مسلسلات رمضان.. خواء الإبداع وبؤس الفن
يستطيع أهلُ المال أن يشتروا مايشاؤون وأن يسيطروا على مايشاؤون، تستطيع الولايات المتحدة، مثلاً، بميزانيتها الفلكية وناتجها السنوي ومقدراتها العلمية والتقنية أن تسيطر على كوكب الأرض وأهله، وكواكب المجموعة الشمسية المجاورة، لكنها لا تستطيع بكل هذه القوة النوعية أن تُصنع لنا كاتباً من وزن ديستويفسكي، ولا روائياً بحجم ماركيز، بل ولا تستطيع أن تنتج رواية بروعة (مائة عام من العزلة) أو(خريف البطريق).. يستطيع المال الخليجي أن يبنيَ أبراجاً أعظمَ من أبراج دبي بمائة مرة، وأن يُحيلَ ماءَ البحرِ الأُجاج إلى عذبٍ مستساغ، لكنه يعجز حتماً أن يشتري عبقريةً كالشاعر بدر شاكر السياب، أو نزار قباني، ويستطيع تحالف النفط التاريخي مع عروش وجيوش الطغيان في المنطقة أن يعيد حتى صياغة الجينات الوراثية في خلايا الناس، لكنه يعجز أن يصنع نسخة ثانية مشتراة بالمال من(عبد الرحمن منيف) أو(نجيب محفوظ) أو(يوسف إدريس) أو(محمود درويش)..ولكن ماهي مناسبة هذا الحديث..؟
مناسبة الحديث، ونحن نودع رمضان هذا العام، وقد اعتدنا أن تُبذَرَ في مئات الفضائيات العربية مسلسلات يُفترضُ بها أن تقدمَ لمشاهدها العربي فناً، أي جمالاً خالصاً، يفيضُ على النفس ويزرعُ فيها فكرةً أو غذاءً للروح التواقة أو شعوراً جميلاً، وأن يرتقي بإنسانية الإنسان في استشفافه لهذا العالم المحيط والكون اللصيق به.. “فناً” يُبذلُ من أجله مالٌ وفيرٌ، وجهدٌ كبيرٌ، وتتعاون في سبيل إنتاجه وإخراجه إلى مَضْيأة الجمهور شركاتٌ منتجةٌ تغامر بمالها، وممثلون ومخرجون ومصممو ديكورٍ ومشاهدَ وألبسةٍ.. جهداً في الصوتيات وفي كل مرأى مذاعٍ على الملأ.. فإذا كان كل هذا الجهد يخضع لإدارات يهمها الإثارة والإنفعالات والنكتة السمجة المجانية والمرسلة بلا معنى، والحادثُ المفتعلُ والحوارُ السقيم العقيم الذي لا يشبهُ الناسَ الذين يشاهدونه ولا يكاد.. إذا كان كلُّ هذا الجهد مَضِيعاً مُثقلاً بكل ماهو مُسئِم ولحظي الأثر ورخيص.. يحاكي نزوعات تجارية، ويقايض بالمشاهد المصورة عواطف تافهة وأحداثاً أشدَّ تفاهة، وحيوات مجتمعات لاتشبه الناس ولا يشبهونها.. فليت آخرُ رمضان يكون عِتقاً من النارِ.. وعتقاً من هذا الغُثاء الرثِّ والقاعِ الرخيص المُضجِر الذي يسمى مسلسلات..
مع كل هذا يدفعنا إلى الإستغراب والدهشة أنَّ الواقع الدرامي الذي يعيشه الناس خصبٌ مليءٌ زاخر، ففي كل زقاق في مجتمعاتنا ـ وأخص منها مجتمعنا السوري ـ أعمقُ من أساطير أسخيلوس اليوناني، وفي كل حارة وشارع، هُولَةٌ درامية مستطيرة الأحداث، تبزُّ مسرحيات شكسبير وروايات ديكنز، و(قصة مدينتين) يُضارعُها في سوريتنا، بل وفي كل مدننا العربية، آلاف القصص والمدن التي تحتاج إلى من يتناولها.. وبؤساءُ (فيكتورهوجو) و”جان فالجان”ـه تقدمت عليها أقاصيص وجراح وحكايات من عصر المآسي الذي نحيا فيه بمئات السنين الضوئية.. ومع كل هذا فلا تجد بين أُجراء النص الذين يُسمَون كتاب الدراما القصصية، وموظفي الفضائيات البائسة المملة، إلا تكراراً مفتعلاً وحوارات لالون لها ولا طعم، وحبكة أحداث مكررة تثير الدهشة من فقرها، وتبعث على التساؤل إن كان لا يوجد ما نتحدث عنه اليوم إلا هذا الخواء الفارغ وهذا العفن المُقزز الذي يسمى تزويراً بالفن.. ولستُ أدري أين مكامن الفن فيه..!
لا كادرُ فنونِنا هؤلاء، بناسين أو متناسين الواقع الذي يغلي بالحدث والدراما وشجون الأساطير المعاشة يومياً، والقَصَصَ المَهُول الذي لاينتهي في حياة الناس وعذاباتهم المستدامة، ولا هم براجعين عوداً الى إحياء النصوص العظيمة التي أُنتِجَتْ في حياة العرب خلال القرن الماضي.. روايات نجيب محفوظ، وجبرا ابراهيم جبرا، وعبد الرحمن منيف، والدكتور يوسف إدريس.. وعشرات، بل مئات غيرهم، فلا ربحنا من فضيلة الحاضر بخصوبته الفنية ولا غنمنا ماكان لنا من إبداع وفن.. ما الذي يدفع كاتب نص بائس إلى كتابة ثمانية أجزاء من مسلسل باب الحارة الذي لا يشبهنا ولا نشبهه ولايشبه الفنَّ في شيء؟ وما الضرورة المُلجِئة إلى صناعة حوار وحبكة خاوية وفقيرة إلى حد العجز والقواء في الشكل والمضمون؟ مؤكدٌ، كما قلت في استهلال الحديث، أن تحالف الأنظمة والدوائر وأجهزة الإستخبارات والشركات التجارية تستطيع أن تحول ثمرة البندورة إلى دبس ذي قوام له شكل وطعم حامضي المذاق كالبندورة، لكنها لا تنتج فناً بالقطع، فالفن لا ينمو ولا يترعرع إلا في البيئة الحرة، ولا تستطيع إنتاجه إلا الأنفس الحرة.. من رحم القلق الإنساني يُولد، وفي مدارات التأمل الذي يجتاز حواجز النفس والجسد والروح يضع خَليتَهُ التي تصنعها الكلمة التي تحفر في القلوب، وتتركُ آثاراً لاتزول بعد الإنتهاء من قراءتها أو التفرج عليها كدراما ممثلة ومصورة..
ذلك هو الفارق النوعي بين خلود الكلمة والفن، وبين تغليف المسلسلات وبيعها للناس توهيماً وتسلية، وتزجية وقت كمتعة عابرة وقتل للفراغ، ولذة مؤقتة كالصندويش وقطع الحلوى .