Views: 166 صراعٌ بين كعبتين وصراعٌ بين مدينتين – الرقة بوست-Raqqa Post

صراعٌ بين كعبتين وصراعٌ بين مدينتين

 

الرقة بوست ـ معبد الحسون

أولاً ـ صراعٌ بين كعبتين

لو أمكن لتاريخ العرب أن يستمرّ على سيلانه الراكد، كما كان عليه حاله في الجاهلية، إذن لضلَّت طريقَها إلينا اليوم كثيرٌ من الإشارات التي بَعَثَ بها وأومأ بإلماعاتِها فيما بعد.. لقد كان الإسلامُ حدثاً كونياً كبيراً، قطع الصلة بذلك التاريخ وصفى تركته بالكامل، بعد أن منع ومحى معظم مأثوراته الشفوية والكتابية المنقولة، ولم تكن تلك التصفية دوماً لصالح الحقائق العميقة المستترة خلف كثافة السيرورة الجديدة، والاستعداد لتأسيس تاريخ جديد بدأ بظهور الإسلام ولم ينتهِ حتى اليوم.. وقبل الحديث عن نقاط التلاقي والتصادم، ومركزية التناقض الذي برز في ذلك الصراع، لا بد من الإشارة إلى أن العرب عرفوا في جاهليتهم ما يقرب من ثلاثة وعشرين بناءً دينياً على شكل الكعبة، جميعُها كانت تسمى”الكعبة”، سأذكر على عجل ما أحصاه المؤرخون والباحثون من أسمائها وبعض مواقعها.. فقد احتوت جزيرة العرب، فضلاً عن كعبة مكة وكعبة الطائف(مركز عبادة اللات)، كعبة نجران وكعبة ذي الشرى، وهو صرح وثني مشهور في الشمال، قرب بترا، وكان يُحَجُّ إليه مثل كعبة مكة في شهر رمضان، ويدعى بـ”رب بيت ذي الشرى”، يبدو أن موقعه في تبوك أو قريباً منها، وتسمى كعبة الأنباط، وكانت محجة رئيسية لمعظم القبائل العربية كما يؤكد مؤرخون قدامى.. ثم مركز الآلهة عثتر، وهي الكعبة اليمانية لـ”ذي الخلصة”، الوثن الشهير، وله نظام حج خاص به.. ثم كعبة اليمامة وكعبة غطفان.. ذكر ياقوت الحموي أنَّ”العزى سمرة” كانت كعبة لغطفان يعبدونها، وكانوا قد بنوا عليها بيتاً وأقاموا سدنة يخدمونها. أما كعبة”سنداد”فكانت تقع بين الحيرة والأبُلَّة، حيث تحج إليها معظم القبائل العربية، ولقبائل إياد بيت يحجون إليه يسمونه”ذا الكعبات”، ثم”بيت العزى”، وهو صخرة ولها سدنة وبيت مبني مثل كعبة مكة.. وهناك أيضاً”بيت مناة”في موضع المُشلل، وهو مكان قريب من المدينة، لا يبعد أكثر من سبعة أميال عنها، وله صخرة خاصة به ـ كالحجر الأسود ـ وله سدنة مخصصون.. وكذلك كعبة”رضى”، أو”رضاء”، وكعبة”سقام”، وكعبة”رئام”.. أما كعبة الطائف التي سنتحدث عنها، فكان يُطافُ حولَها مثل كعبة مكة، وطقوس حجها قريبٌ من حج مكة.

من ذلك نرى أن الحج إلى مكة كان في الجاهلية قانوناً دينياً يكتمل بطقوسه بعد المرور بعدد من الكعبات والأماكن المقدسة، ولم يكن الموضع الوحيد الذي يغني حجه عن سواه، لكن مايلفت النظر في كل هذا التنوع الكثير في عدد الكعبات، أنها ارتبطت ذكراها دوماً بحاضنتها أو بحواضنها القبلية، فكل صنم وكل كعبة كانت تحمل رمزية قبيلة أو مجموعة من القبائل، الأمر الذي كان يضفي تعظيماً وهيبة على القبيلة التي تقوم بسدانة تلك الكعبة وتعمرها في جوارها.. من ذلك سوف نستنتج أن الصراع العلني أو الخفي، المباشر أو غير المباشر، بين القبائل سيملي في سياقه أو بجواره تاريخياً صراعاً تنافسياً حاداً بين الكعبات نفسها، وسيعطي أهمية لهذه الكعبة أو تلك، يدور جانبها الديني مع المعنى والمحتوى السياسي أو القبلي لذلك الصراع.. فليس لشيءٍ معزِلٌ عن كل شيء في الحياة المتشابكة وتعقيداتها.. فكعبة الطائف(مركز عبادة اللات)، أهدت لسادنتها قبيلة ثقيف فخراً دينياً إضافياً، واعتزازاً برعاية الآلهة(اللات)لمجد القبيلة وموضع مدينة الطائف في درجات الترقي الروحي عند العرب الوثنيين.. وهو الأمر نفسه، كما نعلمه مسبقاً بالنسبة لكعبة مكة وقبيلة قريش، فقد ارتبط مجد الكعبة وقيمتها التعبدية بخدمتها من أبناء وأحفاد”قصي بن كلاب”حتى مبعث النبي وظهور الإسلام.

بيد أن بذور صراع جديد بدأ يطغى ويحتدم خفية بين الحنفاء أنفسهم، أعود بسببه كما أُرَجِّح إلى الصراع العنيف الذي كان ناشباً بين القوى الدينية التي كانت تشرف على التربية الروحية والتثقيف الديني لأولئك الأحناف، وأعني بتلك القوى حصرياً النساطرة والأبيونيين.. لقد تبنت الفرقتان المسيحيتان العربَ الموحدين، أولئك المفارقين لتلك الوثنية الغارقة في تاريخهم البعيد، والمتصلة الجذور بمرحلتها الطوطمية القديمة، وبالطبع كان لكل واحدة من الفرقتين فكرة وهدف يدور حول موضوع تأسيس جماعة دينية جديدة ودين جديد مختلف فيما بينهما؛ فمن جهة أولى كان النساطرة يطمعون إلى كسب أولئك العرب الذين عُدُّوا بلا دين حقيقي حتى ذلك التاريخ، وأن يحاولوا محاولة جادة تتوافر لها كل مقومات النجاح لوصل ما اتسع من جغرافية نفوذهم الديني في سائر المشرق، وربما تكلل ظفرُهم بتحويل جزيرة العرب إلى النسطورية بتأسيس دولة وكيان سياسي يعمل على نصرة المذهب المسيحي الأقوى شوكة دعوية والأضعف في الإمكانات السياسية.. حتى أمبراطور الروم وجد أن أهدافه تتسق وتتوافق مع أهداف النساطرة الذين كان يخالفهم ويناصبهم العداء في هذا المقصد، فقد كانت جزيرة العرب تشكل الخاصرة الرخوة للأمبراطورية، دينياً وسياسياً، حيث لا سبيل سهلاً للوصول إليها، ولا أنصاراً كثيرين مؤيدين لدين المسيح خلال منعرجاتها الواسعة وجغرافيتها العميقة، فلنتخيل مجرد تخيل لو أن سائر قبائلها العربية قد شكلت ممالك ودويلات مسيحية ارتبطت بالقسطنطينية مباشرة، حتى لو أمكن فيما بعد الارتباط بها وفق معاهدات دولية أو جذبها دينياً، ومحاولة الهيمنة عليها بغية تصحيح عقائدها النسطورية وتقديم إغراء سياسي بارتباطها بالأمبراطورية الرومانية.. ألم يكن ذلك وحده سوف يشكل فتحاً جديداً لكل طرق التجارة البرية والمنافذ البحرية المتصلة بكل بحار العالم؟ ألن يشكل هذا التحول ضربة موجعة لأمبراطورية الفرس، العدو التاريخي اللدود للرومان، سوف تفقدهم حليفاً مفترضاً ورصيداً حضارياً ظلوا يطمعون فيه عبر قرون من خلال بوابة اليمن وقبائل حمير؟

يروي الأصفهاني، صاحب الأغاني، خبراً عن “ربيعة بن أمية بن خلف” يقول فيه: أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني محمد بن يحيى قال: حدثنا غسان بن عبد العزيز بن عبد الحميد:(أن ربيعة بن امية بن خلف كان قد أدمن الشراب، وشرب في شهر رمضان، فضربه عمر رضي الله عنه، وغرّبه إلى ذي المروة، فلم يزل بها حتى توفي، واستُخلِف عثمان رضي الله عنه؛ فقيل له: قد توفي عمر، واستُخلِف عثمان فلو دخلت المدينة ما ردك أحد. قال: لا والله، لا أدخل المدينة فتقول قريش؛ قد غرّبه رجل من بني عدي بن كعب. فلحق بالروم وتنصر، فكان قيصر يحبوه ويكرمه، فأعقب بها)الأغاني : أخبار مُضاض بن عمرو ـ هذه الرواية تزيدنا تأكيداً على علاقة الدولة الرومانية المباشرة بالحنفاء، وبفرعهم القرشي الذي كان بنو أمية ومخزوم أغلب ممثليه.

أما الأبيونيون، تلك الفرقة التي تمت إبادتها والقضاء عليها في كل أراضي الأمبراطورية وسائر أرجائها، حتى أنه لم يبقَ منها بقية تذكر إلا في بعض المستنيرين الدينيين، وبقايا أولئك المثقفين المسيحيين الذين فروا بأنفسهم وبأهليهم، ونأوا جانباً في تلك الصحراء اللاحبة المتسعة الأرجاء وهم في وضع”اختباء”وفرار بالنفس من الهلاك الذي يتهدد حتى تلك البقية الباقية منهم.. لقد ولد لديهم حلم جديد وطموح جديد: هؤلاء عرب يعيشون كقبائل لا دول قوية ذات شوكة تحكمهم وتتحكم بهم، بدأت تتكون من داخلهم بذور فكرة توحيدية عظيمة القدر تستحق التقدير والإجلال والاهتمام، وشرعت بعض نخبهم القبلية والمثقفة وبويتاتهم التي تتمتع ببعض المال والرخاء التجاري بتقبل فكرة تغيير دينهم الوثني وواقعهم المعتقدي البائس والعتيق المفوت تاريخياً منذ قرون.. ألا يكون ممكناً ومجدياً أن يتم دمج هؤلاء الموحدين المتحمسين” لديانة ابراهيم”بفكرة الأبيونية ولاهوتها الذي كان يدور محورياً حول فكرة أن المسيح هو عبد الله ورسوله الذي عاش ومات كما يعيش ويموت سائر البشر، لا ألوهية في شخص المسيح، ولا لاهوت تجسد في جسمه البشري..؟ فإذا نجحت الأبيونية في كسب هذه النخب العربية التي مالت إلى التوحيد ونبذ الوثنية، فإن حلماً وبارقة أمل كبير بوسعه أن يولد من جديد، أمل يوحي بأن الأبيونية قد بدأت تفكر في انبعاثتها من جديد من خلال العرب، وأن تولد فيهم ولادة جديدة..

واقع الأمر أن هذا التأسيس النظري الذي تصورناه قبل قليل لم يكن جديداً، فقد لاحظه كثيرٌ من المؤرخين العرب وغيرهم، وأسهب المستشرقون في تفاصيله إلى حد أن فكرة تأثير النسطورية والأبيونية في الأحناف باتت من المقدمات النظرية التي يصعب تجاوزها أو إهمالها والتغاضي عنها، وذلك في إعادة تصور موضوعي للكيفية التي جرى عليها بناء الدين الجديد، الإسلام، والحيثيات الأولى التي تقدمت مراحل ذلك البناء.. ليس في هذا أي محتوى جديد إذن؛ أما الإضافة الوحيدة والجديدة التي أتوقع أن أبدي فيها رأياً في الموضوع فهي أن هذا الصراع النسطوري ـ الأبيوني، في إعادة تشكيل الدين الجديد والتأسيس له قد(شقه نصفين)، فانقسم الدين الذي كان يافعاً غضاً في طور التأسيس النظري والبناء الروحي إلى دينين، تبنت النسطورية جانبه الأول، أو جسمه الأساسي،(الحنفاء) وتبنت الأبيونية الجناح المنشق عنه:(الإسلام).

لا نستطيع أن نتصور، بل وليس من العقل والمنطق في شيء، أن بقية القوى الروحية والطوائف والأديان الأخرى قد وقفت متفرجة على هذا الصراع، لقد كان لكلٍ وسعه ونفوذه وحماسه لدينه ومذهبه، ولذلك كان منطقياً أن يسعى كلُّ طرفٍ من تلك الأطراف إلى التأثير ولو بقدر، في حرف ذلك الصراع وجذبه كلياً أو جزئياً إلى صفه، خاصة أن الأمبرطورية الفارسية كانت حاضرة على طول الخط، وهي بكل تأكيد كانت تراقب مايجري وتعاينه بعين الفاحص الخبير، وتدرك أبعاده ومراميه ومقاصد أعدائها الرومان من احتمالات انتصار هذا الطرف أو ذاك.. لقد كان هناك زرادشتيون وصابئة ومانويون يتوافقون مع الدين الفارسي بنسب، ويتبادلون تأثيراً ثقافياً مع فارس، تاثيراً له وزنه وأهميته القصوى ظل يتطور في جزيرة العرب عبر قرون عدة.. وهؤلاء أيضاً سيكون لهم دور في هذا الصراع المحتدم، وذلك التشكل الخطير الذي بدأت أبعاده وتفاصيله تتضح للعيان يوماً بعد يوم.. ربما كان اليهود هم الفئة الوحيدة التي أخذت جانب الحياد في مراحل الصراع الأولى، ولبثوا يراقبون الوضع عن كثب حتى حين، غير أن الوضع سرعان ماتغير بعد فترة، حيث أخذ الصراع في مراحله المتأخرة جانباً من الحدة والعنف وضح أنها سوف تنتهي بصراع طويل لن ينتهي إلا بانتصار طرف على آخر، عندئذٍ أصبح بالإمكان القول إن الحياد في أجواء هذه التهديدات المحيطة من كل جانب بات دون معنى، هذا إن لم يكن انتحاراً مجانياً مؤكداً، فخرجوا من حيادهم ووقفوا سراً في بداية الأمر، ثم بسفور وعلانية دون لبس إلى جانب الحنفاء/ النساطرة، في وجه الحنفاء/الأبيونيين.. الذين انشقوا عن أخوانهم، وتحول اسمهم إلى الإسلام، ثم أصبحوا يدعون بالمسلمين.

وصل الصراع إلى ذروته القصوى، وبدا أن لا مندوحة عن الصراع المسلح بين الطرفين، وكانت معركة”حُنين” هي المعركة الفاصلة والحاسمة التي لم يعد بالإمكان تجنبها بين الطرفين.. تم سحق الدين القديم(دين الحنفاء)، وأصبح الطريق إلى عاصمتهم (الطائف) مفتوحاً، والتي ستكون الهدف المباشر بعد حنين للنبي والمسلمين، وهزمت الحوامل القبلية المدافعة عنهم؛ هوازن وثقيف وعامر وكل الحلف القبلي الملتف حولهم، في معركة حنين هزيمة عسكرية مباشرة.. وبوسعنا أن نضع خارطة فعل ديناميكي مؤثر في الأحداث كما تجلت دينياً واجتماعياً، وبالتالي سياسياً.. الحنفاء كان يغلب عليهم سمة التردد والضياع الروحي، فهم رسمياً ليسوا بـ”نساطرة على وجه الحقيقة والتسمية والفعل”، لكنهم يزعمون أنهم على”دين ابراهيم”، وهذا الزعم لم يكن كافياً طالما لبثوا بلا وثيقة روحية ودينية مكتوبة ومعتمدة، ولا يفيد بشيء ادعاؤهم أنهم على دين ابراهيم طالما أن دين ابراهيم نفسه كان شيئاً غير محدد الهوية والمعالم والتفاصيل، وليس له أطر وثوابت معتمدة، أوسياقات عقدية تصورية واضحة، لهذا يمكن القول إن التردد وعدم الإفصاح والحسم ميز علاقتهم ببعض، وعلاقتهم بالآخرين أيضاً.. ولقد زاد من ضعفهم ووهنهم أن نبيهم(الثقفي) المرشح لإعلانه نبياً على كل جزيرة العرب، “أمية بن أبي الصلت”، كان قد توفي بعد غزوة بدر بفترة قصيرة، فأطبق الفراغ عليهم من كل جانب، والثابت أنهم قد اتخذوا من مدينة الطائف مركزاً رئيسياً، أما أسباب اختيارهم للطائف كما أرى، فلم يكن دينياً خالصاً، وإنما قبلياً واقتصادياً وربما حربياً عسكرياً أيضاً، وذلك لأنهم وجدوا في مدينة الطائف وفرة اقتصادية وملتقى طرق تجارة لم تتوفر لسواها من المدن العربية إلا نادراً، فضلاً عن أنها محطة الحج إلى كعبتها الشهيرة، كعبة الطائف، مركز عبادة (اللات)، والأوفى أهمية بالنسبة لمدينة الطائف هو أن ثقيفاً كانت فرعاً من عامر بن صعصعة وقيس عيلان وقبيلة هوازن القوية المنيعة، والمعتزة بكثرة عددها ووفرة مقاتليها وفرسانها.. فقد جمعت الطائف إذن ميزة القوة القتالية الحربية إلى ميزة الازدهار الاقتصادي ـ الزراعي والتجاري ـ فضلاً عن المكانة الدينية التي ميزتها على غيرها، بكونها قبلة محج العرب إلى الآلهة الأشهر، وهو صنم (اللات)..

تفترض كثيرٌ من الشكوك بأن كعبة الطائف التي ذكرنا أنها واحدة من أصل ثلاث وعشرين كعبة كانت تتوزع في جزيرة العرب، هي أكثر المواضع التي حازت قدسية خاصة لدى العرب، وحفلت بنشاط وازدهار ديني لا يضاهى بسواها، كما أن عبادة (اللات)، آلهة العرب الرئيسية كان مجتمعُها الأساس في مدينة الطائف، فضلاً عن أن سوق عكاظ التجاري والديني والأدبي، الثقافي والاجتماعي الأشهر بين أسواق العرب، كان مركزه الطائف، وأن قبيلة ثقيف كانت تختص بشرف سدانة كعبة الطائف والإشراف عليها، واستقبال الحجاج من زوار(اللات)، من كل مكان في جزيرة العرب للطواف وتقديم النذور والأضاحي وتجديد الولاء.. ويساورنا الشك كثيراً أن(اللات) لم تكن في ماضٍ بعيد، قبل عقود مضت من تلك الجاهلية، هي آلهة وثنية عادية، شأنها شأن بقية أصنام العرب في الجاهلية، وإنما كانت السلف البدائي والأول لمفهوم(الله)، أو مابات يعنيه مفهوم الله في الاعتقاد، إذ بات معروفاً اليوم أن عبادة الآلهة الأنثى(في المرحلة الأمومية الماتريكية) قد سبقت عبادة الإله الذكر بفترة طويلة، ولكن مع التحول الاجتماعي الذي طرأ على مجمل مجتمعات تلك الأعصر القديمة، خاصة في مجتمع استحال إلى مجتمع ذكوري شديد العنفوان والاعتداد بالذكورة وأهميتها، كالمجتمع العربي الجاهلي قبل الإسلام، تم الانتقال رسمياً في المرحلة(الباطريكية الأبوية)إلى عبادة الآلهة المذكرة: (وكان لأهل الطائف معبدٌ يحجون اليه، وهو معبد(اللات). وكانوا يعظمونه ويتبركون به. وكان سدنته بنو عتاب بن مالك وهم من ثقيف. وكانت العرب ومنها قريش تعظمه وتحج إليه وتطوف به) ـ جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، المجلد 4 ـ

بدأ التحول من عبادة الآلهة الأنثى إلى عبادة الإله الذكر، ولكن دون أن تسقط الآلهة الأنثى أو ينتفي دورها، وإنما تراجعت مكانتها، وانتفى تفردها بعد أن تقدمت فكرة الله عليها، واعادت تكرارها في صيغة جديدة وتصور جديد. يؤيدني في ما ذهبت إليه د.جواد علي فيما جمعه من أدلة حول الموضوع، حيث يقول صراحة: (وصنم اللات هو(أليلات)و(اللات) Alelat = Alilat المذكور في تاريخ”هيرودتس”. ذكر أنه من آلهة العرب الشهيرة. والتسمية عربية النجار، وقد غُيرت تغييراً طفيفاً، اقتضته طبيعة اللغة اليونانية، فذكره”هيرودتس” على النحو المذكور. وهو يقابل الإله Minerva أي”أثينة” Athene عند اليونان.){المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ـ المجلد السادس}.

نستنتج من إشارة د.جواد علي، أن اللات حسب ملاحظة هيرودتس هي كبير آلهة العرب، وأنها تمثل ماتمثله”مينيرفا” أو”أثينا”، ربة الأرباب الإغريقيين، وذلك بخلاف مايرويه ابن الكلبي في كتاب”الأصنام” من أنه يظن بأن الآلهة(مناة) أقدم عند العرب من(اللات). نظير ذلك ما يُستشهد به من شعر أبي سفيان، حيث يقول مقارناً ومقابلاً بين إلهين متكافئين كما يراهما:

لعمرُك إني يوم أحملُ رايةً * لتغلِبَ خيلُ (اللات) خيلَ محمدِ

وبحسب ملاحظة د. جواد علي، فقد:(أشير إلى”خيل اللات” في مقابل “خيل محمد”){المفصل ـ المجلد السادس}، إذ من المعروف أن النبي محمداً كان يكثر من استعمال عبارة:(ياخيل الله اركبي)، وهذا هو مضمون إشارة د. جواد علي في مغزى ذلك التقابل وتلك المشاكلة اللفظية.

معبد الحسون

 

 

 


Posted

in

by

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »