Views: 190 يَسأل وأُجيب. – الرقة بوست-Raqqa Post

يَسأل وأُجيب.

أغيد الخضر

ـ حضرتك من الرقة
لا من الدير
– اهلا بيك كلكم واحد
حديثٌ مُتبع ما إن تُقابل أي شخص من ابناء المحافظات السورية, يختلف ترتيبه بنسبك لديرالزور أو الرقة, ليتدارك بعدها الأمر ويخبرك أن التسميات ليست مهمة ففي كلتا الحالتين أنت من شرق سوريا, يخبرك بذلك قبل أن يسمع صوتك أو لهجتك, لم نكن مُختلفين في الشكل أو اللباس, ولم نضع شارات اسمية يُكتبُ عليها مسقط رأسُنا إلا أن التميُّز موجود, حتى أخبرني أحدهم أن “عُقد جبينكم تُفصح عن هويتكم حتى نظن أنكم رضعتم من ثدي الدهر وفُطمتم على القهر”.

نحن شعب طرفي الفرات, لم نرضى أن نكون ما وراء النهر فقط, اتخذنا جواره مسكناً, كان خير جليسٍ لنا, حتى تطّبعنا بطباعه, هادئ معطاء يغسل نفسه بنفسه ويعم خيره اينما حل, فراتيون على جنبي الموت.

عجبي من نهر إسودَ بلون الكتب ولم يَحمر بلون الدم, أو لربما نحمل كريات الدم الزرقاء بلون فراتنا.

ليتهم يعيدون السؤال والجواب معاً, “حضرتك من الرقة, من الدير, من البوكمال, كلكم واحد”, فألطفهم اليوم يسألني “هل جئت من اراضي داعش”, واوقحهم من يسلخ هويتي ويسألني” أنتَ داعشي”.

اتردد كثيراً قبل الاجابة على هكذا اسئلة, ليس لعُسر الإجابة, بل لغباء السؤال, فمدينتي ليست اولى المدن المحتلة, فلم أرى من قبل من يسأل فلسطينياً هل أنت اسرائيلي؟ فأنا من مدينة تحتلها داعش وليست اراضي داعش, انا فراتي ولستي داعشي, أنا ابن مدينة قارعت محتلها منذ الأزل ولم تَزِل, أتريد أن اخبرك من داعش؟ داعش التي تعدم من ابناء مدينتي يومياً, داعش التي أتى عناصرها من كل صوب محلي وعالمي, داعش التي لا تنتمي للفرات.

في مدينتي نسمي الأمور بمسمياتها الحقيقية, هم دواعش, لم نقل من قبل هذا حلبي أو ادلبي أو شامي أو حمصي, نقول هذا داعشي, نقول اربعاء غضب الشهباء, وثلاثاء نصرة العاضي, وجمعة غضن الزيتون وسبت عنقود العنب, ولم نقبل أن نوقع على هدنة على حساب دماء الغير.

يستوقفني أحد الحواجز ويطالب بإشهار هويتي, هويتي التي كان يعرفها قبل أن أتكلم, يرى أنني قادم من صوب شروق الشمس, يبدأ بتفتيش امتعتي, لا تُعذبه كثيراً فقد اختزلت حياتي بكيس اسود, يحاول جاهداً أن يبحث عن شيء يدينني, ينثرها جانباً, لا شيء حتى الآن يبعث للريبة – بالنسبة لي على الأقل – التي تستعدي كل هذا الاستنفار. لماذا ذقنك طويلة؟, ذقني طويلة لأنك مقاتل وفُرض عليك ارتداء البدلة العسكرية وحمل السلاح, ذقني طويلة لأن لي اطفال لن يعيلهم أحد من بعدي, ذقني طويلة لأنك لن ترفع السيف المتهاوي على رقبتي إذ حلقتها, هل علمت لما هي طويلة؟.

عذراً منك لم استطع حمل مزيد من الذكريات معي التي تخبرك من أنا, فخروجي كان اصعب مما تتخيل, لم يكن لدي الفرصة لكي ادرسه واقرر ماذا احمل معي, هربت من مدينتي ليلاً بعيداً عن انظار داعش, ودفعت كل ما املك للمهرب, ليت الحقيبة اكبر كي ترى كيف اصبحت مدينتي, حتى لو لم تزرها من قبل فأنا متأكد من تذوقك لطعم رمانها وتمرها وخضرواتها ورسمت بمخيلتك مايكفي من الجمال لها, ولو اردت حمل وجع الفرات معي فلن تكفيه كل بلادكم هذه.

تمر طائرة من فوقنا تقطع الحديث, الكل يتراكض إلى متراسه, ارفع راسي وأنظر إليها, تستطيعون النهوض لقد ذهبت, وذهب فكري معها, لا أعلم تماماً أين ستقصف, هل ستُفضي غلها في منطقة قريبة أو ستتابع سيرها إلى مدينتي, أي حي ستقصف, مجزرة جديدة ستُرتكب, لم يعد هنالك أكفان تكفي فكفنتنا حجارة منازلنا, هل تسمعوني جيداً فتفكري بصوتٍ عالي متعمد, هل هكذا يفكر الداعشي؟

يأتي إلي مجدداً ليسألني عن اسم شخص, هل تعرفه؟
– أي هذا ابن فلان ابوه عدمو داعش من فترة الله يرحمو, من وين تعرفو؟
يجيبني بأنه انشق عن الجيش معه في بداية الثورة, وانهما قاتلا في نفس الخندق, ومن ثم انتقل للقتال في مدينة اخرى, اقترب منه واسأله هل قلت عنه داعشي من قبل؟ وهل يقف الداعشي بخندق الثورة معك؟
لقد خففت عني عناء الإجابة, ارجع إلى فلان, فهو ابن الفرات ستخبرك تصرفاته عن هويتي.

لست اقدم مرافعتنا ألتمس بها العفو, ولكن انظر إلى ظهري, لن تستطيع عدّ الضربات عليها, فاللحم المتشقق مزجَ الآثار ببعضها, ثمانون, نعم 80 جلدة لأنني حلقت ذقني من قبل, هل لديك الجرأة على تّلمس ظهري بأصابعك؟, أحاول أن أخبرك معنى مثلاً نقوله بكثرة” يلي ياكل العصي مو مثل ليعدها”.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »
best microsoft windows 10 home license key key windows 10 professional key windows 11 key windows 10 activate windows 10 windows 10 pro product key AI trading Best automated trading strategies Algorithmic Trading Protocol change crypto crypto swap exchange crypto mcafee anti-virus norton antivirus Nest Camera Best Wireless Home Security Systems norton antivirus Cloud file storage Online data storage