤسسات وجبر الضرر والعبور إلى دولة القانون التي لا  يمكن لأي سلطة قادمة أن تكرّر ما حدث من فظائع.         

وبالنتيجة فإنّ الطبيعة التي تحدّثنا عنها للعدالة التصالحية تجعلها بعيدة عن إمكانية الاستفادة منها في الحالة السوريّة التي تتميّز بأنها نتاج لعقود طويلة من الاضطهاد والانتهاكات الخطيرة لحقوق وحياة السوريين على يد سلطة لم تتورع يوما عن اعتبار القتل والتعذيب وتدمير المدن والقرى أمراّ في غاية البساطة مادامت تعتبر نفسها آمنة في انتهاكاتها وبعيدة عن المحاسبة وحائزة على شروط وظروف الإفلات من العقاب، لذلك فإن أعضاء اللجنة الدستورية يراد لهم أن يكونوا جسراً تمرر عليه ومن خلاله ببطء وبشكل متواتر وطويل النفس المفاهيم والمصطلحات التي تكمن خلفها إرادة النظام وداعميه الدّوليين.         

*المستشار عبد الرزاق الحسين - قاضي سوري سابق وباحث في القانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *