الرقة بوست – خاص
عبد القادر العاكوب
يتولد (ما فوق الحقيقة)حسب المفكر الفرنسي (بورديار) عندما يتحرك حدث ما ضمن نطاق وسائل الاعلام، وهو يقصد بذلك أن الإعلام عندما ينقل الحدث بالصوت والصورة فإنه يصبح حقيقة بغض النظر عن المصداقية أما الواقع المنقول عبر الكلام فهو رهن المشاهدة؛ كما أنه مُقَيَّدٌ ببعدي الزمان والمكان (أكثر)، فالحروب الحديثة هي حروب إعلامية بإمتياز ، وإن فاعلية وتأثير الحقيقة المغيبة تساوي “اللاحقيقة”..
نستذكر ذلك القول مع الثورة السورية التي عمل الإعلام على تشويهها، فمرة يتم إبراز صورة الطائفية هنا، ومشهد النزعة والتنازعات القومية هناك، أم الأجلى والأظهر مشهداً في الصورة الإعلامية العالمية، فهي “الطبيعة الدينية” والإشتباك الديني على معظم محاور الصراع الموضوعة تحت الضوء، فهي المكان الثالث .. أضف إلى ذلك مصطلح الحرب الأهلية الأوسع نطاقاً ورواجاً، بينما أحداث الثورة ووقائعها وشعاراتها ومسمياتها، فتكاد تسمى بكل الأسماء ماعدا اسم (ثورة)..
في مدينة كالرقة حيث التجانس الديموغرافي شبه الكامل، فلا إثنيات ولا طوائف ذات وزن مفاصل في قلب الصراع، يتذكر في تركيبتها السكانية الديمغرافية، وبالتالي لاتناقضات يعمل عليها الإعلام فالأحداث هنا لا يمكن حرفها إعلامياً عن مسميات الثورة.. هذا ما يلجىء الخيار الإعلامي في إلصاق التسميات إلى الصمت الذي يتشارك فيه الإعلام مع المنضمات الدولية مع حكومات القتل على امتداد العالم، بدون ضجيج ..بينما التدمير المخطط للمحافظة لايخترق جدار الصمت المطبق لما يجري. وحين أطلقت مجموعة من أبناء تلك المحافظة صرخة احتجاج على مايجري في حملة متواضعة سميت(الرقة تذبح بصمت )جرى تصفية لكوادرها في السر والعلن ساهم في ذلك الكثير من الأطراف المتورطة، وجوباً لاحترام ذلك الصمت، وحيث يجب دائماً إسكات الضحية..
الرقة تلك المدينة الوادعة التي التحقت بالثورة(السلمية)منذ بدايتها، وسرعان ما اعتمد النظام العنف ضدها كما هي عادته، واستخدم لذلك الأمن والجيش وحتى القوى الشرطية المدنية(التي لم يسمح لها في مناطق أخرى باستخدام السلاح)، ولم يجد الثوار أمامهم سوى إخراج مؤسسات النظام وقوته من المدينة بوسيلة أقرب إلى(الإرادة الجمعية) منه إلى العنف واستخدام السلاح، فكانت أول مدينة تخرج عن سيطرة النظام بإيدي أبناءها، ومن خشية النظام من تكرار ماحصل في الرقة في أمكنة اخرى دفع بقوة للمساهمة في إدخال (شركاء السلاح وإخوة المنهج)إلى المدينة(حاجز ثم مقر ثم قطاع..) ثم معارك وهمية تنسحب على إثرها قطعة عسكرية ثم أخرى.. لتعود الرقة ثانية إلى “حضن الوطن”.
تزداد قوة(أخوة السلاح) ومناطق سيطرتهم ليقوموا بعد ذلك بتصفية الناشطين، وطرد المقاتلين المسلحين من أبناء الثورة وأبناء المدينة مع قسم كبيرمن الأهالي..هكذا تُعاقب مدينة تجاوزت الخطوط الحمراء للأعداء كما(للأصدقاء )الباحثين عن مصالحهم التي لم تكن يوماً مع مصالح الشعب السوري وكرامة أبنائه، وليعود الصمت إلى مدينة الرشيد وكالينيكوس، ولكنه صمتٌ مؤقت.. فتحتَ الرمادِ نارٌ، والرقة أقوى من الجميع.