الأربعاء. أبريل 15th, 2026
مبعد الحسون

الجميع اليوم/الأغلبية المطلقة تقريباً.. يذهبُ تفكيرُها مذهباً بأن المنطقة، وبؤرتها المركزية سوريا، ربما تكون مقبلة على سايكس بيكو جديدة، وكلمة سايكس بيكو في ذهنية الغالبية، تعني رسم خرائط جديدة كما يُفهم من المصطلح السيء الصيت.. ذلك هو قالب التفكير النمطي الذي يجبر العقل على التقولب بطريقته الخاصة، لا بطريقة الاستخلاص الحر لمنطق الواقع واستقراء الحقيقة كماهي.. هذا أولاً، ومن جهة أخرى تذهب الجموع، أو الأغلبيات المطلقة، بما فيها نخب مفكرة ومثقفون وساسة كبار، بل وحتى مسؤولون ورؤساء ووزراء وأصحاب قرار وشأن إقليمي ودولي، أن هناك حلاً ما في نهاية النفق، واتفاقاً سياسياً ما،بطريقة أو بأخرى، على المسألة السورية.. وأن هذا الحل الذي يشبه خروج مارد الشبيك لبيك من مصباح علاء الدين، سيكون مقبولاً ومَرْضِيَّاً عنه بغض النظر عن تفاصيله، وعن مصداقيته وجوهر عدالته ومقدار الحق والعدل فيه.. فالجميع تعب، والجميع يريد هذا الحل وينشده..كائناً ما كان هذا الحل.. أما ثالثة الأثافي، أو الطامَّة الكبرى في طرائق التفكير الخرافي والمُتَوَهَم سورياً، فهو أن بعض السوريين، وربما غير السوريين معهم، مايزال يُعَوِّل على نصر أحد الأطراف على الآخر وينتظر هذا النصر بفارغ الصبر، مثلما ينتظر الزاهد العابد يوم القيامة لكي يعوِّض نتيجة سعيه في الدنيا ولينال أجر الصبر والبذل وشقاء العبادة بنعيم الأجر والثواب..

أما المكاشفة الصادمة التي سأشافه به قرائي وأواجههم بها كحقيقة أتوقعها، فهي أن هذه المنتظرات الثلاث التي أجبرهم تفكيرهم وألجأهم إليها كنوع من الأمل الذي يفتش عن خلاصه من يأس أسطوري(وأحياناً يغدو الموتُ ضرباً من ضروب الأمل والخلاص بالنسبة لمرضى العضال)، فهو أن هذه النتائج المتوقعة لن تحدث جميعها.. فلن تكون هناك سايكس بيكو كما يتوقعون ويرسم لهم الخيال، بل أن مانحن عليه اليوم هو هذه السايكس بيكو المنتظرة.. لقد أُنجِزَت سايكس بيكو الجديدة وانتهت ونحن لا ندري، ولم نشعر حتى بمرورها من جانبنا، وثانياً لن يكون هناك أي اتفاق سياسي نهائي(صدقوني أنه حتى ديمستورا ليس لديه أدنى فكرة عن هذه الخطة القدرية الصارمة التي أتحدث عنها).. بل سلاسل من اتفاقات سياسية دولية ينقض بعضها بعضاً وينسخه، ويصحح بعضها فقرات وجوانب بعضها الآخر.. اتفاقات ربما سوف تستمر وتُدَوَّرُ من فترة لأخرى لخمسين عاماً قادمة، وربما لمائة عام آخر.. إذن لاجنيف ولا من يجنفون، ولا مجلس أمن ولا صيغ تفاهم دول متعارضة، أو بين سلطة ومعارضة، ولا كل هذا العلاك المصدي.. فلنقر بالحقيقة عارية كما هي، ودون رتوش.. فلم يعد هنالك سلطة ولادولة سورية ولامعارضة ولا شيئٌ يحتمل كل هذه التعريفات ولو بالحدود الدنيا.. إذن ما يسمى بالمفاوضات هي جزء ديكوري أصيل ومهم في مشهد بحيرة الزفت المغلي هذه، والتي سوف تُسخِن منطقة الشرق الأوسط كلها(بما فيها تركيا والدائرة العربية المحيطة بما فيها لبنان والأردن والعراق ومصر وشمال أفريقيا، وبخاصة الدول الخليجية، وصولاً ربما حتى أفغانستان وباكستان)، تسخيناً بطيئاً وطويلاً لعشرات السنين تمهيداً لتذويبها وتذويب مجتمعاتها وتفكيكها في المحصلة النهائية ولتأتي النتائج طبيعية، أو تبدو كالطبيعية وليس بفعل فاعل، مثل نتائج المد والجزر التي تحدث على فترات طويلة من أحقاب زمنية متعاقبة.. هل مازلنا نتذكر بعد احتلال العراق قبل ثلاثة عشرعاماً كيف كان خيالنا اللاهب الذي يركن إلى الأمنيات يتوقع أن العراق الجديد، عراق مابعد صدام كما يسمى، سوف يبدأ، وتبدأ بعهده الدولة العراقية بمباشرة مهامها خلال ثلاثة أشهر أو أربعة على الأكثر..؟ وهل ما يزال فينا من يراهن أن العراق سوف يستقر به الحال خلال الربع قرن القادم..؟

أما النقطة الثالثة، نقطة انتظار نصر أحد الأطراف على الآخر، فلن أمر عليه لا مرور الكرام ولا مرور البخلاء، لأنه لايستحق النقاش وتضييع وقتنا به، بل سأكتفي بالقول للحالمين بنصر فريق على آخر أو فئة على أخرى، أن ينتظروا خمسين عاماً قادمة ولن يخسروا شيئاً من مجرد الإنتظار..إذ بكل تأكيد لم يعد ثمة فرقاء متصارعون، بل كائنات أشبه بالروبوتات تدير مسرح الحرب والسلام إلى مالا نهاية.. وهي مجبرة على هذا القدر وليست مخيرة فيه.

هل فقدت هذه الشعوب كل أمل وفرصة لها في العيش والحياة الكريمة..؟

أنا شخصياً لست مؤمناً بحتمية المؤامرات وقَدَريّة النتائج إلا حين تمرر تلك الخرائط كأقدار نهائية لشعوب ميتة موشكة على الإنقراض، وبقايا حضارات متعفنة ميؤوس من تجددها، كما أنني أؤمن بأن إرادة الكفاح وصلابة التصميم المواجه والمتحدي هو الفيصل الحاسم في نهاية كل معادلات القوة وكسر الإرادات وترجيح النتائج، هذه مسألة أخرى وقضية منفصلة، بيد أن المؤكد أنه لم يعد ثمة خلاص إلا بالعمل العاقل المنتظم والمنظم، والذي لا يستعجل النتائج وينتظرها كما ينتظر جائزة مستحقة للكدح الطويل ولتعب السنين العجاف.. علينا أن نثبت نقاط الإرتكاز الأولية الرائزة للمستقبل، وأن نواجه حلم ذلك المستقبل بقوانينه المحتملة وإمكاناته المتاحة، مع تسقيط كل الشعارات الرغبوية التي تحشو الآمال وتنفخ في الأمنيات وتعيد إنتاج الهُجَاسات الشعبوية التي لا يُعَوَّل عليها اليوم بأية نتيجة.

الرقة بوست في 22 / 6/ 2016

By

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *