حتى لا نسجد في المحراب الخطأ مرتين

                     ” ورقة جديدة بمناسبة انقضاء العقد الأول للثورة السورية، في ذكراها العاشرة”

معبد الحسون*

منذ انفجار الثورة السورية العظيمة قبل عشر سنوات، لم يتمكن السوريون من صناعة مؤسسة حقيقية تمثلهم تمثيلاً مؤسساتياً معاوضاً ومكافئاً لحجم التضحيات التي بذلت، بكل أسف. اختلفوا في صناعة الفكرة مثلما فشلوا في تنظيم أنفسهم، رغم أن المحاولات قد تجاوزت المئات. وكلما امتد بهم العمر، ازدادوا هوساً بالذاتوية وحسابات الخسارة والربح المعنوي قبل المادي، والتوكيد بحرص على ما ليس واضحاً في أنفسهم.

عانوا من حمولة الماضي الذي يحملونه كعبء على كواهلهم، لا يدرون ما الذي يفعلون به. وعانوا من عبء حضارة حديثة، لم يتفهموها كثيراً، ولم يستوعبوا كيف يمكن أن يقرأوا مستقبلهم من خلالها، ولا في محاولات الاندماج معها والتماهي بها. اغتربوا عن أنفسهم، وعن مجتمعهم، بالقدر الذي اغتربوا عن كل المجتمعات التي تماسُّوا معها وانخرطوا فيها.

ابتُلِيت نخبهم السياسية والاجتماعية بوصفات تشكيل التيارات الثورية والمعارضة، بعيداً عن حواضنها البشرية وعن شعبها؛ كتلتها الكبرى. تلك التيارات النخبوية التي تتألف خلطتُها، حسبما جرت به العادة، من اجتماع نفر من النخبويين من خارج الوطن على النت، لكتابة مدونة تشرح للثوار و”الشعب البسيط الجاهل” ماهي الوطنية وما تعريف الديمقراطية والمواطنة. ثم يتم توازع المهام والمسؤوليات القيادية بينهم، وتعيين الرؤوس والصدور والظهور والأذرع، وإعلان هذه النخبة بعد ذلك تصديها “للمرحلة الصعبة” في “هذه المرحلة الخطيرة من عمر الثورة السورية”. وبعد أن يستنسخوا أخطاء الماضي وأخطاء المستقبل بآلة نسخ طابعة، “فوتوكوبي”، أخيراً.. يشرعون في البحث عن ثوار يقادون، وعن شعب يقفون هم على رأس قيادته. حتى أصبحنا الصُنَّاع المهرة في هندسة وبناء الأهرامات المقلوبة، والمركوزة على قمتها، بينما قاعدتها ترفرف خفاقة في الفضاء.

اليوم، نحن نعيش صراعاً غير مسبوق في تجربة البشر السالفة، ونقاتل من أجل البقاء على جبهتين: جبهة المتجبرين المتغطرسين، من محتلين وطغاة وقتلة وعابثين ببلدنا، ممن يملكون المال والقوة والنفوذ السياسي، فيما نحن لا نملك. والمحصنون بالعروش والجيوش والقرارات والشرعيات، ونحن عاطلون من كل هذه الزينة. ثم جبهة النخب المتنفذة المخاتلة، التي ترغب أن تستأجرنا لكي تنال حظوة بنا، وتُجَيِّرنا لكي توهم أننا جيشها الاحتياطي، وتجعلنا سيفها الذي تغشى به الوغى، فيخلد ذكراها بشرف المحاولة، وتتصدر المشهد باسمنا بعزِّ الختل والمخاتلة.

اليوم نخوض مخاضة عصر الأنبياء الكذبة والكذبة المتنبئين. فطوبى لمن نجا منا، وطوبى لمن سقط وضحَّى وراح، ونُسي وطويت ذكراه في منتصف المسافة. وحين يحل الحصان محل العربة، والعربة محل الحصان، ينهض الميتون من قبورهم، وتنفرش الدروب التي ظُن بأنها انسدت وتسكَّرت، وهي تتمهد لاحبةً سالكةً، فما غلب الخداعُ اليقينَ يوماً، ولا تفوق بهلوانٌ على حكيم أو نبي يوماً ما، في هذا العالم. وأيُّ عالمٍ هذا الذي نعيش فيه ونحيا؟

في عالم اليوم ـ حين يكره التاريخ نفسه ـ بوسعك أن تلتقط أي خنفساء أو رتيلاء أو “أبو الجعل” من أية مزبلة عامة، وأن تمنحه لقب أو شهادة دكتوراة. ثم تُحَصِّنُه بما يشبه الحجاب أو التعويذة بأوسمة، وتهبه ست أو سبع جوائز معروفة أو مجهولة عرفاناً بفضله وإنجازاته التي لا يحصيها العدد. ويستحسن أن ترسل له مجهولين في محاولة اغتيال فاشلة له، لتعلي من خسيسته، أو تُزَوِّرَ خبراً يزعم ذلك. ولا بأس بأن تزوِّر أيضاً، من خلال ورقة فوتوشوب بئيسة، وصية له وهو يهب أمواله الحلال للفقراء والمحتاجين. ولا تنسَ نصيبك من سيرة طفولته، حين كان يسخر الأولاد منه في المدرسة بسبب فقره وثيابه الرثة، وحين كان يجد قبساً من الضوء تحت أعمدة الكهرباء في الشارع، أو قبالة شحوار الفانوس والميضأة، وهو منكبٌ بتصميم ومثابرة على كتبه وعلومه. ثم تذكر آخر وصاياه المُنَشَّاة بالحكمة والموعظة الحسنة لابنته وهو على فراش الموت. ومن الجيد أن تستأجر مائة محبٍ يرثونه، ومعهم مائة حاقدٍ ضِلِّيْلٍ يشتمونه، ويردون على محبيه، بينما يتفانى محبوه في الدفاع عنه والذود عن حوضه. وأخيراً لتلتقط الكاميرات مشاهد جليلة لجنازته المهيبة الوقورة الماضية نحو الأبدية، وهي تسير به مجللة بالحزن نحو مثواه الأخير.

جرِّبْها ولسوف تكتشف أن الخنفساء أو أبو الجعل قد صار له مقام الأنبياء والحكماء، ويصنف في عوالم الشهرة والمكانة مع الفلاسفة والعظماء. فرأسُ الحكمة مخافة تطبيقات الانترنيت، والخيرُ كله معقودٌ بنواصي مواقع الإعلام المستأجر والحر..

أوليس العالم يُحْكَم بهذه الطريقة اليوم؟ ويقادُ من قبل الدول المجرمة ونخب المال وشركات الهيمنة والاحتلالات والبنوك والحكومات التي تتاجر بموت البشر والحروب، ويُنسَج تاريخ العالم، تاريخنا المعاصر، من هذا القماش الفاجعي المروع؟

                                              ***

لست أبالغ لو زعمت بأن جماهير الثورة، ومخزونها الغضبى من أبناء الشعب العاديين، قد سلموا رايتها، مختارين أو مكرهين، لنخبهم السياسية والثقافية وبعض المعارضات التاريخية، ومنحوا مكرهين تفويضاً ضمنياً غير مكتوب، لدهاقنة السياسة وسدنة المفاوضات وممتهني حرفة التصريحات واللغو والرغاء والادعاء، فكان هنالك ملعبان منعزلان بجدار سميك: ملعب المتظاهرين السلميين الذين خاضوا غمراتها، مستقبلين رصاص النظام القاتل، بصدور عارية، ومن ورائهم الجيش الحر الذي اجتمع اجتماعاً تطوعياً على مذبح الشهادة أو تحقيق حلم النصر، في يوم تشرق فيه الشمس على الناس، وقد نعموا بدفء الحرية والكرامة الإنسانية.

وملعبٌ ثانٍ كان يخوض فيه أهل السياسة وتصدر المشاهد على شاشات الأخبار ومواقعها المقروءة، والذين خاضوا في مخاضة المال السياسي، وألِفوا نعمة الأمان واستدفأوا من شظف العيش بفنادق الترف. وظلوا يصولون ويجولون في كل منفسح، بعيداً عن أهلهم وصناع ثورتهم، حتى دفنوا مليون شهيد ثائر، وشهدوا غياب نصف مليون مغيب ومعتقل خلف القضبان، ودمار شامل لسائر البنى المدنية في غالب المدن السورية.

يا نحن..

يا من حملنا جثة المكان على كواهلنا، ومضينا في الدروب سائرين وثائرين. ولدنا في المكان والزمان فجأة. وعشنا في قلب حرائق الفجأة. وغادرنا فجأة. ولم نكن نريد سوى أن نعانق من نحبهم ونحن نودعهم، قبل أن نصعد قطار الفجأة المسافر إلى حيث لا زمان ولا مكان.. ولا أحد..

وأول قواعد الصحة البدنية وأهمها، تلك التي تقول بأن على الجسم أن ينجح في اطِّراح فضلاته من بول وغائط وعرق. بعدها يمكن الحديث عن صبر على المرض ومصابرة. وعن كِبْرٍ ومكابرة، وعن معاينة متأملة؛ تقول بأن من الحكمة إعلاء بعض الخير على بعضه الآخر، ووضع بعض الشر دون بعضه الآخر، كما يصح الحديث وقتئذٍ، عن مخاتلة ومعالجة، وادِّراء أخطار وحسن وقاية وحماية، وعن صميمية الحقائق بأن أعضاء جسمك هي هي؛ لا تملك لها بديلاً ولا تبديلاً، ويجب أن تتعامل معها كمعطى نهائي، وأنها حظك من هذه الحياة. ودون ذلك لا قواعد، ولا صحة، ولا حماية، ولا خطأ ولا صواب. فمن عماء التاريخ يولد دوماً نور كبير. ذلك هو قانون الحياة.. شذراته وشعاعه المضيء ممن محضوا دماءهم الطاهرة الزكية فداءً لثورة الحرية والكرامة. وقديماً قال بعض كبار المتصوفة: إذا أردت ألا تكون هدفاً لسهام القدر، فقف مع الرامي لا مع الطريدة. ذلك حتى لا يموت الموتى مرتين، وحتى لا نسجد في المحراب الخطأ مرتين.

*كاتب سوري

         

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *