Views: 425 مولية الفرات .. فلكلور الرقة العريق. – الرقة بوست-Raqqa Post

مولية الفرات .. فلكلور الرقة العريق.

مازن معن حسون – الرقة بوست

لي فاض بحر الهوى الزين ملاّحي”
حتّى لعذيبي تباهى حين ما لاحي

القلب دوح يحسب والعين ماتنامي
تحمسون قلبي ليش تمرون جدامي”

مَن مِن عاشقي الفرات لا يعرف ما هي “المولية” ؟ ومن لم يذب فؤاده المُثقل بهموم الحياة وعذاب المعشوقة على شجون “المولية”؟ لأبناء الرقة على مدار الأعوام دواؤهم الفريد , الخاص بأبناء ضفاف الفرات , واسأل عن ذلك معشر العاشقين في هذه المدينة . هؤلاء العشّاق الذين اعتادوا البكاء على أنغام المولية , حيث كان يُقال لمن استعصى عليه أمر الحبّ وكان في أقصى حالات الهيام أو الحزن و الهم “اذهب فدوائك المولية”.

في معظم الجلسات الشعبيّة تكون المولية الفراتيّة حاضرة , بل أمراً أساسياً , حاجةً ماسة , وخصوصاً اذا حضر “الدف” برفقة صاحبته المولية. حيث تسافر أرواح المستمعين الى عوالم أخرى , لتعيش أعذب اللحظات الروحانية , على أنغام المولية.

على ضفتي الفرات لا مكان لشوبان أو موزارت ولا حتّى لبتهوفن , فأهالي الفرات لا يتذوقون من الموسيقى سوى “المولية”, والموليّة فقط. في الحقيقة نحن عنصريون لموليتنا , فالمولية باتت اليوم هوية مدن الفرات الحزينة , الفرات ينتمي للمولية والمولية تنتمي للفرات , كأنّهما توءأمان لا يفصلهما عن بعضهما شيئاً.
“الرّيمة الجاتلية صبّاغ بالنيلي
لبست ثويب أحمر ما تقبل النيلي
قالت ماريد العفن لونو يبنيلي
قصرٍ وفضة وفوق القصر علّيّه”
المولية , هي إحدى ألوان الفلكلور الرّقيّ , والفراتي على وجه العموم, وتُعدّ أهم ظاهرة في الفنّ الشعبي التراثي لسكّان الرقة ودير الزور . المولية كلون غنائي ذي صبغةٍ تراثيّة هي قصيدة موزونة على أحد بحور الشعر العربي ألا وهو “البحر البسيط” وتفعيلته هي : مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن ويجوز فعلن.

وتتألف من أربعة أشطر غالباً ما تكون الأشطر الثلاثة الأولى متشابهة القافية , أمّا الرابع فينتهي بحرف الياء أو الهاء حصراً , ممّا يمنح قصيدة المولية طابعاً متميّزاً من الحزن واللوعة , كما في المقطع التالي:
“يما التعاليلي يما التعاليلي
اني بجمر الغضى وانتِ بتعاليلي
عند مغيب القمر سمره تعاليلي
تشوف من يدحمج واني اجرع الميه”

ويقول البعض بأنّ هذا النوع من المولية وجِد على ضفاف نهر الفرات , وقد أخذت طابعاً حزيناً . ويعود تاريخها الى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. تُغنّى المولية على بعض الآلات الموسيقيّة البسيطة والتراثيّة في ذات الوقت مثل : (آلة الدف – المزمار – والربابة) ولها مقامان : (مقام الناهوند ومقام البيات ).

لقيت المولية انتشاراً واسعاً حتّى عمّت سائر بلاد الشام كفلسطين ولبنان والأردن فلقد غنّت السيدة العظيمة فيروز المولية في لبنان عندما قالت :
“هيهات يا ابو الزلف عيني يا مولية”
كما غنّت الفنانة سميرة توفيق المولية على الطريقة الأردنية :
“عالعين موليتين عالعين مولية
جسر الحديد انقطع من دوس رجلّيّه”
وأيضاً عن المولية الفلسطينية :
يما مويل الهوا يما موليا…
محلى البسمة بعيونك هالفلسطينية”

ولقد غنّى المولية الكثير من الفنانين الذين صدحت حناجرهم حزن المولية الفراتية ونذكر منهم : خلف الفرج – حسين الحسن ووالده – محمد الحسن – خلف الحسان- حسان العكلة– ابراهيم الأخرس وغيرهم . وأشهر شعرائها الشاعر محمود الذخيرة رحمه الله، إضافةً الى زيد المحمد الهويدي.

المطرب الشعبي حسين الحسن
الشاعر محمود الذخيرة

يكمن سرّ نجاح المولية واجتياحها لمنطقة وادي الفرات في قوة الكلمات وجزالتها, إضافةً لكونها كُتِبت باللهجة العامية والتي يصعبُ على غير سكّان ضفاف الفرات فهم بعض كلماتها. تتناول قصائد المولية العديد من المواضيع المختلفة كالعشق والهيام , وأحياناً تتحدث عن شجاعة الثوار في مقاومتهم للعثمانيين ومن ثمّة الإحتلال الفرنسي.

تمكّنت المولية الفراتيّة من إضفاء جمالية ولذّة على الحزن , فمعظم من حضر جلسات المولية شعر بسكرة تلك اللّذة بل انغمس فيها . وما أن يخرج حتّى يكاد ينسى همومه وأحزانه , كما لو كانت مياه المسيحيين المقدسة التي تغسل كلّ الذنوب والخطايا.
“احباب قلبي رحلم حيران بايامي
القلب دوم يحاسب والعين ما تنامي
يحمسون قلبي ليش يمرون جدامي
مابي سبب للزعل عيني يالبنيه”

مازن معن حسون ناشط سوري

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »