الأحد. يناير 18th, 2026

معبد الحسون :خاص (الرقة بوست) ـ

في الخمسينات كانت كوبا ترزح تحت نظام حكم (فولخانسيو باتيستا)، الذي سمح لمجموعة من الشركات الأمريكية مثل (جنرال موتورز) و(ستاندرد اويل) و(شيراتون) و(هيلتون) و(جنرال إليكتريك)، بالسيطرة على ثروات البلاد..وفي العام نفسه نجح مجموعة من الثوار بقيادة الرئيس الحالي (فيدل كاسترو) في قلب نظام الحكم واستلام مهام السلطة في البلاد..دفع هذا التحول المفاجئ تلك الشركات الأمريكية التي خافت على مصالحها في الجزيرة إلى محاولة إقناع الرئيس الأمريكي بالتخلص من نظام الحكم الجديد في كوبا.
وفي السابع عشر من مارس 1960 أصدر الرئيس الأمريكي (ايزنهاور) مرسوماً يقضي بضرورة التخلص من نظام كاسترو..وكان الهدف الأول والأخير لهذا القرارهو تغيير نظام كاسترو إلى نظام آخر أكثر ملاءمة للمصالح الأمريكية الكبيرة في الجزيرة الكوبية.
بعد تولي (جون كينيدي) لمقاليد الرئاسة في أمريكا بفترة قصيرة قامت سلطات الإستخبارات الأمريكية بتجنيد مجموعة من المنفيين والمرتزقة الكوبيين من أجل القيام بانقلاب ضد كاسترو..وفي السابع عشر من ابريل 1961 قامت هذه المجموعة بعملية إنزال في خليج الخنازير، ولكن المحاولة باءت بالفشل..أما الأمر الذي فاجأ السلطات الأمريكية فعلاً فكان رفض (جون كينيدي) أن تقوم القوات الجوية الأمريكية بدعم المرتزقة الكوبيين خلال عملية الإنزال، وقيامه بعزل مدير الـ (سي.أي.إيه) (آلان داليس) ومساعده (تشارلزكابل)، وإصداره لأوامر بإجراء تحقيق داخلي لتحديد المسؤولين عن العملية، ومن بينهم هيئة الأركان المشتركة وقائدها الجنرال (لايمان لمنيتزر)..اتهمَت السلطات السياسية والعسكرية العليا في أمريكا الرئيس الأمريكي جون كينيدي بالجُبن، لرفضه توفيرالدعم للمرتزقة الكوبيين..بعد تفكيرعميق توصل مجموعة من القادة المتطرفين، والذين يشغلون مناصب عليا في القطاعين السياسي والعسكري إلى فكرة مخيفة..أساس هذه الفكرة هو تقديم حجة سياسية وعسكرية أو عذر سياسي وعسكري إلى الرئيس كينيدي من أجل أن يوافق على عملية تدخل عسكري شاملة للجزيرة الكوبية..تولى مهمة التخطيط لهذه الحجة العميد (ويليام كريغ) والجنرال (ليمنيتزر)، رئيس هيئة الأركان المشتركة..وفي الثالث عشر من مارس 1962 قام (ليمنيتزر) بعرض المخطط، أو الحجة ،التي أطلق عليها اسم (الغابات الشمالية) على من يهمه الأمر من المسؤولين، وذلك خلال اجتماع عقد في مكتب وزير الدفاع (روبرت ماكنمارا) في البنتاجون. لم تكن نهاية الإجتماع سعيدة بالنسبة لأصحاب المخطط، فقد رفض وزير الدفاع (ماكنمارا) المخطط بأكمله، وتم إبعاد الجنرال (ليمنيتزر) عن البلاد وتعيينه قائدا للقوات الأمريكية في أوروبا..ورغم أن (ليمنيتزر) أمر بتدمير كل نسخ المخطط قبل رحيله إلى أوروبا، إلا أن وزيرالدفاع (ماكنمارا) احتفظ بنسخة منه.
إذاً رفض الرئيس الأمريكي (جون كينيدي) أن تتورط بلاده في حرب ضد كوبا..ويجمع معظم المؤرخين أن هذا هو السبب الرئيسي لاغتياله عام 1962.
في العام 1992 أطلق المخرج الأمريكي الشهير (أوليفرستون) فيلماً سينمائياً يختص بإظهار التناقضات العديدة التي تضمنتها الرواية الرسمية للسلطات الأمريكية حول حادثة اغتيال جون كينيدي..سبّب هذا الفيلم ضجة كبرى في الولايات المتحدة والعالم، وحرّك الرأي العام العالمي بقوة، والذي بدأ يتساءل بإلحاح عن الأسباب الحقيقية وراء اغتيال كينيدي.. وقد دفع هذا الضغط والإلحاح العالمي الرئيس (بيل كلينتون) إلى إصدار أوامر بفتح الملفات القديمة المحفوظة في البيت الأبيض والبنتاجون منذ عهد كينيدي.. وبفتح هذه الملفات القديمة عُثر بين أوراق وزير الدفاع في عهد كينيدي (روبرت ماكنمارا) على تلك النسخة من مشروع الغابات الشمالية.
مشروع (الغابات الشمالية) هل تم تطبيقه يوم 11 سبتمبر 2002؟
في استراليا العام 1999 نشر الكاتب والصحفي (جون أليستون) كتابه (الحرب النفسية ضد كوبا – تاريخ الحملة الدعائية الأمريكية ضد كاسترو)، وضَمَّن في هذا الكتاب مستندات عملية تخص مشروع (الغابات الشمالية) المذكور..ولكن على عكس المتوقع، لم يحدث الكتاب أية ضجة أو ردة فعل، سواء في الولايات المتحدة أو في العالم..ولكن بعد سنتين من ذلك التاريخ قام الكاتب (جيمس بامفورد) بنشر نفس مستندات العملية في كتابه (مجموعة الأسرار- تحليل لوكالة الأمن الوطني منذ الحرب الباردة وحتى فجر القرن الجديد)، وهذه المرة أحدثت المستندات ردة فعل عنيفة في الأوساط السياسية الرسمية والشعبية.
كان هدف عملية (الغابات الشمالية) اقناع المجتمع الدولي بأن فيدل كاسترو يشكل خطرا على العالم بأفكاره الثورية لذلك يجب التخلص منه.. ولتحقيق هذا الهدف ولإعطاء الولايات المتحدة حجة للتدخل العسكري في كوبا كان لابد من القيام بتمثيلية كبرى بحيث يتم إلحاق أضرار كبيرة بمصالح أمريكية وإلصاق التهمة بكوبا.
تضمنت عملية (الغابات الشمالية) العديد من المقترحات..منها قيام مجموعة من المرتزقة الكوبيين المتخفين بملابس قوات فيدل كاسترو بالهجوم على القاعدة الأمريكية في كوبا «جوانتانامو»، وإحداث قدر كبيرمن التخريب والتفجيرات، والتسبب بخسائر مادية وبشرية كبيرة.
وكذلك تفجير وإغراق سفينة أمريكية في المياه الإقليمية لكوبا، على أن تكون السفينة في حقيقة الأمر خالية ومتحكَم بها عن بعد.. ويكون الإنفجار من الشدة بحيث يشاهَد في العاصمة “هافانا”، وذلك للحصول على شهود عيان.. وتكون هناك عمليات إنقاذ موسعة، ولائحة بأسماء الضحايا ومراسم جنائزية.. وذلك لإثارة الرأي العام العالمي.. وتجري العملية في الوقت الذي تتواجد فيه سفن وطائرات كوبية في المنطقة حتى يتسنى نسب المسؤولية إليها..
يجب الملاحظة بأنه في عام 1898 كانت كوبا مستعمرة إسبانية، وتم في ذلك الوقت تدمير السفينة الأمريكية مما أدى إلى مقتل 276 شخصاً، فاستخدمت أمريكا هذا العذر لاحتلال اسبانيا.
كذلك ممارسة بعض الإرهاب ضد المنفيين الكوبيين في الولايات المتحدة من خلال استخدام العبوات الناسفة والسيارات الملغومة.. وبعد ذلك يتم إلقاء القبض على عملاء وجواسيس كوبيين مزيفين للحصول على اعترافات.. يتم توثيق هذه الإعترافات وتوزيعها على وسائل الإعلام المختلفة.
– إيهام الدول المجاورة لكوبا بخطر نظام (فيدل كاسترو) الثوري ذي الأهداف التوسعية.. وتقوم طائرة كوبية مزيفة بقصف ليلي لجمهورية الدومينيكان المجاورة مع الأخذ في الإعتبار أن تكون الصواريخ المستخدمة سوفييتية الصنع (كان الإتحاد السوفيتي هو مصدر السلاح الأول لنظام فيدل كاسترو).
– إثارة الرأي العام العالمي، وذلك عن طريق تفجير طائرة مدنية أمريكية..ولإحداث أكبر قدر ممكن من التأثير يؤخذ في الإعتبار أن يكون على متن الطائرة شخصية أمريكية مؤثرة ومشهورة مثل (جون غلين)، أول أمريكي يدورحول الأرض.. ويكون تنفيذ هذه العملية كما يلي: يقوم مجموعة من المتواطئين «طلاب مثلاً» باستئجار طائرة تابعة لإحدى الشركات.. في الجو تلتقي هذه الطائرة مع طائرة أخرى شبيهة بها تماماً، ولكنها خالية من الركاب ومتحكَم بها من بعد، بينما يعود المتواطئون بطائرتهم للهبوط في إحدى قواعد الـ «سي. أي. أيه»..تكمل الطائرة الأخرى مسارها، وتصدر نداءات إستغاثة وإشارات تدل على قرصنة جوية بواسطة مختطفين كوبيين ثم تنفجر في الجو..
كما يتضح من تفاصيل أخرى وبنودٍ عملية، فإن إنجازهذا المخطط يتطلب مقتل العديد من المواطنين الأبرياء سواء مدنيين أوعسكريين..ولكن في نظر من خطط لـ «الغابات الشمالية».. فإن مقابل موت هؤلاء ستحصل أمريكا على أدوات سيطرة مطلقة وفعّالة على العالم وهذا هو الهدف الأسمى.

By

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *