Views: 94 لنكن واضحْين..قبل أن يمضيَ الجملُ بما حمل – الرقة بوست-Raqqa Post

لنكن واضحْين..قبل أن يمضيَ الجملُ بما حمل

رئيس التحرير 

لنكن واضحين، لا يوجد في الإسلام كله، القرآن والسنة وكتب الأقدمين وكل ما أتت عليه حضارة المسلمين خلال خمسة عشر قرناً، مصطلح اسمه”الجهادية السلفية”.. من لديه علم آخر ورأي آخر فليذكر لنا أين يمكننا العثور عليه في كل تراث الإسلام وفي حضارتنا الإسلامية.. كما لا يوجد في الإسلام كله، قرآناً وسنة وتدوين كتب علماء، مصطلح اسمه”الدولة الإسلامية”.. مع أن المسلمين انتشروا في جغرافيا العالم القديم، (حين لم تكن القارة الأمريكية معروفة)، بين غربي تركستان أواسط الصين شرقاً، وحتى جبال البيرينيه بين فرنسا وإسبانيا، وأعالي شمال إسبانيا حتى الأطلسي غرباً، ومن وسط أفريقيا حتى المتوسط مع بعض أجزاء من أوروبا، ومع أنهم عرفوا مئات الدول والسلطات والخلافات والأمارات التي تعاقبت على سكان المنطقة خلال خمسة عشر قرناً، إلا أننا لا نعرف دولة من تلك المئات سمت نفسها باسم”الدولة الإسلامية”، إلا الدولة الإسلامية، “داعش”، التي أسستها المخابرات الجوية السورية بالتعاون مع حكام بغداد و”الباسيج” الإيراني، وبمساعدة لوجيستية من منظمة”بلاك ووتر” الأميركية.. ولو كان ثمة دولة وجب وجوباً أن تسمي نفسها بالدولة الاسلامية، لكانت دولة النبي الكريم في المدينة أولى وأوجب تلك الدول لأن تُسمى كذلك، ولكان الخلفاء الراشدون، ومن بعدهم الأمويون والعباسيون والزنكيون والأيوبيون والعثمانيون، أحق وأولى بالتسمية، وهم ممثلو كل جغرافيا الشرق المسلم ودول الإسلام والمسلمين المتعاقبة في عصور شتى؛ وأن يصطلحوا على دولهم بمسمى”الدولة الإسلامية”..

ولنكن واضحين، فقبل نصف قرن، تحديداً قبل ظهور مؤلفات سيد قطب وأبي الأعلى المودودي، ما عرف العالم الإسلامي كله مصطلحاً اسمه”حاكمية الله”، و”جاهلية القرن العشرين”، و”المفاصلة بين المؤمنين والمشركين”.. وغير ذلك مما شاع وانتشر فيما بعد، من عواصف مصطلحية بارك ظهورَها الإسلام السياسي وقطاعات شعبوية وثقافوية واسعة، كانت تختزن غضباً وحزناً من هذه الهزيمة الحضارية والفجوة التي بدأت تتسع بين الشرق والغرب، وكان اللهاث المحموم يتصاعد على قدم وساق، خلال قرن كامل للبحث عن قضية/قضايا، تتصدى للغرب وشمولية هيمنته وتفوقه الاستعماري، ونفوذه واستعلائه المادي والعلمي العقلي، وقدراته التنظيمية والتخطيطية الهائلة.. فكانت ردة الفعل على التحجر المجتمعي والفوات الحضاري، هي ضربٌ من التمسك الهوياتي المتحدي، والعناد الأشد صلابة بأن بضاعتنا هي الأفضل، ولكن.. وأن لدينا من القوة مايفوقهم، ولكن.. وأن الله سوف يقف في النهاية معنا وإلى جانبنا، بالفطرة والبديهية.. ولكن..

وكما أحدث ظهور الاختراعات النوعية العملاقة والخارقة، مثل وكالة ناسا، وتكنولوجيا غزو الفضاء، واختراع الكومبيوتر وثورة المعرفة وعالم الرقميات، والقنابل الاستراتيجية الذرية والهيدروجينية، نقلة من عالم الماضي إلى عالم الحاضر المعقد، أوجد الغرب في مناطق العالم القديم، ومنه الشرق الأوسط، عدداً من “الاختراعات الذكية” الفائقة القدرة على إحداث نقلة نوعية في تطوره الصاعد: فقد تم اختراع تكنولوجيا متفوقة اسمها(الدولة السعودية) و(دولة قطر) ودول الخليج، كما تم اختراع باقي الديكتاتوريات الأخرى، (أليست هذه الدول وهذه الأنظمة المتعددة الوظائف جزءاً من اختراعات تكنولوجيا ذكية؟)..كما تم أخيراً اختراع الإرهاب.. وهو نهاية الذكاء وذروة ماتفتق عنه العقل الإنساني التقني..

لا يوجد في العالم كله إرهاب لا تقف وراءه أجهزة ومؤسسات ودول، منذ الحادي عشر من سبتمبر وحتى اليوم، ومئات العمليات الإرهابية تطالعنا أخبارُها كل صباح، وعشرات التنظيمات التي تظهر(وقدرات هذه التنظيمات العملية تصل موازناتها أحياناً إلى مئات ملايين أو مليارات الدولارات، كما في مثال داعش)، ثم تتلاشى فجأة بعد أن يوجه الإعلام الدولي والرسمي، ظهوراتها واختفاءها المفاجئ.. لا يوجد في العالم الإسلامي كله إرهابي واحد لم يتم الاشتغال على ظهوره. لم يعرف العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه الإرهاب قبل ستينيات القرن الماضي، حيث شُرِع في استنساخه واختراعه وتربيته التربية اللازمة، كما يُحتضَنُ طفلٌ منذ الولادة.. الإرهاب والدكتاتوريات والإعلام الدولي والمحلي، كلها وشائع إلكترونية وملفات يتم اختراعُها لصالح قوى عالمية مهيمنة مستكبرة ومتغطرسة، من أجل صناعة أمم فاشلة ودول من الكرتون وتجفيف الحضارة وناسها واستقطاب ثرواتها وطاقاتها الحية وكل ممكناتها.. وهناك دول وظيفية بالعشرات، مهمتها الوحيدة تسهيل المهمات والسهر على إنجازها وتجليتها. ولسنا من البهيمية والغباء إلى درجة أن لا نعي بأن عملية مانشستر الأخيرة، وعمليات قتل الأقباط المستمرة بالجملة في صعيد مصر، هي مهام صغيرة في آلة الأجهزة والمؤسسات الكونية الكبرى.. ذلك كيلا لانتعسف في اللغو الكثير والتحليل المجافي للمنطق والعقل، وأن لا ندخل لعبة تحليل الدين، والبحث في جيناته، أو جينات المتدينين به ومن خلاله، عن العناصر الميكروسكوبية التي تؤدي إلى الإرهاب..

اليوم يجتمع حلف الناتو بجحافله، ومعه دول حلف وارسو القديم الذي تفكك، وأعوانهم من عشرات دول المنطقة (للقضاء على داعش)، ونحن نعلم علم اليقين، وبالمعاينة الحسية و”مسك اليد”، كما يقولون، أن داعش كانت أهونَ الهينين علينا، وكانت لا تحتاج إلى أكثر من بضعة مئات من شباب الثورة، وشيئاً يسيراً من الدعم اللوجستي حتى يتم تكنيسها من كامل المنطقة الشرقية،(لا الرقة وحدها)، وخلال أسبوع واحد على الأكثر.. لكن القرار من تمكينها وتصليبها وزرعها في الأرض، مع تظهير صورتها كهُولة أسطورية مرعبة ليس من اليسر التخلص منها، كان قراراً خارجياً شاركت كل الأطراف اللاعبة فيه، ولن ندخل في مناقشة القرار وتفاصيله وحيثياته وأسبابه ، لكننا نطلب شيئاً وحيداً فحسب، وقبل أن يمضي الجمل بما حمل، هو أن يتم احترام عقولنا في ظلام كل هذا العبث والفوضى التي تعصف من حولنا.

ولنكن واضحين اخيراً.. إذا لم تمتلك هذه الشعوب((العقل))، الذي بدأ ثورته وشق طريقه قبل أكثر من خمسمائة عام، وتشرع في ثورتها على الأوهام والتفسيرات السحرية لمصيرها ووجودها، ستظل في حظائر المراوحة في بدائيتها وغرائزيتها.. وإذا تمكنت من امتلاك العقل والتنظيم وتفكيك قوانين الواقع والحياة والكون ملكت كل شيء.. رفعت الأقلام وجفت الصحف.


Posted

in

by

Tags:

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »