Views: 199 وداعاً حسين الحسن سفير العشاق والمتيمين – الرقة بوست-Raqqa Post

وداعاً حسين الحسن سفير العشاق والمتيمين

الرقة بوست – خاص 
يوسف دعيس

“نجـم الثريـا تعلّى فوق الميازين

برد الصبح صابني بزرقاج لفيني”

الشاعر محمود الذخيرة

لا يمكن أن تفصل حسين الحسن عن الربابة، وإن فعلت كأنك تجرّد فارساً حسامه، كما لو أنك تنزع الحب من القلوب، كما لو أنك تفارق الحبيب إلى الأبد، أو أنك تمنع الحزين من بثّ شجونه.. هكذا وبكل بساطة ارتبطت الربابة بحسين الحسن.

هل يمكن للوتر الوحيد أن يُصدر مثل هذا اللحن الشجي، هل يمكن أن تكون الكلمات المنسابة من حنجرة حسين الحسن بهذا التأثير.. فكم من عاشق بكى على رجع صوت جرّة القوس على الوتر.. هي حكاية حسين الحسن مع الربابة، هي حكاية الصفصاف والماء، هي حكاية الكلمة مع الصوت الشجي، هي الحكاية التي أدخلته إلى قلوب أهل الرقة.

يعد الفنان الراحل حسين الحسن ظاهرة فنية في منطقة الفرات لا يمكن أن تتكرر على مدى طويل من السنوات القادمة، ولعلّ رحيله سيشكل فراغاً كبيراً في مسيرة الفن الشعبي الفراتي، خصوصاً أنه أعقب وفاة الشاعر الشعبي محمود الذخيرة، الذي شكل معه ثنائياً لا يمكن أن تجود به الرقة في قادم الأيام، ولاعتبارات كثيرة أهمها، أن شاعرنا الذخيرة استطاع أن يترجم أحاسيس الفنان حسين الحسن على مدى سنوات طوال، واستطاع الحسن أن يؤديها بتألق قلّ نظيره.

رحيل حسين الحسن سيكون له أثر كبير في نفوس محبيه، وستظل كلمات محمود الذخيرة التي غناها الحسن عالقة في أذهان أهل الرقة والفرات، فمن يستطيع أن ينسى:

“النجمة الشـعشعت تلهب لهيب حشاي

ويزين كصد الولف حافي الجدم مشاي”

ولهذه الأبيات التي يرددها أهل الرقة قصة طريفة، فقد راجع الراحل حسين الحسن وزوجته عيادة الأديب الراحل الدكتور عبد السلام العجيلي، وبعد أن كشف عن طبيعة مرض زوجته، سأله: “معقول أبو محمد.. هذي النجمة الشعشعت التي دوّخت العالم بحبك لها؟!”.

مريم هي التي طوّحت بقلبه، وجعلت الكلمات التي كان يغنيها، ويجود في وصفها من الكلمات الأثيرة في نفوس مستمعي هذا اللون الغنائي الأثير، اللون الذي كان يطغى على جميع ألوان الغناء الأخرى في كل الأماكن.. مريم.. الاسم الثاني الذي ارتبط به حسين الحسن بعد الربابة، أسماء حلّقت في سماء الفرات، تتردد آهاتها وأناتها في طول البلاد وعرضها، وهي بالضرورة تحتاج لكلمات شعراء يمتلكون من القدرة والفائض من الحب لترجمة هذه الأحاسيس، هذه الكلمات التي تصدرت البيوت والدواوين والمضافات.

تسع عامات لهواكـم أباريه           علامك تخفي عيونك أباريه

لحبيبي سلمت روحي يباري عساها تكون ميزان الحساب

ويردد أيضاً:

القلب الأكشر مالوم             ما أدري شـبيه

والحال صفـا بردا                فكد الولف ماذيه

ولأن الفن الشعبي هو الأقدر على تجسيد آلام المحبين، والفراق والشوق والحنين، كان بالضرورة يحتاج إلى حنجرة متميزة، تستطيع تجسيد هذه المعاناة، وهذه الآلام، وفي هذا السياق، تقول الأديبة فوزية المرعي حول خصوصية حسين الحسن، وتجربته: “الحب تجربة وجدانية عميقة، تنتزع الإنسان من وحدته القاسية الباردة، لكي تقدم له حرارة الحياة المشتركة الدافئة، وهو تجربة إنسانية معقدة، وهو أخطر وأهم حدث يمر في حياة الإنسان، لأنه يمس صميم شخصيته وجوهره ووجوده، فيجعله يشعر وكأنه ولد من جديد، وربما نخلص إلى تعريف أن أصدق أنواع الحب، هو الحب العذري المتوج بالزواج، كما حصل مع الفنان حسين الحسن، الذي تألق في تكريس جلّ أشعاره لمحبوبته مريم، التي كادت تطيح بعقله من خلال أغانيه، التي طغى عليها طابع الحزن”.

وللباحث محمد الموسى الحومد شهادة قرأها في تكريم حسين الحسن في منتدى الأديبة فوزية المرعي الثقافي، يقول فيهاً: “كان لحسين الحسن حضور مميز من خلال رحلة فنية استمرت زهاء ثلاثة عقود، ساهم خلالها في حفظ بعض الألوان الفراتية من الاندثار، فجمعها بعد بعثرة، ونقلها بكل أمانة، وخصوصاً لوني النايل واللقاحي، مما ساهم مباشرة ببناء شهرة فريدة له، ساعده في ذلك امتلاكه لصوت شجي يتناسب وميول ابن البادية، فضلاً عن براعة في العزف على الربابة، فأجاد بذلك جميع الأطوار اللحنية للأغنية الفلكلورية الرقية، لا سيما نايل أبو كذالي، ومن الشعراء الذين غنى أشعارهم محمد الذخيرة، ومحمود الذخيرة، وزيد الهويدي، وحسين العصمان، وموسى الحمد”.

ولأن حسين الحسن ظاهرة فنية لا تتكرر، فإن الساحة الفنية ستظل مدينة له دائماً، أولاً لحضوره الطاغي، وتماهيه بالكلمات التي كان يجود بها شعراء الرقة ثانياً، ورغم أن معظم أبنائه يجيد الغناء، ويؤدي بشكل جيد، لكن محاولاتهم لا ترقى إلى المستوى الكبير الذي كان عليه والدهم، ورغم وجود كم كبير من الفنانين، لكنهم على كثرتهم لا يشكلون ظاهرة كما كان المرحوم الحسن، رحم الله الفنان حسين الحسن.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »