الثلاثاء. يناير 20th, 2026

وليد بركسية

لم تعد الأفلام الوثائقية والبرامج التلفزيونية التي تتحدث عن مدينة الرقة، مثيرة للاهتمام كما كانت عليه خلال العامين السابقين. فالمعلومات المتداولة في الإعلام عن الحياة تحت حكم “داعش” هناك باتت معروفة ومكررة، ولا تقدم أي جديد سوى القيمة الإنسانية، وهي بحد ذاتها معطى طبيعي لا يخلق أثراً لكون الأثر موجوداً أصلاً.

في إنتاجها الجديد “الرقة سبية الفرات”، تترك قناة “الميادين” الهواء مفتوحة لبطلة الفيلم رولا (اسم مستعار) كي تتحدث عن تجربتها في الحياة تحت حكم داعش ثم رحلة هروبها، من دون أن تقدم القناة أي إضافات وخلفيات تجعل المادة ترتقي من “شهادة شخصية” إلى مرتبة الفيلم الوثائقي المتكامل.

الجزء الرئيسي من الفيلم (20 د) صور في مناطق سيطرة النظام السوري في حلب، حسبما أفاد معد ومخرج الفيلم علي مرتضى في بث مباشر على صفحة “الميادين” قبيل عرض الفيلم، مؤكداً أن التجربة ككل “تتلمس روح أهالي الرقة الذين يعيشون داخل المدينة، وللحديث عن حكم داعش”، قبل أن يعتذر من الجمهور لعدم قدرة الفيلم على تقديم كافة القصص والحياة في المدينة بشكل أشمل.

والحال أن الفيلم، بتقسيمه البلاد إلى مناطق “داعش” ومناطق النظام “الآمنة” فقط، يحاول تشكيل غطاء إعلامي – إنساني للعمليات العسكرية التي ينفذها جيش النظام “ضد الإرهاب”، ليس في الرقة طبعاً حيث لم ينفذ الجيش السوري سوى عمليات محدودة على أطراف المحافظة في الآونة الاخيرة، ورغم أنه لا خلاف حول إرهاب “داعش” إلا أن الحديث عن تحرير المدنيين في الرقة على يد النظام يبدو سوريالياً لعدم جديته ضمن أجندة النظام العسكرية والسياسية في الفترة الحالية على الأقل.

يؤكد مرتضى ما سبق، في معرض رده على استفسارات الجمهور حول  الهدف الحقيقي للفيلم في الوقت الحالي، بحديثه عن “حصار” الرقة من قبل قوات “سوريا الديمقراطية” وجيش النظام من الشمال والجنوب! معتبراً الفيلم رسالة من “الميادين” بأن هناك “مواطنين سوريين يعيشون داخل الرقة تحت احتلال داعش” ويجب تحريرهم، لإزالة الفكرة الشمولية السائدة عن المدينة بأنها إرهابية بالكامل على حد تعبيره، قبل أن يشكر “القوى الاستخباراتية” التابعة للنظام في داخل الرقة التي قدمت “مساعدة كبيرة” لإنجاز الفيلم.

وإن كانت القيمة التلفزيونية تأتي من التسلية والمعرفة، يمكن القول أن الفيلم يفشل في تقديم العنصرين معاً. فالسرد الطويل للقصة من دون إضافات جعل إيقاع الفيلم مملاً رغم مدته القصيرة، وكانت الكلمات هي البطلة الأولى في منتج تلفزيوني بصري، مما جعل الفيلم أقرب لحوار إذاعي لا أكثر. أما المعلومات فيعرفها الجميع عن الممارسات القمعية للتنظيم في المدينة مثل التضييق على ملابس النساء الشرعية ودوريات الحسبة على مراكز الإنترنت القليلة والعقوبات بحق المخالفين.

والحقيقة أن الفيلم يقدم مجموعة من الصور القديمة من داخل الرقة، لم تشكف “الميادين” كيفية حصولها على الصور المسربة بالتحديد، وهي النقطة التي تستحق التوقف عندها، خاصة أن اللقطات قريبة جداً من عناصر “داعش” خلال عمليات التفتيش مثلاً، من دون أي إشارة لكون رولا هي المصورة لها مثلاً، حتى في اللقطات التي تصور رحلة الهروب والتنكر في شخصية راعية أغنام.

ربما لو كانت الصور أكثر حساسية وكشفاً لمعلومات جديدة، لكان التعامل معها مختلفاً، إذ أنها  للأسف عامة ومكررة في كافة الإنتاجات المماثلة عن “داعش”، وليست مثلاً كالصور التي سربتها هلا العلي بطلة فيلم “متمردة من الرقة”، الذي عرضته قناة “فرانس 24” في آذار/مارس 2013، والذي أثار ضجة كبيرة حينها، لتوثيقه الحياة عن قرب مع كشف هوية المصادر وطبيعة التسجيل لمزيد من المصداقية.

في السياق، تغيب الحدود الزمانية في القصة تماماً، كما تم تغيير هوية الفتاة وإعطائها اسماً مستعاراً “رولا”، خوفاً على سلامة عائلتها من انتقام التنظيم التكفيري، لكونهم ما زالوا داخل الرقة، مع اختلاف واضح في دقة اللقطات التي يبدو أن بعضها صور بهواتف محمولة، فيما كانت بعض اللقطات الأخرى مأخوذة من الأرشيف، من دون الاعتماد على طريقة الدوكودراما كحل جذاب لكسر الجمود البصري.

المدن

By

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *