مسؤولو النظام كيف تم شرائهم بسمن وجبن الرقة؟

عمرالبنيه

عُرفت مدينة الرقة بغناها وتعدد مواردها الطبيعية وأراضيها الزراعية الخصبة ومراعيها المتنوعة، والتي ضمت أصناف متعددة من المواشي والمنتجات الحيوانية من لحوم وحليب وأجبان واشتهرت المدينة بسمنتها وأجبانها، التي تتفرد بنكهتها الخاصة لجودة تصنيعها وطبيعة المراعي المميزة، وحتى أن مشاهد تصنيع النساء الريفيات للسمن والأجبان أصبحت جزءاً من تراث المدينة يعرض في المعارض والمهرجانات.

في وسط المدينة اشتهر شارع كراج المزارع ببيع السمن، وتنوعت فيه أصناف السمن والجبنة البلدي، وإلى جانب محال بيع السمن والجبنة كانت محال الجرار البلورية الكبيرة والمستخدمة لتخزين السمنة والجبنة، وكل هذا وسط مشهد جميل لا يزول من ذاكرة أبناء المدينة وزوارها..

ذاع صيت مدينة الرقة بسمنها وجبنها.. ومع قدوم مجموعة من المدراء والضباط الفاسدين إلى المدينة قاموا باستثمار المدينة وأهلها حتى بالسمن والجبن، وكان لا يخجل أي مسؤول بالقول: “سمنكم وجبنكم طيب…! لا تنسوا تحسبوا حسابنا…!!”

وأصبح المسؤولون الفاسدون الصغار يغرون أسيادهم الكبار بسمن وجبن الرقة، ويعدونهم بإرسال مؤنة البيت من السمن والجبن، وطبعاً كل هذا كان على حساب المراجعين، وأصحاب الحاجات والمصالح من أبناء المدينة، فتحول السمن والجبن إلى أداة للرشوة ومفتاح للأبواب المغلقة…!

وكون السمن والجبن يوضع بالجرار الزجاجية الكبيرة السهلة الكسر عند الشحن، كان الحل عند زهراب…! صاحب محل تصليح البوابير بشارع المنصور.. حيث أدخل زهراب التنك المعدني إلى المدينة واشتهر به…! وكان يضع الجبن والسمن بالتنك المعدني.. ويقوم بإغلاقه بإحكام ولحامه، وعندها يصبح جاهزاً للنقل، ليصل بكل سهولة إلى بيوت المسؤولين والضباط بدمشق.. وأصبح الضباط والمسؤولون يطلبون تنك السمن والجبن علناً من أبناء المدينة…!

وتحول زهراب إلى تاجر للسمن والجبن.. وكان زهراب يدور على الدوائر والمؤسسات الحكومية ويسأل مدراءها عن احتياجاتهم من هدايا السمن والجبن لرؤسائهم ومسؤولي العاصمة..

وذات مرة دخل زهراب إلى إحدى الدوائر وكان فيها مدير جديد، فسأله عن احتياجاته من السمن والجبن.. فكان جوابه: أريد مؤنة بيتي.. فخرج زهراب مستغرباً ومردداً: “يا شباب مديركم يا غشيم، أو مدعوم بقوة ومو سائل عن أحد…؟! المدير السابق كان يطلب أكثر من عشرين تنكة ويشحنها إلى دمشق…!”

وعلى سيرة الشحن إلى دمشق، يكون المشهد السريالي أكثر تجلياً في “عبّارة القدموس” بشارع الوادي، فالداخل إلى العبارة يجد تنكات السمن والجبن بأعداد كبيرة تنتظر من يشحنها في باصات شركة القدموس للنقل والذي يدير مكتبها مدير المصالح العقارية السابق…!!

واليوم يستمر المشهد ذاته، حيث تسرق خيرات هذه المدينة اليتيمة، ويحل الخراب والدمار بسوق السمن والجبن ودكان زهراب ويصبحا مجرد حكايا، وتبقى الكلمة للأجراء والمسؤولين من وكلاء قنديل والقدموس القدامى والجدد…!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *