لا يبدو واضحاً إلى أي درجة أحرِجت “النصرة” بتذكيرها بهذين التسجيلين، إلا أن قيادت “النصرة” أطلقت سراح قائد “جيش التحرير”، وإعلنت قبولاً مبدئياً بتشكيل محكمة تفصل بينهما، مع استمرار تجاهل قضية “الفرقة 13”. وما هو واضح بحسب المتابعين، هو اتساع دائرة المنتقدين لموقف “النصرة”، والذي شمل حتى أقرب المقربين منها، ما أجبر قيادتها على إصدار بيان هو الأول من نوعه، من أجل توضيح موقفها بهذا الخصوص.
فبعد إعلان ما بات يعرف بـ”بيان العلماء السبعة” الذي أصدره شرعيون مقربون من “النصرة” و”جيش الفتح”، وأمهلوا فيه الجبهة 24 ساعة للقبول بتشكيل محكمة شرعية بينهما بناء على طلب “جيش التحرير”، ومع تأخر “النصرة” بالرد، عبّر الداعية السعودي المعروف بدعمه للجبهة عبد الله المحيسني، في كلمة صوتية له، عن إحباطه الشديد بسبب هذا الموقف، وقدّم اعتذاراً صريحاً عن فشل الجهود الرامية لتشكيل المحكمة.
لكن ما كان أبعد من إحباط المحيسني وأشد وقعاً، هو الهجوم العنيف الذي شنه أحد المسؤولين الشرعين في “جبهة النصرة”، المصري محمد شريف هزاع، على قيادة الجبهة بسبب هذا الموقف، معلناً أنه “لا يمكن أن يستمر مع جماعة تدعي الجهاد من أجل تطبيق الشريعة، لكنها تماطل في الاستجابة لدعوات تحكيمها”.
ورغم إصدار الجبهة بياناً توضيحياً بعد ساعات على ذلك، إلا أن سجالاً طويلاً دخل فيه هزاع، المعروف باسم “أبو أيوب المصري”، لا مع جمهور “النصرة” في وسائل التواصل الاجتماعي فقط، بل وكذلك مع مسؤولها الإعلامي أبو عمار الشامي، الذي نشر في “تويتر” مجموعة تغريدات شرح فيها بيان الجبهة المذكور، والمخصص للتعقيب على “بيان العلماء السبعة”.
وأهم ما ركزت عليه الانتقادات الموجهة لبيان “النصرة” وتعليق مسؤولها الإعلامي عليه، نقطتان أساسيتان، الأولى هي الهجوم الذي شنته الجبهة على الشخصيات الموقعة على بيان دعوتها للمحكمة الشرعية، أما الثانية، فتتعلق بإشارة قيادة الجبهة إلى ملابسات ووقائع قالت إن أصحاب الدعوة لم يأخذوها في الاعتبار عندما طالبوا الجبهة بالقبول الفوري بمحكمة مستقلة، ما يؤدي، بحسب المسؤول الإعلامي “إلى إفساد صور الجماعات أو النيل منها”.
وبينما كان تعليق الداعية السعودي عبدالله المحيسني، على النقطتين هادئاً، وذكّر (في تسجيل صوتي ثان له بهذا الخصوص قيادة الجبهة) بأن اجماع الفقهاء يقول بسلطان العلماء عندما يغيب الحاكم، اعتبر آخرون في النقطة الثانية، أن “النصرة” في حديثها عن الاعتبارات دون تقديم دليل عليها أو بينة، تتصرف على أنها الجماعة المتغلبة صاحبة السلطان بكل معنى الكلمة.
فالجبهة، بحسب أبو أيوب المصري، “باتت تعطي الصكوك بالإسلام وحسن السلوك”، وندد بعدم تقديم قيادتها أي أدلة على ما اتهمت به الفصائل التي حاربتها بتهم العمالة أو الإفساد، وأضاف، موجهاً حديثه لقيادة “النصرة”: “بصفتكم الحاكم المتغلب الجديد، فأنتم من يشكل اللجان ويطلب الخطط، وعلى الكل أن يسكت والسيف فوق رأسه”.
وإذا كانت قيادة تنظيم “القاعدة” قد كررت بدون توقف، أن هدف التنظيم تحكيم الشريعة لا الحكم، وخاصة بعد إعلان تنظيم “الدولة” لـ”الخلافة”، وتفاخر قادته بأقامتها بالسيف والقوة، فإن ما عجزت عنه “النصرة”، باعتبارها فرع “القاعدة” في سوريا، هو اقناع مخالفيها حتى الآن، على أنها لا تسير في الطريق ذاته.
ورغم إنكار الجبهة المستمر لهذا الاتهام، إلا أن ما يقدمه المعترضون عليها من أدلة ووقائع، لا يبدو من السهل القفز عليها، حتى وإن كان من اليسير تغليفها أو منحها اسماء أخرى، مثل الحديث عن شروط تحكيم الشريعة، ومن هو الجدير بأن يقوم بذلك .. إلخ.
ويؤكد المنتقدون على ذلك بما جاء في بيان “النصرة” الأخير، تعقيباً على بيان اللجنة السباعية، حيث أكدت الجبهة أن “مفهوم حاكمية الشريعة أوسع من أن يختزل في فض الخصومات”، بل ويرى هؤلاء، أن هذه الجملة ليست سوى عبارة ملطفة لمواقف مرجعيات التيار السلفي الجهادي البارزين، الذين يُتهمون اليوم بأنهم يسيطرون على قيادة الجبهة، ويدفعون بها في مسار خطير.
فأبو محمد المقدسي، وأبو قتادة الفلسطيني، وتلاميذهما، الذين دخلوا بقوة في سجالات القضية طيلة الأيام السابقة، هاجموا بشدة مطالبي “النصرة” بالقبول بمحكمة شرعية، تقضي بينها وبين الفصائل التي هاجمتها، وكان أكثرهم وضوحاً المقدسي الذي قال: “إن المطالبة بمحكمة شرعية لتحصيل حق فصيل ورفض تحكيم الشرع في المحرر نفاق واضح”.
تصريحات أدت إلى ردود فعل غاضبة، وانتقادات واسعة هاجمت المقدسي ومن معه، واتهمتهم بالإفتراء والاستمرار في حملة التحريض على فصائل الجيش الحر والقوى الإسلامية السورية الأخرى، كما طالبتهم بتقديم دليل واحد على رفض أي من هذه الفصائل تحكيم الشريعة.
أين المشكلة إذاً، وهل يتطلب إقامة محكمة شرعية تفصل في نزاع بهذا المستوى كل هذه السجالات، أم أن حقيقة الأمر بالفعل، هي أن “تحكيم الشريعة ليس سوى شعارات ترفع، وعبارات تنمق، وخطب تدبج” على حد وصف الشرعي في “جيش الفتح” أيمن هاروش، في تعليقه على موقف النصرة هذا.
قد يكون من السهل تبنى الإطلاقات التي تقول بذلك فعلاً، بل والقول بذلك لن يكون اتهاماً بلا دليلاً، فالواقع متخم بما يجعل منه منطقياً، لكن حقيقة المشكلة وجوهرها، كما يؤكد الكثيرون، تتجاوز بالنسبة لـ”النصرة” وطيف واسع من التيار السلفي الجهادي، حتى فقه “الحاكم المتغلب”، وتصل إلى ما هو أعمق؛ إلى أزمة موقف التيار الفكري من بقية المدارس الإسلامية، باعتباره يرى أنه وحده الذي يمتلك الحق، ووحده الجدير بتطبيق الشرع.