الأربعاء. أبريل 15th, 2026

افتتاحية  الرقة بوست

فَارْبَأْ بِنَفْسِكَ أَنْ ترعى معَ الهَمَلِ

الصراع الدائر بين قوات الـ(ypk)، وبين تنظيم داعش على أطراف الرقة الشمالية، وحيث يُشْرِفُ على تغذية المعاركِ ويَرُبُّهُا ويتعهدُ استمرارَها من الخلفية الراعي الأمريكي غير المحايد وغير النزيه في هذه الحرب، أفاض وأفضى إلى ما تداعت به خواطري وذكرني بنكتة قديمة تقول إن قاضياً حَكَمَ على رجلين بالإعدام، وأتاح لكلِ واحدٍ منهما في حيثيات الحكم أن يحققَ آخر رغبةٍ له في هذه الحياة, وعند حضور تنفيذ الحُكم بهما سُئلَ الأولُ عن آخر رغبة له في الحياة كيما تُحَقَقُ له، فقال: أريد أن أرى أمي للمرة الأخيرة . فأمر القاضي أن تَحضُرَ أمُّهُ فوراً لكي يراها لآخر مرة . وحين سُئِلَ المحكوم الثاني عن آخر رغبة له في هذه الحياة، أجاب: رغبتي الأخيرة أن لا يرى “زميلي” المحكوم الأول أمَّه للمرة الأخيرة.

لاشك أن المحكوم الثاني لئيمٌ جداً بهذا الشرط الذي اشترطه، بيد أنه لابدَّ من التسجيل له بأنه متفوق وغير مُفَوتِ الذكاء والخطة، فقد كان يكفيه أن يقلب الطاولة على القاضي وينقض أساس الحكم فيما لو استجاب القاضي ورضخ لرغبته، وهو سيجعل الحكم باطلاً لو قرر القاضي أن يتجاوز رغبته، والتي تضمنتها حيثيات الحكم وأصبحت جزءاً من عدالة القرار، وسمعتُه من سمعة عدالة المحكمة.

إذا قدرنا أن هناك طرفاً ثالثاً محكوماً عليه هو الآخر بالإعدام(كإضافة على النص، فيما إذا قررنا أن هذه النكتة نصٌ)، فضلاً عن داعش والميليشيات الكردية التي تؤسس لكينونة انتقامية ترسم سوريا المستقبل وتؤسس لها، وهذا الطرف الثالث هو النظام وميليشياته الشيعية التي احتشدت عند قرية “أثريا” جنوبي الطبقة، والمدعومة بالطيران الروسي الذي يُخطط لفتح نافذة لها إلى مدينة الطبقة، والذي يشترط قبل تنفيذ الحكم فيه شروطاً لا تقل إعضالاً عن شروط المحكوم الثاني، فإن النكتة السابقة سوف تتحول إلى مأساة سوداء، يشرحها طلسم أسود من طلاسم اللاعقل واللامعنى.. فقط هنالك معنى واحد لا يحتاج إلى شرح، وهو بالتأكيد خارج سياسات العَرَّاب الأمريكي الأكبر الذي يجمع اللاعبين و” يخلط الورق” قبل أن يَفُتَّهُ ويوزعَه.. هذا المعنى الوحيد الذي لا يعني شيئاً للشركاء اللاعبين هو أن الخراب والتهجير والتدمير الممنهج، والدماء التي تُسفك هي دماء أهل الرقة على الوجه الأخص، وسكان شاطىء الفرات، على امتداده من جرابلس وحتى الحصيبة في الوجه الأعم، من أهليه الذين تعمدوا به، فرَسَمَهُم النهرُ رعايا في كهنوته العاشق قبل أن تتخذهم داعش سبايا ورعايا تتفنن فنوناً في إذلالهم، يقاتلون أحياناً في صفوفها مُكرهين، ويُقتلون في الخنادق المضادة والمواجِهة لها مُكرهينَ أيضاً، وحتى يصلَ الإثخان في الطرفين المتقاتلَين مداه لا يحلمون إلا بتطهير مدينتهم وتحريرِها والعودة إلى بيوتهم ونوادي سَمرِهم وجوامعهم ومَدْرَجِ حياتِهم البسيطة التلقائية بعد ان يُقتلعَ من أرضهم التتارُ الجدد تحت كل قَصْدٍ وراية، سوى راية الحرية والعيش الكريم الذي خاب أملُهم في امتلاكه حتى اليوم، وكأن قوى الصراع التي تصطف لحسم المعركة القادمة قد خطفت التاريخ ورهنت الجغرافيا مقابل كمبيالة الموت اليومي والمجاني التي يسددُها الأطفالُ والنساءُ والرجالُ في هذه الأرض المنذورة للبؤس والخراب .

لم يعد مشروعاً ولا مقبولاً إزاء هذا التحدي الوجودي إلا الدعوةُ إلى تكاتف القوى الوطنية السورية، وتراصِّها كاستجابة موضوعية لعتوِّ العاصفة التي تهدد وتنذرُ بالاقتلاع، والتفاف كلِّ وطني حر شريف حول مشروع المقاومة والتطوع الكفاحي المُجابه من أجل رد العدوان بالعدوان، وتحدي الجنون الإستعماري الكولونيالي الخارجي وجرثومة أدواته وحقنة مواده السامة من القوى التي سلحها وزرعها وكلاء الأرض بتنظيم الصف وحشد القوى واستنفار الطاقات للمعركة التي لا نتوقع لها نتائج على المستوى المنظور.

….. ولليلٍ من المجابهات طويلٍ طويلٍ..

By

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *