معبد الحسون
الرقة بوست ـ خاص
قيل الكثير عن مسلسل باب الحارة، وتم تناوله وتشريحه تفصيلاً إلى الحد الذي لم يعد ما يقال فيه إلا أن نعيد المقال ونكرر الكلام الذي تردد عبر سنوات مضت ..
لن أدخل في مبحث نقدي فني مطول حول قيمة العمل ووزنه الفني، فذلك شأن آخر وحديث آخر يطول..لكنني فقط أردت أن أضيف بأن هذه السلسلة من الفنون الشعبوية الجاذبية، والتي يختص شهر رمضان بها لأسباب ترويجية ودعائية أوسع وصولاً وتسويقاً إعلامياً، كانت جزءاً صميمياً من منظومة فكر الطغاة والثقافة الدعائية التي روجت للأنظمة الفاسدة.. حيث بدأت هذه السلسلة منذ مسلسل أخوة التراب ولم تنتهِ عند باب الحارة بأجزائه المفتوحة على التدليس والأكاذيب ، والتي لن تختم أو تشهد نهاية إلا بسقوط الديكتاتور نفسه، وسقوط الثقافة المروجة والمؤسطرة لقيمه وثقافته التعبوية التي اعتادها.. ولوحظ منذ مسلسل أخوة التراب يحجم التحشيد وتوصيل أوسع الإمكانيات وكل ماهو مكلف في مستوى مسلسل تلفزيوني سوري اعتاد على تصوير مشاهد معظم مسلسلاته في استيوهات بسيطة توفيراً للإنفاقات..
تقوم الفكرة المركزية في مثل هكذا أعمال فنية على تمجيد البطولة الخارجية دفعاً وإسكاتاً وتصغيراً لكل حدث داخلي من شأنه ان يكبر ويتعملق أم الشر المحدق دائماً، والثابت دائماً، فقيمة الخير المطلق لا تتحقق إلا بالوقوف ضد أعداء خارجيين دائماً، وهذا هو مغزى ومقصود السلطة الديكتاتورية ورسالتها من هذه المشروعات.. فهناك دائماً الشام وأهل الشام (طبعاً النظام الفاسد يعتبر نفسه هو الشام وأهلها)، وهناك أشرار خارجيون(هم غالباً العثمانيون، أي الأتراك، والفرنسيون، ,وأقل درجة منهم الإسرائيليون في مسلسلات مولها حزب الله وإيران)، وذلك لتمجيد أسطورة ثابتة لاتحديد لها تؤسس لفكرة أن هذه البلاد وأهلها وأصحاب الشأن والأمر والنهي فيها هم صفوة خير مطلق، وهم مستهدفون دائماً من أشرار ثابتي النزعة والماهية والطبيعة، وهم ـ مثل الطبيعة الحيوانية المتوحشة ـ مهما تبدلت بهم القرون والدهور ينتقلون عبر الزمن بهذه الطبيعة المتوحشة الميالة إلى الشر(ما استدامت الأسطورة بركنية الخير والشر الثابتين فيها عبر الدهور)..
بالتأكيد، الكاسر الأكبر لهذه القيمية التضليلية المروجة لأسطرة الطغيان هو ما يختزنه الناس من خبرات عميقة كاشفة، فباب الحارة لا يُجابَه ولايُرَدُّ عليه بنقد أو كلام أو مسلسلات، وإنما بتجربة شعبية عميقة تصل بالناس إلى فكرة مؤداها أن كل هجوم شرس افتراضي يجري تمثيلاً في مسلسل سوري، كان يشنه العثمانيون المحتلون على بلادنا كانت تركيا الحالية تستقبل بضعة آلاف ممن هجرهم الطاغية السفاح (الممول الأكبر لباب الحارة)، ومقابل كل اعتداءات الفرنسيين المستعمرين الإفتراضية المتخيلة تمثيلاً في مسلسل على أحرار باب الحارة، كانت فرنسا تستقبل مئات المهجرين من أرضهم من قبل (العكيد الأكبر) في هذه البلاد، ديكتاتورها الممانع رافع راية التحرر من الاستعمار.. ويقيناً لو أن يوسف العظمة الذي قاوم الاحتلال في ذلك الزمان عاد حياً لكان أول المنشقين والمقاومين لهذا النظام الممانع بطل المقومة وحامي حمى البلاد من الاجنبي الدخيل، وأول المصطفين إلى جانب محاربي هذا “النظام الممانع المقاوم” .