حطام الوراق

ظل يمارس هواياته بشكل منقطع النظير، حتى أواخر سنيِّه وأيامه مقاطعا ثقافة الحواسيب ومخدماتها.

بعناد مسرف حاول استعادة الملامح الأولى لحلم جميل لم يتسنى له أن يجمع حطامه في روحه المهشمة.

يصف طه الطه نفسه بالعاشق والمجنون لمدينته والمشاء الذي يطارد عناوين وأعداد الصحف والمجلات وأخبار الفنانين والأدباء ولديه من القدرة على الجمع والتوثيق لكل ما يمكن أن يصادفه من جماليات اللحظة، حتى ولو كان عصفورا بعد أن حط على غصن وارف، يستمتع بتفلييه في يوم ربيعي مشمس، ليعود إلى مخدعه ويكتب كل ذاك.

كان معجبا بالشاعر الفرنسي جاك بريفير لأنه كان عفويا ويترك لمشاعره اليومية ان تتدفق بانسياب جميل، وبساطة غامرة تجعل منها محببه للقراء

وكذلك كان طه الطه يسجل كل جمال يصادفه ويجعل من مفرداته البسيطة مطية للمشاعر المتدفقة من قريحة تضج بالإنسانية والأمل.

حاول التمسك بمسلكه التقليدي، فهي أدوات محببة إليه، وتعيده إلى فضاءات الرقة فتصله بمتعة التدوين، والأرشفة، والتوثيق، وبما كان يمارسه من عشق وصبابة تشهد تشابكاتها الفنية والمعرفية فصولا جذلى لعمل ثقافي دؤوب، نسجته بلُحمةٍ متزاحمةٍ صياصٍ من الذكريات في سدائيات الروح، فتشكلت لوحة فلكلورية خاصة تزيد في جماليات الرقة وتاريخها جمالا آخرا، لا تبارح أحداثه الذاكرة ولا الخيال لديه.

يتذكر كثير تلك البعثات التي كان يرافقها في تلال الرقة. وطواقمها وأعلامها وأحداثها وأسمارها حين يفرغون من تنقيباتهم.

كان مصابا بمتلازمة الأنتيكا والاستغراق في تاريخية أي شيء من حوله. يداعب الصوان، يحسسه برفق. لاعتقاده بأنه السجل الحافل الذي يحمل في صممه الأعجم ذاكرة الشعوب القديمة، ولا يملُّ احتفاءً بالمنحوتات الأثرية لدرجة التخمين بأنه يناجيها كما يناجي العاشق محبوبته.

عندما حطت به الرحال في أورفا حدثنا عن الرها ونهر ديسان والكنائس التي تحولت إلى مساجد ودعا إلى اعتماد المثاقفة أسلوبا لإحياء التوأمة التاريخية بين مدينة أورفا وبين مدينة الرقة. لكن المدينة الجديدة ظلت عاجزة عن تعويضه عما تم دفنه في الرقة من أحلام حين غدر به توحش الغرباء عن المدينة ودمروا كل ما بناه من توثيق ذاكرة للمدينة إذ استطاع النجاة بنفسه لكن روحه لم تنجو من الحسرات والعبرات على بيته ومتحفه المستباح.

عبثا يحاول مقاومة الواقع القاسي وفجاجته، برومنسيته الحالمة، وفضل ان يبقى وفيا للقرطاس وشاهدا على تراجع المحسوس أمام اللامرئي واكتفى بالتجديف عبر ذراعين واهنتين لا تقويان الا على التدوين يطارد ابداعات الآخرين ومآثرهم الجميلة، كما يطارد الضوء عتمة الليل، بمثابرة قلما تجد نظيرا لها.

 

استسلم ذات مرة للتيار وتمتع مع الرفاق في الرحلة النهرية، وجسد اسقاطاتها التاريخية عبر فنتازيا المغامرة فأعاد تجديد الخلود-ليس لنفسه- وانما لذاكرة عظيمة يحملها نهر الفرات. إنه يتقمص في كل مرة وفي كل زيارة سيرة أبطال الملاحم والأساطير حتى التماهي.

اجتذبته جماعة صوفية في السنة الأخيرة من عمره نحو عالمها المفعم  بنقاء السريرة وجوهرها الماثل في حضرة التسامي، واصطحبته الجماعة في حلقات أقامتها دار السلام في أورفا وأصبحوا يترددون عليه وهو يمارس زهده المادي ، ناحل الجسم معذبا بتفاصيل يومه البائسة.

لكن الجماعة كانت سعيدة جدا بمشاركاته وبحثه الدائم عن ماهية الوجود وامتثاله لكل اليقينيات التي يعتقد بأنها تخدم سعادة الانسان من حوله.

لم يقترب طه من السياسة ولم يفارقها أيضا فهو يصر في كفاحه السلمي على انتصار العدالة والأخلاق والقيم مثاله في ذلك المرأة الألمانية (أنجيلا ميركل) فقد خلبت لبه وصار يحترمها إلى حد التقديس حين اعلنت بغير ما تردد في توفير الملجأ للاجئين سوريين وكان سعيدا بحفيداته الثلاثة حين وصلن إلى ألمانيا بالرغم من مكابدته ألم الفراق وبعده عنهن.

لطه أصدقاء باحثين وكتاب وفنانون في كل البلاد لكنه لم يكن يمتلك وسيلة التواصل بعد أن أضاع بفعل فاعل تواقيعهم وما سجلوه في سجل الزيارات الخاص بمتحفه.

تخيلوا ان رجلا في هذا العصر لا يحبذ استخدام الموبايل ولا برامج التواصل الاجتماعي لكنه يضرب مواعيده مع من يريد لقاءهم ويمشي نحوهم بدقة الموعد المتناهية اخلاصا لمبدأ احترام الاخرين وكي لا يتأخر عنهم فيوقعهم في الانتظار ولا يتسامح مع نفسه في احترام الوقت.

يكاد طه المتفاني أمام كل واجباته اتجاه الآخرين أن يكون مثالا لمنهجية ملتزمة يمكن أن تدرس وتحتذى.

لم يكن طه ضحية مباشرة لشبح العصر الجديد (كوفيد ١٩) لكن من أجهز عليه مسألة أخرى ولم يغادرنا هذا الانسان الا لأنه لم يعد يثق بسوية القيم ولم يقل ذلك صراحة ولكنها الغصة التي كانت تلازمه.

 

لست جديرا بالحديث عن كل نتاجات الرجل وانما قربتني ظروف النزوح ومعاناته من وعرفت فيه نبلا يمارسه في كل تفاصيل الحياة، ويبدو أنهم كثيرون من لا يكشف النقاب عن عظمتهم حتى يغادرونا، فنفتقدهم بعد فوات الأوان.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *