هل تصمد معادلة: يرحل الأسد.. يبقى النظام؟
مدير التحرير
هناك نقطة مركزية تتقاطع عندها كل تناقضات الواقع الدولي والإقليمي المحيط بسوريا والتي باتت أرضها تشكل شبه حرب عالمية غير معلنة رسمياً، هذه النقطة تتباعد عنها المسافات بين دول العالم والإقليم طوراً وتتقارب، وتختلفُ المسافات بين تلك الدول وذلك المركز من مرحلة إلى أخرى، غير أن تتابع سير الحدث العام المتسارع بات يعطي انطباعاً أولياً في الذهنيات السياسية المتنافرة بأن القرب من نقطة المركز والإلتفاف حولها، بات اليومَ أقربَ من أيِّ وقتٍ مضى: يرحل الأسد، ويبقى النظام.. وذلك بقرارٍ دولي يسعى إلى صياغته صياغة جديدة، وفي منتج جديد مختلف عن طبيعة ذلك النظام الأشدَّ قبحاً في التاريخ، وبحيثُ تتكفل أطراف الصراع المختلفة تزويقَ الصيغة الجديدة وتحسين صورته الجمالية المصطنعة، والتي يراد تظهيرها للعالم من جديد، بحيث تتم صناعته على مقاس كافة التناقضات الدولية المحيطة والمشدودة الحبال به وإليه، وتنحلُّ تلك التناقضات بالتدرج الزماني المطلوب.
عادةً ما يلجأ المجرمون واللصوص حين يقعون في قبضة العدالة، إلى مخزون خططهم التقليدية، فيتواطأون على أن يجمعوا كلَّ التهم الموجهة إليهم في حزمة اتهامٍ واحدة، ثم يتطوعُ أحدُهم بأن يعترفَ بها مكرهاً من قبلهم أومختاراً أو مُضَحيِّاً أو طامعاً بعرض تسوية توافقية فيما بينهم، وهكذا بدلاً من أن يدانَ أفرادُ العصابة العشرة مثلاً بالجرائم المنسوبة إليهم، يخرجون، أو يخرج تسعة أعشارهم من المحكمة بتبرئة، بينا يُدانُ واحدٌ أو اثنانِ فقط بعد احتمالهما لكل الجرائم..
بهذه المقاربة يعتمدُ المجتمع الدولي والإقليمي على ترسيم خارطة الحل السوري في سياقين، بدأ بالإعداد لهما منذ أيام الثورة الأولى، ومحاولاً تثبيت واقع ملموس على الأرض لا منازعة فيه، ويندرج في هذين السياقين بنيتان مُتَصَوَّرتان للنظام مستقلتان عن بعضهما بعض: البنية الأولى هي خاصة(المجرمين السيئين)، والبنية الثانية هي خاصة (المجرمين الجيدين).. فليس أمام السوريين بعد كل هذا البذل والتضحيات وملايين المُدَمَّرين والمُهَجَّرين والشهداء وشلالات لا تنضب من الدماء.. سوى سيء وأسوأ على الشعب السوري أن يختار أحدهما، فهناك فريق النظام الأسدي الملوثة يداه بالدماء، وفريق النظام غير الملوثة يديه بالدماء . وطالما أننا نلعب في وقت ضائع استغرق أكثر من ثلاث سنوات على الأقل، وما يزال أمام العالم فسحة من الوقت لن تنقضي قبل مرور سنة على الأقل.. فلنعمل في هذا الوقت الضائع على تحميل المجرمين السيئين(الأسد، شاليش، مخلوف، رؤساء الفروع الأمنية..الخ..)كل جريرة وجريمة، فأعناقهم حمالة جرائم لاحصر لها، وأوزارهم تحتمل المزيد، ولم يعد يعني كثيراً لمجرمين أن يُدانوا بجريمة أو مائة جريمة أو ألف أو عشرة آلاف.. وحتى يَحسُنُ استثمار الوقت الضائع أيضاً من أجل العمل في السياق الثاني: سياق المجرمين الجيدين، وأعوان النظام الطاهري الذيل، وموظفيه القديسين.. ألم يرسلِوا لنا باكراً، وقبل أن تفيق الثورة من ذهولها ويصحو الثوار لتنظيم صفوفهم، ليجدوا بدر الدين جاموس قنصل النظام في مولدافيا ورجل مخابراته الأول في القنصلية، والذي تم فصله (انشقاقه) سريعاً عن وظيفته أو سياقه الأول، وإلحاقه فوراً بركب الثورة في أعلى هرمها.. فإذا بنا نستفيقُ ذات صباح، وقد تربع المجرم الجيد في منصب الأمين العام للائتلاف؟ألم يتبعوه مباشرة بصاحب أعلى منصب في مؤسسة النظام الدينية معاذ الخطيب(صاحب مقولة: الشمس ستشرق من موسكو)، لنصحو وقد انتخِب الرجلُ رئيساً للائتلاف؟ ألم يجهزوا ملايين آل طلاس المسروقة من أموال الشعب السوري ويبدأوا مبكراً بالتحضير لتسويق فراس ومناف في نفس التاريخ الذي كانوا فيه يحضرون لنا فيه المطبخ المعدَّ لخروج النصرة وداعش وطاحش وجاحش..؟ ألم تُجهز سميرة المسالمة، رئيسة تحرير صحيفة تشرين الناطقة باسم وحوش السلطة وأكابر مجرميها، مقابل دمعة حزن رومانسية ذرفتها بأداء درامي متقن على مجازر درعا حيث تم على عقبها فصلها من الصحيفة باكراً(وهي صاحبة التصريح الشهير بأنها ستشعر بالفخر لوربَّت أبناءها ليكونَ قدوتُهم الرئيس بشار الأسد)، لتحظى بمكانة نائب رئيس الائتلاف حالياً؟ ألم يرسلوا لنا رياض حجاب ورياض نعسان آغا من أعلى هرم السلطة وينقلوهما إلى أعلى الهرم، هيئة المفاوضات العليا، ومعهما أعداد وفيرة من مهجع المجرمين السيئين إلى مهجع المجرمين المثاليين الرائعين؟
كلُّ مافي الأمر أن مسألة تأهيل وصياغة وإعادة نظام حسني مبارك بعد ثورة 25 يناير(بدون شخص حسني مبارك وحفنة من رموز النظام ومقربيه) قد كلفت العرب والعالم أكثر من سنة بقليل، فكان السيسي ـ النظام والشخص ـ تخليصاً وتلخيصاً لمشقة الإستغلاق التام وانعدام الأفق الذي وصلت إليه مصر في عهد مبارك، بينما سوف تكون تكلفتها الزمانية في سوريا قريباً من سبع سنوات عجاف أو أكثر، وذلك لإعادة تشكيل سيسي سوريا المنتظر، والمطابق للمواصفات القياسية السورية، ذلك لأن الجنة والنار في سوريا لايتوافران على إتمام مراسيم الزواج فيما بينهما ولا يعقدان قرانهما لسبب بسيطٍ جداً: هو أنهما شقيقان من أم وأب واحد، فلا أمل إذن في زواج قربى على الطريقة السورية، مثلما يمتنع سفاح القربى حتى بين العاشقين الأشهرين في التاريخ: المجتمع الدولي المنحط، ونظام الأسد الأشد انحطاطاً، وكما تم تمرير توليفة ذلك السفاح في مصر .
هكذا لا يبقى ـ سورياً ـ متاحاً إلا أن يتبادل الطرفان رسائل العشق الممهورة بقبلة الموت وخاتمه.. رسائل متبادلة بين المجتمع الدولي من جهة، وبين براميل الأسد وجحيمه، وسكاكين داعش ومفخخاتها، والإبادة الجماعية التي عقد الطرفان النية على تنفيذها بالشعب السوري بمباركة هذه الإنسانية الشقية البائسة.