خالد الخطيب
حققت قوات النظام و”حزب الله” اللبناني و”الحرس الثوري” الإيراني، مزيداً من التقدم في حلب، وسيطرت الأحد على مواقع ومزارع متاخمة لطريق الكاستللو، في ضواحي مدينة حلب الشمالية. كما أحرزت تقدماً جديداً من الجهة الجنوبية الغربية نحو الطريق، وسيطرت على عدد من الكتل السكنية والمباني والمعامل في حيي بني زيد والخالدية.
ووصلت المليشيات فعلياً إلى طريق المعارضة الوحيد الذي يستخدمه المدنيون الفارون من شبح الحصار الذي يتهدد الأحياء الشرقية، الخاضعة لسيطرة المعارضة المسلحة في مدينة حلب (رغم خطورته ورصده نارياً طيلة الفترة الماضية من قبل المليشيات). واعتقلت المليشيات عدداً من المدنيين واقتادتهم إلى جهة مجهولة، فيما قُتل آخرون بعدما تم استهداف سياراتهم بصواريخ حرارية من قبل المليشيات التي كانت تزحف باتجاه الطريق.
وقُتل أكثر من 100 مدني منذ مطلع الشهر الحالي على طريق الكاستللو، منذ أن بدأت المليشيات تقدمها باتجاهه، فضلاً عن وجود العشرات من المفقودين. وتأتي تلك الحوادث في وقت تعجز فيه فرق الاسعاف عن انتشال الجثث المترامية على طرفي الطريق، بعدما قضت بالقصف الجوي والاستهداف المستمر للسيارات من قبل المليشيات.
من جانبها، اشتبكت فصائل المعارضة في “غرفة عمليات حلب” مع المليشيات المتقدمة، والتي تمركزت في عدد من المزارع والمباني على جانبي الطريق، إلى الجنوب الغربي من الجرف الصخري ومنطقة الجامع الواقعتين في أطراف مزارع الملاح الجنوبية. وشهدت المنطقة معارك عنيفة بين الطرفين، وسط قصف متبادل بالمدفعية والصواريخ.
واستهدفت المعارضة المسلحة عدداً من الآليات الثقيلة والمدرعة بصواريخ “تاو” المضادة للدروع، وأعطبت عدداً منها، واستعادت بعض نقاطها التي خسرتها، لكنها لم تفلح في إجبار المليشيات على الانسحاب بشكل كلي نحو مواقعها القديمة في منطقة الجامع والجرف الصخري. أي إن المليشيات بقيت قريبة جداً من الطريق الذي أصبح المرور منه أخطر من ذي قبل، ويكاد يكون مقطوعاً بالكامل بعدما سيطرت المليشيات على نقاط محاذية له، ما عدا الطرق الترابية التي لا تقل خطورة ووعورة.
ولم يكن وضع المعارضة في الجبهات المقابلة؛ في الخالدية وبني زيد، أحسن حالاً من جبهاتها في الملاح. وشهدت جبهات الخالدية وبني زيد معارك عنيفة بين الطرفين، في محاولة من المعارضة لاستعادة المواقع التي خسرتها في الحيين القريبين من طريق الكاستللو ودوار الليرمون، من الجهة الجنوبية الغربية. واكتفت المعارضة بإعلان تدمير عدد من الآليات المدرعة، وقتل عدد من عناصر المليشيات، واستعادة بعض المبان والمعامل في المنطقة. فالمعركة لم تنتهِ وقوات النظام ماتزال متقدمة في بعض المحاور.
مدير “مكتب بلدة حيان الإعلامي” عبيدة حيان، أكد لـ”المدن” أن المعارضة تمكنت من تدمير سيارتين عسكريتين، وناقلة جند وقتل من فيها من قوات النظام والمليشيات، ودمرت مدرعة “بي أم بي” ومدفعين رشاشين أثناء الاشتباكات الجارية في منطقتي الملاح والكاستللو، كما تمكنت من تدمير راجمة صواريخ لقوات النظام بصاروخ “تاو” على تلة الشيخ يوسف القريبة من المدينة الصناعية.
وأشار حيان إلى أن المعارضة أشعلت جبهات متعددة في حلب ضد قوات النظام لتخفيف الضغط عن قواتها في الملاح، وشهدت جبهة كرم الطراب ومطار النيرب العسكري شرقي حلب اشتباكات عنيفة وقصفاً متبادلاً، تمكنت خلالها المعارضة من تدمير قاعدة صواريخ لقوات النظام وقتلت عدداً من عناصرها.
تبدو المعارضة الحلبية عاجزة أمام تقدم المليشيات وإصرارها على إكمال الحصار، ولا تمتلك استراتيجية هجومية تمنع تنفيذ مخططات النظام وحلفائه، غير الهجمات العكسية التي لم تعد تجدي نفعاً في هذه المرحلة. وعلى الرغم من التضحيات الكبيرة من قبل المعارضة إلا أنها غير قادرة فعلياً على الحفاظ على مواقعها. فقوات النظام والمليشيات تتبع سياسة القضم البطيء، مستفيدة من الغطاء الناري الهائل، جواً وبراً، وليس لديها مشكلة في خسارة عدد من مقاتليها بشكل يومي وبعض قطع العتاد الحربي المتوفر بكثرة، لتصل إلى أهدافها وتحكم سيطرتها على أهم المفاصل الحيوية في حلب.
المعارضة بدأت تتماشى مع الواقع الجديد، أي حصار حلب، وفصل مناطق سيطرتها في المدينة والريف، وسلمت على ما يبدو باستحالة إبعاد قوات النظام والمليشيات عن طريقها في الكاستللو، وأصدرت مؤخراً بيانات ناشدت من خلالها الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لتجنيب أكثر 400 ألف مدني خطر الحصار في المدينة.
كما بدأت أطراف عسكرية فاعلة في المعارضة الترويج لفتح معركة في محور آخر، وفتح طريق جديد، في ظل الموقف العسكري البالغ الصعوبة في الشمال، فمن وجهة نظرها ستكون معركة الملاح والدفاع عن الكاستللو محرقة واستنزافاً لا جدوى منه، وترى أن استكمال معركة ريف حلب الجنوبي أولى، وتحقق الكثير من الأهداف، وفرص نجاحها أكبر من معارك الاستنزاف في الشمال الحلبي.
وفي الوقت ذاته لم تستسلم المعارضة الحلبية حتى الآن، وتواصل شن هجماتها باستمرار في مختلف محاور القتال، وتتصدر “غرفة عمليات فتح حلب” المشهد العسكري، مؤكدة بشكل مستمر وعلى لسان قائدها الرائد ياسر عبدالرحيم، والقائد العسكري البارز فيها أبو بشير معارة، أن حلب لن تحاصر والمعارك مستمرة ولم يتحقق للميليشيات إلى الآن أهدافها والسيطرة الكاملة على الكاستللو.
وكثّف الطيران الروسي من قصفه الجوي للمناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة في حلب وضواحيها. وارتفع عدد الغارات الجوية بشكل ملحوظ، وتجاوزت 200 غارة جوية، الأحد والإثنين، بالقنابل العنقودية والصواريخ الفراغية، في ظل غياب الطيران المروحي وبراميله المتفجرة بعدما تعرض مهبطها في “معامل الدفاع” لأضرار جسيمة جراء انفجارات ضخمة ليلة السبت/الأحد. وتركز القصف بشكل كبير على بني زيد والخالدية وكفرحمرة.
ولم يُفصح النظام عن وقوع قتلى أو خسائر في عتاده في “معامل الدفاع”، إلا أن معلومات متطابقة من مصادر متعددة، أكدت مقتل أكثر من خمسين عنصراً من قوات النظام المتمركزة في معامل الدفاع، من بينهم عدد من الضباط والمهندسين، وانفجار أربعة مستودعات تحوي براميل متفجرة، كما احترق عدد من الطائرات المروحية، وخزانات وقود للطائرات.
المدن