الأحد. يناير 18th, 2026

عمر قدور

لا ينفك التدخل الروسي في سوريا عن أن يكون مصدراً للتكهنات، ليظهر بوتين كأنه لغز يصعب حله، وليمنح محللون سياسيون أنفسهم حق الشطط في تأليف السيناريوهات، وأيضاً الشطط في استنباط نوايا ليس لها ما يسندها على الأرض. أما للتخلص من خطأ موجة التكهنات، عندما يثبت السلوك الروسي خطأها، فيكفي الحديث عن بوتين بوصفه صاحب مفاجآت، الأمر الذي يزيد في مهابته، بل يكرسه أحياناً في المكانة التي كانت طوال عقود حكراً على الرئيس الأميركي الذي تلتبس صورته بصورة الكاوبوي السينمائية.

هكذا، يمكن مثلاً القول بأن مبادرة بوتين لتهنئة بشار، إثر استعادة تدمر من سيطرة داعش، مفاجئة بعد الإهانات التي وجهها مسؤولون روس له، وبعد القول بأن الانسحاب الروسي إثر تلك الإهانات صفعة قوية لبشار. ستغيب في هذا السياق تفاصيل كثيرة، من قبيل عدم وجود أدنى ضغط روسي على وفد النظام أثناء جولة التفاوض الأخيرة في جنيف، وستغيب مثلها جزئية سحب الروس اعتراضهم على انتخابات “مجلس الشعب” التي ينظمها النظام استباقاً لنتائج المفاوضات، وقد يغيب أيضاً التأكيد الروسي على أن الجانب الأميركي بات أكثر تفهماً لبقاء بشار في السلطة.

لكن أهم ما يغيب عن بورصة التكهنات تلك هو العامل الإيراني. فمنذ بدء العدوان الروسي على السوريين توارى التركيز على التأثير الإيراني، لتبدو الميليشيات الشيعية كأنها مجرد كومبارس في العمليات العسكرية التي يديرها الروس، مع أن التنسيق كان على أشده في كافة العمليات انتهاء باستعادة تدمر مؤخراً. وكما نذكر، أريق حبر كثير لإثبات وجود خلاف بين طهران وموسكو، بخاصة من الأقلام التي ترى الصراع السوري من منظار الصراع الشيعي/السني في المنطقة، وكان رهانها على الكاوبوي الجديد أن يزيح إيران وينفرد بالسيطرة على نظام بشار. ولم يخلُ ذلك من الرهان على أن يتفوّق التنسيق الروسي/الإسرائيلي على حلف موسكو/طهران، مع تجاهل واقع عدم تأثير علاقة موسكو الممتازة بإسرائيل على علاقتها بطهران من قبل.

على صعيد متصل، كان من الشطط ردّ سحب جزء من القوات الروسية إلى ضغط على بشار، إذ كان من الأجدى التهديد بسحبها، مع العلم بأن سحبها قد يقلل من التأثير الروسي الذي صُوّر على أنه صار طاغياً. بالمثل، كان من الشطط ردّ الانسحاب إلى هزيمة روسية أمام إرادة السوريين، أو التخوف من الغرق في المستنقع السوري على المثال الأفغاني، إذ كانت الآلة العسكرية الروسية تعمل في أفضل حالاتها، بينما لم يقابلها أدنى دعم من قبل حلفاء المعارضة، ولم يكن متوقعاً وصول دعم نوعي يغير من موازين القوى.

الاحتمال الذي غُيّب وفق هذه المعطيات أن يكون سحب قسم من القوات الروسية إشارة غاضبة إلى الحليف الإيراني، أو ربما بالتنسيق معه. التدخل الروسي أتى أصلاً بالتنسيق التام مع طهران، التنسيق الذي تبرزه زيارة قام بها قاسم سليماني إلى موسكو قبل التدخل، وزيارة قام بها بوتين أثناءه إلى طهران، وتخللها لقاء ودي مع خامنئي. أي أن التدخل لم يكن ممكناً لولا المباركة الإيرانية، ولم يكن استمراره في أي وقت ممكناً بالوتيرة ذاتها إلا ضمن التنسيق التام بين الطرفين. بشار ليس سوى تفصيل، أو كناية عن النفوذ الإيراني الأكبر، ولو كان لموسكو ما أشيع لها من نفوذ لما اقتضى الأمر توجيه الإهانات إليه على الملأ، ولكان قد انصاع للمشيئة الروسية تماماً.

الانسحاب الجزئي الروسي قد يشكل خيبة، ومن المرجح أنه لم يحقق أهدافه لجهة الإمساك بالملف السوري. هذا انتصار صامت لطهران التي تمسك فعلاً بمفاتيح النظام على الأرض. وما أشيع عن علاقات بدأت موسكو بنسجها مع ضباط في قوات الأسد فيه قدر كبير من المبالغة والتهويل، فطهران سبقت موسكو بأربع سنوات على الأرض، وهي التي رتبت المسؤوليات الأمنية والعسكرية ربطاً بها، وهي التي أنشأت ميليشيات دربها الحرس الثوري وتأتمر بقراراته أولاً. أي أن كل ما قيل عن إمساك موسكو بقرار النظام لا يعدو كونه تضليلاً، وفيه ما فيه من الشطط عن الشراكة بين الجانبين، وعدم وجود مصلحة روسية حالية بالتخلي عنها.

خلافاً لذلك، لا تستطيع موسكو تنحية بشار إلا بالاتفاق مع طهران، وهي لم تفعل شيئاً منذ انطلاق عملية فيينا وبعدها جنيف سوى العمل في إطار الخطة الإيرانية التي سبق أن رفضتها المعارضة مع حلفائها. السيناريو الذي تعمل بموجبه موسكو على تنحية بشار هو مغاير كلياً، ويتطلب سلة كبرى من المقايضات، تقايض فيه بحلفها مع إيران على مكتسبات دولية وإقليمية غير مطروحة على الطاولة الآن. قد تبادر موسكو إلى تنحية بشار منفردة، ما يعني ضرباً لشراكتها مع طهران، في حال تحققت لها عائدات تبدأ من إقرار أمريكا والغرب برؤيتها للحل الأوكراني ورفع العقوبات الاقتصادية عنها، وصولاً إلى تسوية مجزية تخص التنافس في قطاع النفط والغاز مع دول خليجية. مثل هذه التسوية تقتضي تنازلات أمريكية وغربية غير متوقعة إطلاقاً، فبشار وسوريا ليس لهما غربياً قيمة توازي الثمن المطلوب، ولا أسهل من ابتلاع المقايضة المطروحة أصلاً بينه وبين “الإرهاب”.

بهذا المعنى، الانسحاب الروسي بعد أن أدى التدخل دوره في تغيير موازين القوى لصالح النظام لا يزعج طهران أو رجالاتها في سوريا، على العكس الإزعاج قد يأتي من بقاء الثقل العسكري الروسي. فوق ذلك، الانسحاب الجزئي يخفف من مسؤوليات موسكو أمام المجتمع الدولي إزاء تنحية بشار، طالما أن المقايضة المطلوبة غير متاحة. قد تكون هناك خيبة روسية، لأن الحملة العسكرية لم تحقق أهدافها القصوى، لكنها أيضاً خيبة لأولئك الذين راهنوا على الكاوبوي الروسي أن ينجز ما كان عليهم فعله. – See more at: http://www.almodon.com/opinion/2016/3/28/%D8%AE%D9%8A%D8%A8%D8%A9-%D8%A8%D9%88%D8%AA%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9#sthash.kACrjFLO.dpuf

By

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *