ليس باراباس الذي يصلب .. بل السوريون

معبد الحسون 

كان من التقليد المألوف لدى الرومان أن يطلقوا في العيد أحد المحكومين بالإعدام الذين يختارهم الشعب.. ورغم كل الضغوط التي مارسها اليهود على الحاكم الروماني بيلاطس في سبيل اعتقال يسوع والخلاص منه تحت ذرائع شتى وحجج مختلفة، والتحريض الذي مارسوه للتخلص من يسوع الذي ثار عليهم وخالفه تقريباً في كل شيء..ورغم أن بيلاطس رضخ اخيراً لرغبتهم في الحكم على يسوع بالإعدام إلا أنه في قرارة نفسه لم يجده مذنباً في شيء، ولا متهماً بأية تهمة واضحة ، وظل يداعبه أمل أن يأزف العيد فيطلق سراحه كما جرت العادة في كل مرة..

سمعنا اسمه كثيراً ورأيناه في الأفلام التي تحكي عن حياة يسوع، فعندما يأتي مشهد الصلب في هذه الأفلام، نراه مع يسوع. اسمه باراباس الذي كان مجرماً مسؤولاً عن العصيان والقتل والسرقة، فقد كان قاتلاً.. هكذا وصفه بطرس في أعمال الرسل 3: 14، حيث قال:(وكان الموت هو جزاء أفعاله).

اسم باراباس مكون من جزئين هما “بار” الذي يعني ابن و”اباس” والذي يعني أب، فقد كان “ابن أب” أي ابن شخص ما.. أي ابن أبيه كما تقول العرب لابن الزنا المجهول النسب.. وها هو إذاً مع يسوع أمام بيلاطس. أما من ناحية أخرى فقد كان يسوع المسيح ابن الله، الذي لم يرتكب خطيئة، وكان يجول يصنع الخير ويشفي الناس، وعلى الرغم من ذلك، وقف منتظراً الموت. ومن ناحية أخرى كان هناك قاتلاً، مجرماً حُكِم عليه بالإعدام، وسيذهب أحدهما إلى الصليب وكان لباراباس كل الأسباب ليكون هناك، فالصليب هو نهايته الطبيعية.

ولكن تصادف حضور عيد الفصح، ولم يكن في سجن الحاكم الروماني سوى سجينين محكومين بالإعدام: يسوع .. واللص القاتل وقاطع الطريق باراباس، فنزل بيلاطس عند رغبة الجمهور وخيرهم أيَّ الرجلين المنتظرين الإعدام على الصليب يطلق سراحه ابتهاجاً بالعيد، فهتفوا جميعاً، وبرغبة واحدة وصوت واحد: ” هو ” من نريد إعدامه.. وليس باراباس.

اليوم تتكرر ميلو دراما الحقد،ويعيد لنا التاريخ طبعته الباراباسية التي تختصر الخسة والفظاعة مجدداً، ولكن المصلوب هذه المرة هو سوريا وشعبها، وباراباس القاتل هو حاكمها الأسد الأبن، القاتل المشهور عالمياً أكثر من باراباس، والذي أعلن العالم في الشكل والمضمون تبرئته وإطلاق سراحه..

القتلة والمجرمون بحق السوريين لا أعداد لهم ولاحصر.. والدينونة لا هوية لها ولا تعريف، والجريمة كاملة الأركان والثبوت، إذن لا جديد تحت الشمس، فإن طبيعة الأشياء كما تقتضيها الأحداث في سوريا وعلى الشعب السوري هي أن تدور مع الفلك الدوار، ومن ناتج الدوران وقانونه العام أن يرتدَّ الكون من القمة إلى حضيض الحضيض، ومن الوجود الحي إلى العدم الأكمه ، ومن استواء الإنسان في أكمل تكوينه وفي احسن تقويم إلى أسفل سافلين، وإلى طور الحيوانية المنوية التي تقاربه بالجراثيم والديدان والكائنات المجهرية الدقيقة .

الغضب وحده لا يكفي لوصف العالم اليوم، والرثاء بات تكلفاً لفظياً وتجملاً، وصلب يسوع من جديد وإطلاق باراباس من عقاله يصبح من عاديِّات الأمور، وأهون ما تستقل به بشرية اليوم التي اعتادت على لعنة الله وصنعت منها شمسها المضيئة الهادية حيث لاهدى.. وحيث الشيطان يقول لنا بصفاقة وخسة: (ما كان لي عليكم من سلطانٍ إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي)، ونحن نهز رؤوسنا هزة المقتنع بما يقول، والمبرر لما يقول، والعاذر له عند كل اعتذار.

شارك على مواقع التواصل الاجتماعي:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »