Views: 138 حصارٌ جفّف الضرع..! – الرقة بوست-Raqqa Post

حصارٌ جفّف الضرع..!

عروة المهاوش

مالح ٌ صدرك يا أمي

يبكي جوعاً وتبكي هي ألماً لما آلت إليه أحوالهم، وهي تنظر لتلك العظام الناتئة من صدر طفلها نتيجة قلّة التغذية، وتندبُ حظها، وتلقي اللوم كله على ضرعها الذي خذل بطن طفلها الجائع.

تعصُر بيدها على ما تبقى من جلدٍ يكسو ثديها علّه ينقط حليباً في فم طفلها الجائع الذي جحظت عيناه جوعاً، تضغط عليه أكثر كلما شعرت بأن طفلها بدأ بالتململ حين لا تصله نقطة واحدة من حليبها. الثدي الذي كان متدفقاً فيما مضى من أيام. بينما يهيم والده كطير مذبوح، يتنقل بين خيمة وأخرى بحثاً عن وجبة حليب تنقذ فلذة كبده، عبثاً يحاول وفي سره يعلم أن أحوال غيره من الناس لا تختلف عما يعانيه وعائلته من قلّة في الطعام، لكن صراخ طفله يجعله يحاول يائساً طرق كل الأبواب حتى المستحيل منها.

تحاول الأم أن تصنع لرضيعها قليلاً من الماء والسكر، رغم معرفتها المسبقة بأن أمعاء طفلها الصغير سوف تعاني من مشاكل صحية عديدة، تغمس إصبعها في الخليط وتضعه في فمه، لكنه يرفض بعناد من تعوّد سابقاً لذة النبع الأبيض، فتعود بحيلة جديدة علّها تنفع، تضع القليل من السائل على حلمة ثديها وتلقم فم طفلها الجائع، فيفتح فمه فوراً ويبدأ بالرضاعة لجزء قليل من الثانية، وحين ينقطع عنه ذاك الطعم الحلو المذاق يعود لنوبة البكاء والصراخ مرة أخرى.

في الخيمة أيضاً أفواه جائعة أخرى لكنها على الأقل تأكل ما تطبخ الأم أو ما قد يتيسر لهم من طعام، فرغيف خبز واحد على صحن من اللبن إن توفر لهم، أو بقايا الشاي الذي يتركه والدهم قد يفي بالغرض مؤقتاً، ريثما يحين لها الوقت كي تعدّ لهم وجبة قد تكون متشابهة في اللون والنكهة طوال فترة الحصار الذي فُرض عليهم نتيجة الحرب الدائرة في المدينة. في الخيمة المجاورة لهم أفواه كثيرة جداً أيضاً، لكن تلك الأفواه الجائعة تستطيع مضغ الطعام أياً كانت نوعيته أو نكهته فالأمر هناك يختلف قليلاً عمن تعانيه هي وبقية الأمهات المرضعات في هذا الحصار الذي يقتل الرضيع، ويجفف الضرع الذي كان سابقاً يدرُ الحليب لأي طفل جائع وأمه ليست بقربه.

ليلاً وبعد أن ينام الطفلُ بعد نوبات البكاء المتقطع، تستمع الأم لحشرجات صدره وصوت تنفسه كي تتأكد أنه ما زال حياً، تنادي ربها بتضرع: يا رب.. نذراً علي صيام شهر كامل إن كُتبت له الحياة..

في الخلف رايات سوداء تتخذهم كدروع بشرية، وأمامهم رايات صفراء لا يهمها سوى السيطرة على الأرض مهما كان الثمن كبيراً، من بين 30 ألف مدني محاصر في مدينة الطبقة يوجد ألف طفل أعمارهم دون العام الواحد يعانون الحصار الكامل جوعاً وتشريداً، ندرة في الماء والدواء والغذاء، ووفرة في الموت، الموت الذي يتربص الوجوه المتعبة، التي هدّها الخوف والتعب، وخوف متجدد من أصوات الطائرات التي لا تحمل لهم سوى المزيد من الموت والدمار، ولا ينتهي الأمر عند تلك الطائرات ليبدأ القصف المدفعي والصاروخي من كل مكان، بينما الأمهات الطيبات مشغولات أن لا يموت أولادهن جائعين، هي قلوب أمهاتنا التي كانت تقتطع نصف ما كانت ستضعه في فمها من طعام لتلقي به إلى قط عابر مرّ من أمامها فجأة.

الحرمل


Posted

in

by

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »