الأربعاء. أبريل 15th, 2026

عنزة.. ولو طارتْ

لكي نترك الخيال السياسي الذي نغرق فيه كسوريين ونتحول إلى الفاعلية الواقعية، ومع كل تصور مدرك مسبق بأننا تحولنا إلى ضحية أممية، لابد لنا من تطوير حسِّ الضحية التي تقاوم الموت، وتَمَثُّلِ الموشكِ على الغرق لمَلَكَةِ الكبرياء التي لا يَفُتُّ في عَضدِها أن لُججَ المحيط ربما تقهرها خشبة النجاة.. في الأفلام دائماً أو غالباً ما ينتصر البطلُ ويُقتلُ الشريرُ في الخاتمة، وفي الواقع دائماً أو غالباً ما ينتصر الشريرُ ويُقتلُ البطلُ في الخاتمة، وبين الأفلام والواقع تتفتقُ سيولةُ التاريخ الإنساني الذي لم يرتهن يوماً إلا لقوانينه الباطنة الخاصة، العابرة للخيال البشري القاصر، والمحتكر لرغباته وقلقه الخاص والعام، عن حلول . فالحياة ذات آفاق لانهائية، وليست أفقاً واحدَ الأبعاد.. وبمعيار المعقولية المشاهدة، من كان يظنُ أن أيوب، بآلامه وقروحهِ التي أثخنته، ومع قرار الإبادة التامة في النفس والجسد والمال والعيال، سوف ينتصر على “يهوه” وعلى الشيطان اللذين عقدا رهاناً فيما بينهما: هل يتزعزعُ أيوب؟ هل سينكمشُ ويصغرُ أمام المحن؟ هل سيستسلم للبوار والحطام الذي تُرك عليه؟ أم أن نفسه ستظل تقاوم؟ وسيخسر المتراهنون بكل تأكيد . وسيخلُدُ في سجلِ الإنسان بصفته المقاوم الذي لم يرضخ..؟

السياسة والعمل الثوري، وكل روافع ونواهض واقعنا كسوريين ليست مجرد أخلاق طيبة وامتيازات قديسين متعالين، مطلوبٌ منهم أن يرفضوا هذا ويقبلوا ذاك، وأن يتوضأوا بآلام الواقع ليتطهروا من دنسه ورجسه.. إنها لحظة البحث عن الممكن والمتاح في مواجهة عاقلة لايسندُها إلا التفكير المتأمل المعمق، والفعل الواقعي المتزن.. وبين جنون التعملق والترفع والتعالي، وجنون الإضطهاد ومشاعر العجز والدونية والصغار، بين الجنونين اللذين يعاني منهما معظم السوريين خيط رفيع.. عملياً هما يصدران من جذرٍ نفسيٍ واحد ويتفرعان عنه.. ويؤكدان معنى دفاعياً واحداً عن النفس، معنى ملتاثاً بمشاعر إثمية عميقة في الخافية اللاشعورية: معنى يحاول إبراز الذات ويجهدُ في الدفاع عنها أمام آخرين .

حسناً.. فلنقل إنها عنزة، كما افترضها المجتمع الدولي المجمع على رؤية المشهد السوري بلون نظارته هو، لا بألوان الطبيعة السورية اللانهائية، وسواء لدينا أطارت أم أنها لم تطر.. طالما أنها باتت لعبة قمار بين أربعة لاعبين: سوريا وأهلِها وثوارِها، والأسد وميليشياته الطائفية وشبيحته، وداعش وما داعش؟ بِخَيْلِهِا ورَجِلِها وقَضِّها وقَضِيضِها.. ورابعةِ الأثافي ميليشيات أكرادِنا الذين تورطوا وورطونا معهم .

ولنقل أيضاً إن من سيقْمُرُ الآخرَ في لعبة قمارِنا هذه يُشترَطُ فيه أن يلتزم بقواعد اللعبة كاملة دون نقصان، قواعد اللعبة التي يحدُدُها صاحبُ المقمرة الأمريكي: وأول تلك الشروط أن يدفع الخاسرُ كلَّ ما في جيبه من مال، وثاني الشروط أن يكون اللاعبون مفلسين جميعاً وخاليةً جيوبُهُم من أي مال أو متاع، وثالثُ الشروط أن يكون الورقُ مكشوفاً لاسِترَ فيه ولاسرية ولا من يُسِرُون، ورابع الشروط أن يكون عَقدُ اللعب فيما بيننا، وبسرية غنوصيين، منقوشاً سراً على صفحة القلب، وبتكتم كهنة باطنيين، لامكتوباً على ورقٍ وممهوراً بالحبر والحروف، فأول الخاسرين من سيبوح بأسرار اللعبة أو ينطق الحرف الأول في ذيل عقدها .

ولنفترضُ جدلاً بيزنطياً أن العنزة طارت، أو أن الذي طار ليس عنزة ولم يكن يوماً كذلك، واكتشفنا ذات يوم أن الوهم لامستقبل له، وأننا نحتاج لخلاصنا ولخلاص أرواحنا إلى ثورة .. ثورة جديدة، ثورة صارعة لكل هذا التهافت الرخيص، وسواء طارت العنزة أم لم تطر، ستنطمر حسابات رهان وأصحاب المصالح والمتفرجين على محنة السوريين من على قارعات الطريق، وسيطوي الخلودُ كلَّ ذكرى إلا ذكرى هذا الشعب/أيوب.. الذي جابه الموت وجَبَهَهُ، وصارع عالماً متوحشاً تنازل عن كل معاني الإنسانية وصَرَعَهُ، ولن يبقى في السرديات والسير إلا خبرٌ يقول إن يهوه والشيطان قد طأطآ الرأسَ إجلالاً لأيوب وخجلاً منه، لأن أيوب كان يعلم علم اليقين أنه لم يكن يمثل شخصه، بل كان يمثل الإنسان من حيث هو إنسان .

وإلى أبد الآبدين.. لن يكتب التاريخُ إلا روايتين: سيرة أيوب، وسيرة كلِّ ماعداه من أولئك المطمورين في تراب الخجل والنسيان والبَهَتِ والتلاشي المرعوب .

 

By

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *