الأحد. مارس 8th, 2026

معارك نهاية الخدمة

الرقة بوست

الإشتباكات الدائرة اليوم في الغوطة الشرقية، والمعركة التي يُزعَمُ اليوم أنها ستدور دائرتُها من أجل تحرير الرقة، جاءت متزامنة وليست مواقيت صدفة عشوائية ، والأهداف الكبرى ـ فيما أرى ـ لآخر الحروب هذه، تستقلُّ بهدفين كبيرين: الأول هو إعادة رسم الخرائط في مناطق نفوذ القوى الخارجية المتصارعة، وتثبيتها قبل إقرار استحقاقات المرحلة الإنتقالية.. والثاني هو الشروع في إضعاف معظم القوى المتقاتلة وتفتيتها وبعثرة قواها قبل اتخاذ قرارٍ دوليٍ(رسمي) بوقف الحرب على الأرض السورية، وإحالة جميع ميليشيات الجريمة المنظمة والممولة دولياً من كافة الأطراف إلى التقاعد، تمهيداً لصرفها من الخدمة، مع التذكير بأن هذه القوى المسلحة(وجيش النظام واحدٌ من هذه الميليشيات المسلحة، شأنه شأن الأذرع التي تشكلت منذ البدايات باسم الثورة ومن أجلها)، جميعُها أصبحت فاقدة لبوصلة الأهداف الوطنية أو الثورية، وجميعُها غدت عبثاً وعبئاً حتى على من يمولُها؛ إذ لم يعد ثمة وظائف لهذه الترسانات والهياكل التي تأسست لصالح استمرار القتال يُشتَغَلُ عليها خارج أهداف القوى الدولية والإقليمية المموِلة للحرب وللخراب السوري العام.
هذه القاعدة عامة، لا استثناء لها.. تتشارك فيها القوى الأصولية الإسلامية، داعش والنصرة وأحرار الشام وجيش الإسلام وبقية المسميات الأخرى، مع ميليشيات النظام الممولة روسياً وإيرانياً، مع مسميات الجيش الحر التي لم يبق منها سوى الاسم والرسم، وبقايا علامات وشعارات ورايات، وكلمات شعائرية تُذَكِّر بالماضي وتستحضر في المناسبات طبعته الثورية وبقايا بصماته التي فقدت الروح والرائحة، من أجل تسويغ وجودها وتمويلها واستمرارها إلى حين.
إذن مقتل أكثر من 650 شخصاً في هذه الإشتباكات التي لا يعرف السوريون ماجدواها ولا فحواها، بين مسلحي جيش الفسطاط والإسلام والرحمن، والمجازر المتوقعة على بوابات الرقة، بين ما يسمى قوات سوريا الديمقراطية، الذراع المسلح لقوات الـ ي ب ك وملحقاتها وتوابعها العربية من جهة، وبين مقاتلي داعش وحشد النظام المتجمع في قرية إثريا جنوب الطبقة، من جهة أخرى، سوف يكون وفاءً لالتزامات روسية وأمريكية بالانتهاء من لعبة الكراسي الموسيقية، وإيقاف موسيقاها الدموية التي تلتهم المدنيين دون شفقة(ومعظم المقاتلين المشاركين في هذه المطحنة البشرية هم أيضاً مدنيون حملوا السلاح)، كلُّ ذلك يعني أن ثمالة الحرب المتبقية في كأس الميليشيات المتناطحة من عدة وعتاد ومقاتلين، سيتمُّ التمهيد لإثخانهم وتوهينهم وبعثرتهم قبل تبليغهم بقرار تقاعدهم وصرفهم من الخدمة في ماكينة الحرب، وفور الإعلان عن اتفاق الدخول في الزمن السوري الجديد، زمن الإنتقال وبدء التأسيس له.. وما يبعث على التشاؤم في مثال الرقة هو أن تلك القوى المتجمعة والمتحشدة كلها متحالفة مع النظام، حقيقةً لا مجازاً،(سوريا الديمقراطية وداعش)، وتُحسَبُ عليه واقعاً لا اتهاماً، مما يعني أن تحفّزَها للمطحنة الدموية القادمة هو، في أحد الأوجه، ترتيب مسرح قتال، ودائرة نفوذ لصالحه، وليس لصالح المعارضة..
المشهد إذن هو ملعب كرة قدم دولي، تتعهد المباراة فيه مجموعة قوى، يكونُ على بعضها واجب تأمين المقاعد، وعلى بعضها الآخر تأمين أجسام الأهداف والكرة وبقية المستلزمات، فإذا انتهى (كيري ولافروف) من وضع الحروف النهائية، على الصيغة النهائية للمرحلة الانتقالية، وشرعا في تسليمها للمبعوث الدولي ديمستورا لإعلانها قانوناً دولياً واستراتيجياً في الخاتمة ـ أو مرحلة البدء في تلك الخاتمة ـ فإن على متعهدي الحرب/ ومباريات الملعب، أن يبدأوا بلملمة أغراضهم الحربية، ولوازم القتال وتفكيكها، تمهيداً لتفريغ الملعب، ولأن المباراة انتهت إلى نتائج ما.. هكذا وببساطة..
صحيح أن هنالك أعداداً من المجندين في هذه الحرب كبيرة، وأن إرثاً ثقيلاً مايزال ينتظر التصفية، ولكن الزمنَ كفيلٌ بأن يمتصَّ طيشَ الحروب وأن يدفع جزءاً من تقاضيها وأثمانها بتداعيات: بعضُها(أثمان) وبعضها تغاضٍ و(نسيان). وإلا فما معنى أن يكون هنالك مرحلة إنتقالية؟ وفيمَ استحقاقُها؟ وعلامَ تمديدُها لبضعة سنوات أخرى؟
إن نهاية الخدمة تتضمن معانياً: كالراتب التقاعدي ومفارقة الوظيفة والإحتفاظ بحلو الذكريات ومرِّها، والانفصال بعد مخالطة، والتولي إلى الظل لتأمل ذكريات الماضي. يبقى القولُ بأن الموعد الذي أعلنه وزير الخارجية الأمريكي في الأول من الشهر الثامن القادم/ آب، يحمل سمة الواقعية أكثر مما يحمل معنى الصدق الذي اعتاد السوريون أن لا يُعَوّلوا عليه كثيراً من مسؤولي تلك الإدارات الدولية، وأن قادم الأيام حمالُ أوجهٍ واحتمالات، لن يكون أحسنُها التخطيط والشروع في إعادة الإعمار، ولا أسوأَها تسريحُ المحاربين، بل لعل ما ينتظره الناس من قرار بوقف حنفية الدم ونافورته، ربما كان أكثر ما سوف يدخل السرور إلى قلوب السوريين.

By

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *