العلاج النفسي الجمعي
يعتقدُ مؤيدو الأسد، أوالمنحبكجية، أن هنالك مؤامرةً قد خُطِّطَ لها منذ زمن بعيد، مؤامرة تُحيق بسوريا ورئيسها، وتشترك في هذه المؤامرة الولاياتُ المتحدة وإسرائيل وأوربا ودول الخليج وتركيا وداعش والنصرة، ويشارك في هذه المؤامرة معظم الشعب السوري.. كما يعتقدون بأن مبعثَ هذه المؤامرة هو قوى شريرة سوداء النوايا، وأن الطرف المستهدف، أي سوريا التي مايزال النظام وما بقي منه يسيطر عليها، وعلى رأسها بشار الأسد، هي كيان ذو رسالة كونية خَيِّرَة ومقدسة، وأن هذا الرئيس الذي يتصدى للمؤامرة إنما يفعل ذلك لا قياماً بواجب سياسي تمليه عليه وظيفته السياسية، بل يمليه عليه موقعُهُ الرِسالي والقَداسي الذي اختارته السماء، أو قوى ميتافيزيقية فرزت بحكمة أقدارِها الأخيار عن الأشرار، وهي بكل تأكيد تقف إلى جانب الخير المطلق ضد الشر المطلق(المؤامرة وأهلها)، وسوف تنصرُ ذلك الرئيس القُدسي الذي يتعذر استبداله بشخص آخر غيره، لأنه المُنتجَبُ المنتخبُ من السماء للتصدي للأشرار الخارجيين والداخليين.
في المبدأ العلمي يجب أن نؤسس لبديهية خارج البرهان وإقحام أي مستوى علمي تجريبي على أعراض الجوائح العقلية الجماعية التي تجتاح الناس، فعلم النفس يتعامل مع أية فكرة أو نزوع فردي أو جمعي بكونه حادثاً حقيقياً نفسياً، وهو يُنَحِّي مادون ذلك من مستويات، سواء كانت رياضية منطقية أو طبية بيولوجية أو تاريخية واقعة ومؤكدة.. فاليوم تُعدُّ كل القدرات الأسطورية الفائقة التي كانت تنسب للإله بعل أو زيوس أو جوبيتر، بحُسبانِها حوادثَ نفسية واقعة، لاعلاقة لمعقوليتها أو علميتها بدرجة ثبوتها النفسي في الوعي الجمعي الذي آمن بها وأنتجها وأضفى عليه مصداقية البرهان.. وحتى أُقَرِّبَ المثال أكثر أقول: لو أن مريضاً نفسياً ذهب إلى عيادة طبيب وأخبره بأن جِنيَّاً لونُهُ كذا وطولُهُ كذا، يسكن في غرفته منذ سنين ويختبىء في خزانة ثيابه الخاصة، لكان وجود ذلك الجِني بالنسبة لعالم النفس “حقيقة نفسية صحيحة وواقعة”، مُنَحياً كلَّ ماله علاقة بمنطق أو لامنطق، أو معقولية أو عدمية معقوليةِ ما يسمع.. كذلك لو أن سكان الرقة مثلاً استيقظوا صباحاً على اعتقاد جماعي بأن نهر الفرات ينبع من شط العرب، ويسير بعكس اتجاهه نحو الأراضي العالية في هضبة أرمينيا في تركيا ليصب فيها، لكان هذا الإعتقاد واقعة نفسية قائمة، وهي صحيحة نفسياً فحسب، لا علمياً ولا جغرافياً ولا منطقياً، ولاعلاقة للمنطق والجغرافيا وقوانين الفيزياء بالحادثة النفسية الجمعية..
وقد تجد الشخص الذي اعتقد بوجود الجني في خزانة ثيابه طبيباً أو أستاذاً أو مثقفاً وعالماً كبيراً، وربما كان كثيرٌ من المعتقدين بسير الفرات في عكس اتجاهه من مصبه إلى منبعه مفكرين وأطباء وعلماء وأصحاب مهارات علمية وكفاءات خاصة.. كلُّ ذلك لا يبعدُ أو يزحزح شيئاً من معتقدهم ولا ينفيه، أو يحرض وعيهم الشخصي على التحاكم العقلي مع أوهامهم المرضية الشخصية..
من يعتقدون اليوم في العالم بأن أهل السنة دواعش لافائدة من التجادل معهم، إذ حتى لو أقنعتهم أن نسبة عناصر داعش بين المسلمين السنة في العالم هي نسبة 1/30000 تقريباً فإنهم سيظلون متشبثين بمعايير وهمهم النفسي الجمعي، وكأي مصاب بوسواس قهري، كل محاورة عقلية لن تكون لها أية نتيجة أو مردود يُذكرُ في تصفية أوهام المريض.. وإذا علمنا أيضاً أن نسبة عناصر مقاتلي الـ(pyd)، بالنسبة إلى الأكراد هي قريب من النسبة السابقة الذكر، وأن نسبة الشيعة في العالم بالنسبة للميليشيات الطائفية التي تقاتل مع النظام هي أيضا قريبٌ من تلك النسبة، وأن الحكمَ على السنة بأنهم وهابيون وسلفيون تكفيريون، أو الحكم على الأكراد بأنهم (بيدا) أوجلانيون، وأن الشيعة خنازير رافضة ومجوس، يشبه إطلاق الحكم على أهل بلدة تعداد سكانها 30000 نسمة، فيها شخص واحدٌ فقط مصاب بحُكاكِ الجرب، بأن تلك البلدة وسائر أهلها مصابون بحُكاك الجرب، وهي ذات الأعراض النفسية التي تجعل الدواعشة يشعرون بأن مسلكهم سيجعل الله ورسوله مسرورَينِ منهم ومما يجترحون من حماقات، أو تجعل أهل اليسار والقومية يتصورون بأن روسيا اليوم مازالت تفوح من بقايا عَبَقِها، ومن حدائق الكرملين فيها وثياب(بوتينها) رائحة الشيوعيين، ومهوى أفئدة المُضطَهَدين والمتطلعين إلى نصرة الشعوب المستضعفة في الأرض.
حالات الجنون الجماعي لها بواعثها ومسوغاتها السايكولوجية، وهي تحتاج إلى تحليلٍ عميقٍ لفهم آليات العُصاب وأعراضِهِ المزمنة المستعصية، وهي ليست ظواهر سياسية بكل تأكيد، ولايفيد كثيراً البحث في أي تطور تاريخي لإضفاء أيِّ معنى منطقي علمي أو قيمة في سياق التطور الإجتماعي والتاريخي للحالة النفسية المعقدة. فأن تجد تجمعات بشرية، كبيرة أو صغيرة، تعتقدُ أمراً ما، فهذا من شأنه أن يُحالَ إلى التحليل النفسي وإلى بحث آليات العلاج قبل تعميم أحكام سياسية وقِيَمِيّة لا وزن لها ولا مضمون علمي أو معرفي يفسرها..