الأحد. يونيو 14th, 2026

  خاص -الرقة بوست

معبد الحسون

ياشهيدٌ أنت قد علَّمتنا …

حين قرر ذلك الشاب الرقاوي “أحمد السيد” الإنضمام إلى الجيش الحر في بدايات العمل على تشكيله في الرقة، طُلب منه أن ينتقي اسماً حركياً/لقباً مناسباً، يختاره ، أو يختارونه له ، فقرر أن ينتقي الاسم بنفسه :(أبو سندس)..سألته صدفة : لماذا اخترت هذا الاسم بالذات ؟ فأجاب: لأني أحب ابنة اختي الصغيرة سندس بنت العامين ..يكاد خيالها لا يفترق عني أبداً، وأشركت اسمها معي حتى لا أنساها لا في الدنيا ولا في الآخرة . ولكن لأمرٍ ما، لم يفلح اللقب في أن يصمد بشكله النهائي دون تحوير طفيف، فلم يعتِم بعد أيام إلا وقد صار اسمه ” سندس “، باسقاط الـ ” أبو ” نهائياً وتجاوزها ..ربما لأنه مايزال غضاً صغير السن لما يتجاوز السادسة عشرة من عمره، (فهو في هذه الحالة يشبه أن يكون ” ابناً ” لا أباً لأحد)، وربما لأسباب أخرى ودوافع غير واضحة، لقد انحل اللقب الجديد في شخصيته إلى درجة أنه كان إذا نودي باسمه القديم: (أنت يا..أحمد السيد)، فكان يرتبك ولا يرد بداية، حتى لكأن المُنادى شخص غيره، فقد وطد استجاباته السريعة على تنبيه جديد وإحساس خاص بالاسم الجديد: سندس..
في البدايات وجد سندس شخصيته تكاد تضمحل وكيانه يوشك أن يتآكل في أوساط الجيش الحر، ربما ليفاعة سنه، رغم ما يبدو عليه من كمال الجسم ولياقته، والطول الفارع الذي يقارب 190 سم،(حيث لم ينبت الشعرالخفيف في وجهه إلا بعد مرورعامين تقريباً وسندس يتنقل من معركة الى معركة)، وربما كان من موجبات ذلك أن عائلته الوحيدة الصغيرة الوافدة منذ تاريخ سابق من ريف حلب(قرية الباب) إلى مدينة الطبقة، وأحد أسباب اغترابه بدايةً وسط تجمعات كبيرة وجاذبة يغلب عليها التعرف على بعضٍ، وحميمية الصداقات والقربى التي تؤالف وتنسج علائق بسرعة بين الأشخاص ،لكنه استطاع بسهولة تشد الإنتباه أن يوقف هذا الاضمحلال الشخصي، وأن يستبدله بسرعة نسبية بحضوره الفائق الشديد، والذي تيسر له وتوطد بسبب شجاعته المميزة في القتال الى جانب المقاتلين في الجيش الحر، ففي هذه الميزة بالذات كان حين يشتد أزيز الرصاص موقدَ نارها ويعسوب لظاها الذي لا ينطفىء..
ليست الشجاعة وحدها..فقد عمم سندس خصائصه الفردة الشخصانية على الجميع، حتى أصبحت له هوية جديدة : الذكاء، والعمل المستميت في أوقات المعركة وغيرها، حتى كأنه اتخذ قراراً أن لا يخلد إلى الراحة أبداً، وكذلك الصمت وعدم الشكوى، وعدم المطالبة بشيء شخصي لنفسه..وفوق كل ذاك الحياء الجم، والخُلق المحض، والأدب العالي الرفيع مع حدثاء السن من مجايليه قبل الكبار..
شارك سندس في معارك الجيش الحر التي سبقت تحرير المدينة كلها، كما شارك في معارك تحريرالمدينة وحصارمبنيي الأمن العسكري والسياسي، ومبنى المحافظة حتى سقوطها الاخير، وبعد تحرير المدينة أصبح الرباط الدائم على حدود الفرقة 17 واللواء 93 متلازمة حياته الوحيدة، لقد وجد في بندقيته الروسية صديقه الحميم والوحيد،(بندقيته التي اشتراها من ماله الخاص قبل أن ينضم إلى مقاتلي الحر)، والذي قرر ان يحتفظ بعلاقته بها وعلاقتها به بقية الحياة..كانت الجدية والصرامة في المواقف سمة تميزه، لم يكن يضحك ملء فمه إلا أحياناً نادرة..وفي قليل منها حين يتذكر رفيقه في المعارك، “أبو شمسة” ذلك الشاب الريفي الأمي البسيط، والذي لم يكد يفارقه في معظم المعارك التي خاضاها..كان أبو شمسة يردد: قبل أن أمدَّ بارودتي الروسية في الشروع والبدء في القتال أستذكرُ قول الله تعالى دائماً: (رُميتْ وما رُميتْ.. بس الله هو الرُمى)..كان يرددها بلهجته القروية البسيطة المفعمة بالتصحر، والتي فُطرعليها، فيجيبه سندس: أبو شمسة هذي آية من القرآن إلا من تأليفك أنت.. فيرد أبو شمسة: شمدريني، ماني حافظ آية من القرآن غيرها..رحل أبو شمسة وترك الكتيبة بسبب فقره وعوزه المدقع، حيث عرضت عليه جبهة النصرة دخلاً شهرياً بسيطاً يكفي زوجته وطفلتيه اللائي لم يكن يجدن حتى مأوى للسكن، أو مايكفي لأجرة غرفة، وبعد أن غادر بيت أهله الذي كان يحوي عائلته.. وبعد أسبوعين خضع لمعسكرالنصرة، وفي أقل من شهر جاء الخبر باستشهاده وجيء بجثته إلى أهله..حيث بكى سندس لأول مرة، وكعادته ..بكاه بصمت ..
رحل أبو شمسة رفيق الدرب والسلاح، وبضغط من عائلته التي أرهقتها ظروف العيش المادية قرر سندس ترك الجيش الحر والانصرف إلى سوق العمل والبحث عن لقمة العيش بعد أن تمرس في القتال وخاض عشرات المعارك ضد النظام منذ بداية الثورة..سافر إلى لبنان مع شقيقه، وانقطعت أخباره إلا مابين فينة وأخرى عبر رسائل اتصال أو سؤال في الهاتف المحمول عن الاخبار..كان قلبه معلقا بأصدقائه من رفاق السلاح الذين عاش معهم طويلاً، فما ينفك يتواصل دائماً ويسأل عن الجميع واحداً واحداً ويخوض في تفاصيل السؤال عن أدق تفاصيل مشاكلهم وما يجدون في واقعهم اليومي..إلى أن جاء اليوم الذي اصطدم فيه مقاتلو الثورة مع تنظيم داعش في مدينة الرقة..حيث بدأت المعركة ومضى عليها قريباً من خمسة أيام..
[07:51:52 م] أبو حسام الرقة: جاءنا صوت سندس ملهوفاً قلقاً يتساءل عما جرى وكيف تميل كفة القتال..وفجأة أعلن عبر الموبايل قراره الخطير، والذي رفضناه وشجبنا خياره الذي اختاره: سأعود إلى الرقة اليوم أو غداً..لن أترككم وحدكم في معركة مصيرية فاصلة من أجل بعض المال الذي أكسبه..الله هو الغني والمغني..قلنا له جميعاً وبصوت متحد وحاسم: لا ترجع لأنك لن تستطيع الوصول..ستحتاج في رحلة العودة إلى اجتياز حواجز حزب الله وعشرات الحواجز التابعة للنظام، وكلها أنت مطلوب لها ومعروف..وحتى لو استطعت تجاوزها كلها فلن تستطيع اجتياز حواجز داعش المنتشرة من ريف دمشق وحتى ريف الرقة الغربي..الوصول إلى المريخ أسهل عليك من هذه المغامرة، المضمون الوحيد فيها أنك سوف تعتقل وتهلك بسبب انفعالاتك لا أكثر..والمُرجح أنك إذا تأخرت عن الوصول يوماً أو يومين ستجد المعركة قد انتهت مع داعش.. فلِمَ هذه المغامرة الحبلى بالخطر والجنون والتهور.؟
أجاب سندس بكلمة واحدة: خير..ماشي الحال ..ومضت أربعٌ وعشرون ساعة فقط بعد هذه المكالمة..
في الليلة التالية لذلك الحوار والجدل الحامي الذي اجمعنا فيه على رفض سفر سندس وعودته من لبنان وثنيه بضراعات ورجاء أن لا يقدم على مغامرات لا نفع منها ولاجدوى، في تلك الليلة كانت المعركة في أشد وتيرة شهدتها، كان مقاتلو داعش قد سيطروا على الجسرين الوحيدين في الرقة، والذين يصلان المدينة بغرب وجنوب المدينة بأطرافها..وانتشر القناصون فوق أسطح كل المباني في المدينة، فكلُّ من يسير أو يمضي في أي زقاق أو شارع له نصيب من الحظ أن يناله قناص من فوق أحد السطوح بقصد أو بخطأ، والموت قنصاً بات أدنى الاحتمالات من غيرها ..كانت الشوارع قد خلت تماماً ، فلا تسمع في طول المدينة وعرضها إلا أصوات الإشتباكات وطلقات القناصين من فوق الأسطح..في تلك الليلة اتصل بنا أحد عناصر جبهة النصرة المتواجدين مقابل مقام أويس، وكنت مع مجموعة من الشباب في مقر الثروة الحيوانية الذي لا يبعد عن الحاجز أكثر من نصف كيلو متر بقليل، وقال: هناك شاب وجدناه قادماً من المشلب.. يقول بأنه يعرفكم وأنه من كتيبتكم ومتجهٌ إليكم ولا يعرف كيف يصل..الشاب في حالة رثة مزرية، ثيابه كلها غارقة بالطين والأوساخ، ويقول بأنه عبرالنهر في هذه الليلة من حويجة السوافي إلى المشلب عن طريق طوافة خشبية من الشامية.. نخشى أنه داعشي انتحاري، نريد أن نتأكد أنكم تعرفونه..سألناه: اسأله عن اسمه..صفه لنا..أجاب مقاتل النصرة: يقول اسمه سندس..طويل ،وعمره أقل من عشرين سنة..
سندس !!؟؟ لقد فعلها إذن ..وما كان في ظن أحد أنه سوف يقدم على هذه المغامرة وينجح بمثل هذه السرعة..
يتبع…

By

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *