خلف الجربوع
بريطانيا العجوز لم تفقد حكمتها بعد، وبعيداً عن التداعيات الإعلامية ، والسياسية والمالية المباشرة ، والجدل العام المبني على التخوف من نتائج استفتاء البريطانيين على الإنسحاب من الإتحاد الاوربي .
يبدو أن الخطوة البريطانية في الإنسحاب ، قد كانت ضمن البدائل المدروسة منذ لحظة التوقيع على اتفاقية الإتحاد الأوربي 1973، وقد تأثرت بريطانيا سلباً في اقتصادها أو استقلاليتها ، فبريطانيا واحدة من عشر دول لاتستخدم اليورو كعملة وطنية، في معاملاتها التجارية ، لأنها قد قاومت من خلال استقلاليتها في العمل قرارات وتعليمات المفوضية الأوروبية مراراً ، فيما يتعلق بفتح الحدود (الشنغن) ، والتعليم ، والصحة ، والتجارة والنقل البحري .
أعتقد أن استياء كاميرون، وحكومته من نتيجة الإستفتاء لها معنى وحيد، وهوكسب جمهور الشباب الذي صوت لصالح البقاء، لأن كاميرون وحكومته يعلمان جيداً، وبشكل مسبق أن النتائج ستكون متقاربة، ولصالح الإنسحاب بفارق بسيط، وقد كان بمقدوره تجنب الإستفتاء الشعبي ، وابقاء الأمر برمته في أروقة وقاعة مجلس العموم البريطاني، وبالتالي الاستمرار في الإتحاد، والتخفيض من استقلالية عمل حكومته ضمن المفوضية الأوربية، لصالح هيمنة القيادة الألمانية لأوربا الموحدة ، ألمانياالتي بدأت تتحرر من قيود اتفاقيات الحرب العالمية الثانية ” وهذا التحرر أحد نتائج تداعيات القضية السورية المترافق مع انتهاء بعض بنود تلك الاتفاقات ، والتي سمحت لألمانية بطرحها للنقاش العام .
لاشك أن حكومة كاميرون لن تفرط باستقلاليتها لصالح الهيمنة الألمانية الصاعدة، فهي تدير خامس أكبر اقتصاد في العالم، وعضو دائم في مجلس الأمن، وجيش من أكفأ جيوش العالم، وبالتالي من مصلحتها تكريس استقلاليتها في التعامل بشكل مستقل مع العالم الجديد، الذي بدأت ملامح تأسسيه تتشكل في كتل اقتصادية وسياسية ( وربما عسكرية لاحقاً) منافسة للأتحاد الأوربي واليورو( ولاحقاً للحلف الأطلسي)، وتتفوق عليه في حجم اقتصادياتها ( الصين وشرق آسيا) ، أو بما تمتلك من إمكانات غير مستثمرة ( الشرق الأوسط الكبير) ، وأُرجحُ أنّ مشروع الشرق الأوسط الكبير هو الهدف الإستراتيجي للخطوة البريطانية المباركة أمريكياً والمرحب بها من روسيا (بوتين)، والذي يعتبر المعادل الموضوعي لأوروبا قوية وبقيادة ألمانية ، لما يمتلكه هذا المشروع من إمكانات بشرية ومادية ، تعرقل وتحجم أية اندفاعة ألمانية جديدة أو في المزيد من الإستقلالية تجاه العالم الجديد، حيث أن قضية اللاجئين التي اتخذت فيها ألمانيا (المفوضية الأوربية) قرارات حاسمة بوصفها قضية إنسانية أولاً، لم ينظر المتخوفون على أنها كذلك، بَلْه على أنها مؤشر على تململ العملاق الأوربي من القيود التي كبلته منذ خسارته الحرب العالمية الثانية .
لذلك تبدو لي إن خطوات التطبيع، والتقارب التركي والإسرائيلي ، تتكامل مع خطوة الإنسحاب البريطانية من الإتحاد الأوربي، ومع افتراق مصالح تركيا مع أوربا، حيث ستكون وستبقى تركيا ممراً رئيسياً لنسغ الحياة في أوربا (الطاقة) ، لأن الشرق الأوسط الكبير المنشود يمتلك معظم مصادر الطاقة العالمية ، بالإضافة لامتلاكه مقدرات من الثروات الباطنية والموارد البشرية كبيرة جداً ، ستوضع في الاستثمار بقيادة التكنولوجية الإسرائيلية والأمريكية والشركات التركية والروسية ، بحيث يكون بعد فترة ليست بالبعيدة ، بؤرة مركزية في تحقيق النمو في الإقتصاد العالمي ، وهذا مشروط بإعادة الهدوء إلى المنطقة، وعقلنة التوحش الذي أذكاه اصحاب المشروع أنفسهم، وهذه العقلنة ستكون الهدف الذي ستشرف عليها بريطانيا العظمى، لأنها كانت أهم منتجي أسباب التطرف في المنطقة ، بحيث تعيد الإعتبار للتكوينات التي ساهمت في تهميشها عبر القرن الفائت، ضمن مشروع الشرق الأوسط الكبير، كأطراف شريكة في العقلنة ومتمتعة بحقوقها ضمن هذه الوحدة .