الف يوم ويوم على اختطاف اسماعيل الحامض

الدكتور إسماعيل الحامض نموذج خاص للمعارض وللثائر والناشط الثوري، هذا ماتؤكده سيرته، وما تثبته الوقائع ايضاً، ويشهد به خصوصاً سكان الرقة الذين عرفوه طبيباً منذ جاء الى مدينتهم قبل نحو ربع قرن مضى، ثم اكتشفوا فيه المعارض السياسي، صاحب الرأي والموقف الحريص على مصلحة بلده ومواطنيه، وقد أكده انخراط الرجل في عمق فعاليات الثورةبعد انطلاقتها ليكون في الطليعة منظماً ومشاركاً في العمل السياسي والجماهيري الى الإغاثة الى المساعدة الطبية والدوائية.

لم يبدل إسماعيل الحامض موقفه في قلب الثورة ولامساهماته في أنشطتها، رغم التقلبات التي طرأت على مدينة الرقة بين قيام الثورة واختطافه من قبل عصابات “داعش” قبل الف يوم ويوم، كان مستمراً في ذات الخط، يوم كانت الرقة تحت سيطرة النظام، وتابعه بعد ان تحررت على يد الجيش الحر، وعندما استولت عليها حركة احرار الشام، وبعد ان احتلها “داعش”، ويعلنها “عاصمة” لدولة التطرف والإرهاب، وبقي إسماعيل الحامضعلى موقفه في دعم ثورة هدفها دولة ديمقراطية، توفر الحرية والعدالة والمساواة لكل السوريين. بل انه رفض مغادرة الرقة، وهو ما أثار حقد “داعش” عليه، فجرى اختطافه علناً وامام الناس وسط النهار وهو في الطريق من البيت الى العيادة لمواصلة نشاطه.

إسماعيل الحامض نموذج لعشرات آلاف الذين حملوا ومازالوا يحملون حلم السوريين بالحرية رغم كل ما اصابهم وأصاب ثورتهم على يد النظام وحلفائه وعصابات التطرف والإرهاب.

“مدار اليوم” اذ يقدم ملفاً عنه، انما يقف في هذا الجهد وقفة احترام ووفاء لكل الذين اختفوا ومازال مصيرهم مجهولاً على امل عودتهم الى حياتهم وعائلاتهم وبلدهم ومواطنيهم فنحن شديدو الحاجة الى ان يكونوا بيننا.

ويشكر “مدار اليوم” شكراً جزيلاً الأعزاء الذين شاركوا في انجاز هذا الملف.

إسماعيل الحامض: بورتريه مكثف

زبيدة خربوطلي

ولد اسماعيل الحامض في بلدة فطيري في محافظة إدلب في الأول من أيار/ مارس 1964 لعائلة فقيرة في ريف إدلب، ونشأ شاباً عصامياً، اعتمد على نفسه، ودرس في كلية الطب بجامعة حلب، وتخرج منها في العام 1987، مكملاً دراسته العليا في الجراحة العامة.

تزوج في 1990 من السيدة زبيدة خربوطلي، وبعد عام انتقل إلى مدينة الرقة وهناك افتتح عيادته، وزاول مهنته في الطب، أب لأربع فتيات شابات ماريا وهبة وسارة وريم “وطفل” حازم فتياته الشابات جميعهن جامعيات.

معارض للنظام معروف قبل الثورة، وكان أحد أوائل المشاركين في إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي عام 2005، وكتب عدة مقالات مناهضة للنظام.

غادر في 2009 إلى المملكة العربية السعودية للعمل كطبيب جراح، وعاد مع بداية الثورة السورية ليشارك الشعب السوري انتفاضته ضد الطاغية، عُرف بمدينة الرقة بنشاطه السلمي هو وعائلته، وزوجته أول إمرأة جرى اعتقالها في مدينة الرقة ببداية الثورة، وفتياته من أوائل المشاركات في تظاهرات الرقة.

عمل في مجال الإغاثة في ظل سيطرة النظام على المدينة، وكانت عيادته ملجأ للمحتاجين والنازحين، وعزز نشاطاته بعد تحرير المدينة أذار 2013، ونذر معظم وقته لمساعدة ضحايا القصف الهمجي، كما ساهم في استقدام الدعم الطبي للمدينة على مسؤوليته الشخصية، ودعم عدة مشاريع إنسانية طبية.

كان له دور مؤثر على الشارع المدني الثوري في الرقة، نظراً لرؤيته الحكيمة واصراره على قول كلمة الحق في وجه أي مستبد، وكان مميزاً بقدرته على محبة الآخرين ومساعدتهم.

عرف الدكتور بأخلاقه الحسنة ومعاملته الجيدة للجميع، إضافة الى بساطته وشجاعته في قول الحق. وبعد عدة تصريحات له تدين انتهاكات “داعش” حيال مواطنيه في مدينة الرقة، وبعد عدة مصادمات معهم، تعرض للخطف ظهيرة 2-11-2013 أثناء توجهه بسيارته إلى عيادته، حيث قطع ثلاث ملثمون مسلحون طريقه، واقتادوه إلى جهة مجهولة.

غابت أخبار الدكتور اسماعيل منذ ذلك اليوم، ولم تعد تتوفر اية معلومات عنه، رغم سعي زوجته المتواصل الحصول عن معلومات عنه، لكن دون أية نتيجة. اذ ظل “داعش” ينكر وجوده عنده حتى يومنا هذا.

بعد ألف يوم ويوم على غيابه في سجون الظلام، ورغم كل المساعي، لا اخبار عن مصيره، عيادته في الرقة مغلقة، وقد استولى “داعش” على منزله بعد أن غادرته العائلة إلى بلاد اللجوء، تتابع فيها الاستمرار وسط أمل العودة الى بلدها، وعودة الدكتور إسماعيل اليها، امينة على استمرار المسيرة التعلمية والتربوية لأولاده.

إلى أبي في االيوم الألف على الغياب

هبة الحامض

لن أرثي الأيام الألف على اختطافك .. ولن أندب مصيرك المجهول منذ أن غيبك خفافيش الظلام في ظهيرة 02-11-2013، لن أبكي لحظات القهر والإنكسار التي تجرعنا زقومها، ولن استسلم للأنين الذي خلفه خنجر الغدر في قلب عاصمة، يفترض أنها عاصمة التحرير، وفيها تجرأ الأشباح على الحرية فاختطفوك.

لا يا أبي لن أفعل ذلك. بل سأطلق لك من على شواطئ الغياب سفن محبة، تروي لك أشرعتها البيضاء حكايا الحرية المرسومة في ابتسامات شاباتك الأربعة وصغيرك الذي شب في غيابك وزوجتك المنتظرين جميعاً لحظة الفرح والمؤمنين بها إيماناً كبيراً، سأخبرك أنه منذ غبت ونحن ننسج من خيطان الإنتظار أوشحة للأمل بالعودة القريبة، وأن ظلك حاضر بيننا ولضيائك إنعكاس في وجوهنا، وأنه حتى في غيابك، استطعت أن تكون حاضراً بيينا لتخلق منا خمس أحرار قلباً وعقلاً قادرين في ظل هذا العالم المُخيف على العطاء والحب والإيمان بالسلام الذي طالما دعيت إليه بمواقفك وأفعالك.

نعم يا أبي نجحت في إيصال رسالتك، وأصحاب الأقنعة السوداء، لم يستطيعوا أن يختطفوا فكرك، ولن يتمكنوا من اغتيال سيرتك ولو أرادوا فعلاً، أن ينجحوا بذلك لاختطفونا جميعاً معك.  لم يستطيعوا ذلك لأنك تماماً كما أنت، فارساً لا يخشى كلمة الحق، لم تقبل بقوالب حزب البعث منذ أن كنت شاباً، وناضلت كثيراً لكسرها، واستمريت بذلك حتى زمن المستبدين الجدد، ، واجهتهم بمحبتك وقدرتك على العطاء، ومهنتك الإنسانية التي انقذت حياة المئات حتى لحظة تغيبك، لكنهم غدروا بابتسامتك، وجهوا بنادقهم إلى قلبك الأبيض، ثلاث ملثمين غدروا بطبيب جراح لم يفعل شيئاً في حياته سوى أن يحب السوريين وسوريا، ربما ما علموا أنت كنت قد تركت فرصة عمل في المملكة العربية السعودية، وعدت إلى الوطن فقط لترفع راية الحرية مع من جهدوا وثابروا في وجه المستبدين، ولتكون أحد أبطال ثورة طالما حلمت بها، أو ربما علموا ذلك ولأجله اختطفوك، لأنهم ببساطة الأعداء الألد لثورتنا وشبابها، ولأنهم منذ أن أسروا مدينتا الرقة ما استهدفوا إلا أنقى وأطهر الابتسامات، وبذلك طعنوا بنا وبثورتنا.

لن أخبرك يا أبي بما آلت إليه بلادنا وكيف اندثرت الأحلام في وجه المؤامرات والأيدولوجيات المتصارعة على أرضنا، وكم من أصدقائك طالتهم نفس يد الغدر تغيباً وقتلاً، لا لن أفعل ذلك، بل سأطمئن قلبك القلق، وسأطير لك حمامات سلام، تُريح روحك الجريحة، وأنا التي تعلم جيدا،ً أن أكثر ما يوجعك في أسرك هو غياب أخبارنا عنك وعدم معرفة مصيرنا، لاسيما أن وضعنا العائلي، يستوجب أن نكون وحيدين في مدينة الرقة، لا تقلق يا أبي لأن كل ما قاسيناها في غيابك، لم يزيدنا إلا إصراراً ورغبة بالنجاح والإنتصار على كل هذا السواد بالمحبة والقلم والعلم، بالأخلاق والمبادئ التي أخذناها عنك. لا تخف، لأننا استطعنا في بلاد اللجوء أن نجد مكاناً لأحلامك وأحلامنا، هنا حيث للإنسان ومبادئه قيمة، وحيث سبل النجاح مفتوحة أمامنا، كي نُحلّق كما تتمنى، وكي نصنع من عجينة الوجع والمعاناة عالماً من الإبداع، هنا حيث الشعور بألم اللجوء لا يمنحنا إلا مزيداً من القوة، ولا نعتبره إلا تفصيل صغير في دفتر الألم الذي عايشناه ونعايشه.

نحن أقوياء وماضون على العهد، لأن ابتسامتك يجب أن تبقى حاضرة من خلال مهندستك ماريا التي تتقدم بخطى ثابتة على نغم نصائحك، وطبيبتك سارة التي تحلم بأن تكون أنت، وتحاول حتى في لوحاتها المرسومة، أن تستحضر ملامحك، وريم وروحها الجميلة التي تستمد ضيائها من صدى ضحكتك، وحازم عالم الفضاء خاصتنا، والعاشق للمعرفة، أكاد أتخيله أنت يا أبي عندما يعزف على أوتار الكلام، وأنا وكل كلماتي المهداة لك، وأمي الصبورة، منزلنا الدافئ ومصدر قوتنا وأميرة عائلتنا الصغيرة،نحن أقوياء لأن اسماعيل الحامض، لن يغيب مادام رسله على هذه الأرض حاضرون، وسيعود يوماً لنقف نحن وهو وجميع السوريين بوجه السواد الذي سرق ولا يزال يسرق أجمل الثورات.

إنها آلف من الأيام السوداء مما يعدها السوريين. لا ما يعدها المنتشين بالانتصارات عل دم الأبرياء .. وهذه حصتنا منها .. ألف يوم ويوم.

يا إسماعيل …. يازبيدة ….!

فايز سارة

مالذي يجعلني اكتب عن شخص لم اراه سوى مرتين في حياتي؟. كانت المرة الأخيرة فيهما قبل نحو تسع سنوات!. وكان اللقاء في مدينة الرقة عاصمة الرشيد، التي استولى عليها “داعش”، وحولها الى عاصمة لدولة التطرف والإرهاب التي يدعو اليها. يومها كنا في جولة لوفد من قيادة اعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي في محافظة الرقة، واقترح رفيقي في الجولة، ان نزور الدكتور إسماعيل الحامض عضو اعلان دمشق واحد ابرز نشطائه في الرقة، ووافقته بلا ادنى تردد، وقد امضينا يوما معه، وتعرفنا على عائلته المكونة من السيدة زبيدة إسماعيل، وبناته الشابات الصغيرات حينها، والطفل الصغير حازم، وقد صار شاباً يافعاً هذه الأيام.

كان يوماً جميلاً من أيام الرقة، وكان مفيداً في التواصل مع إسماعيل الطبيب صاحب السمعة الطيبة من الناحيتين المهنية والاجتماعية في مدينة صغيرة، يكاد أهلها يعرفون بعضهم بالتفاصيل، وشخص له ثقافة ومعرفة واسعتين مربوطتين بالحياة وبالناس، وصاحب موقف، يتحمل نتيجته ومستعد للدفاع عنه الى خط النهاية، واخيراً وليس آخراً، رجل يتبنى مصالح الناس والبلد.

المرة الثانية، التي قابلت فيها إسماعيل الحامض، كانت في خلال انعقاد المجلس الوطني لاعلان دمشق، وقد حضر بين ممثلي محافظة الرقة الى الاجتماع في دمشق أواخر العام 2007، وحضره أكثر من مائة وستين شخصاً، يمثلون منظمات الإعلان بالمحافظات السورية كافة بهدف تطوير الوثائق الأساسية للإعلان وانتخاب قيادة لاعلان دمشق، تحل مكان القيادة المؤقتة، التي جرى اختيارها بالتوافق قبل نحو عام ونصف العام من انعقاد المجلس الوطني.

لم يكن اللقاء في اجتماع المجلس الوطني فرصة للمجاملات الاجتماعية وتفاصيلها. كنا مشغولين بالعميق من الهم والعمل السياسي، وسط تحد امني من اعلى الدرجات. اذا كان متوقعاً، ان تقتحم مخابرات النظام مكان الاجتماع، وتعتقل الحاضرين من دعاة الإصلاح والتغيير في سوريا رغم كل اجراءات الحيطة والحذر، التي تم تطبيقها بصرامة شديدة، والتي قادت الى نجاح الاجتماع في مهماته رغم بعض المشاكل، التي لابد منها باعتبارنا أبناء الحياة.

لم يتأخر رد النظام على عقد المجلس الوطني، فما كاد ممثلو المحافظات، يصلون محافظاتهم الا وبدأت حملة الاعتقالات لقيادات الإعلان وشخصيات، رأى النظام انها فاعلة فيه، وفيما ذهب إسماعيل الى الرقة ليتابع حياته وعمله هناك، صرت بين الاثني عشر الذي تم اعتقالهم، وارسالهم الى سجن عدرا المركزي مرورا بفرع التحقيق بمخابرات امن الدولة سيئة الصيت والسمعة، وكان ذلك كافيا لانقطاع الصلة مع إسماعيل لاكثر من عامين ونصف، وعندما خرجنا من السجن، كان إسماعيل قد صار في السعودية طبيباً جراحاً، فيما عائلته تقيم في الرقة.

كان قيام الثورة في العام 2011 فرصة من شقين أولها تجديد لعلاقتي مع إسماعيل وعائلته بعد انقطاع، والثانية فرصة لعودة إسماعيل من سفرته السعودية، ليس من اجل الانضمام الى عائلته الصغيرة الجميلة، التي تحبه، وهو امر يستحق، بل أيضا للانضمام الى عائلته السورية الكبيرة التي دخلت مخاض الثورة على نظام الاستبداد، وهكذا بدأنا تواصلنا مجدداً،وانا مدين في هذا الجانب لزوجته السيدة ام حازم، التي غدت صديقتي على الفيسبوك، ووفرت بذلك قناة الاتصال مع أبو حازم.

كانت الاتصالات، تتصل بما آلت اليه الأوضاع في سوريا من ثورة على نظام، لم يتردد في الذهاب الى آخر مدى في قمعه وارهابه للمطالبين بالحرية والكرامة، وعن ضرورة عودة إسماعيل الى سوريا ليكون في قلب الحدث قريباً من عائلته وأهله في الرقة، خاصة بعد اول تظاهرة تشارك فيها نساء الرقة، كانت فيها السيدة زبيدة في مقدمة المتظاهرات، يومها سالتني ام حازم بطريقة مراوغة عن رأي في ذهابها على خطورة الوضع، فشجعتها، لتقديري من أي طينة سورية خلقت هذه المرأة وعائلتها، التي نعرفها اليوم أكثر.

إسماعيل الذي عاد للرقة من سفره السعودي، سرعان ماغرق في لجة احداث الرقة في لقاءات سياسية وشعبية تتابع الوضع في الرقة وخارجها الى تنظيم للتظاهرات وحملات الإغاثة، لكنه في الأهم مما سبق، كان بين أطباء يعالجون المصابين في التظاهرات والذين يسقطون جرحى في هجمات قوات النظام، التي اخذت تتوالى في الرقة ومحيطها، وتالياً الصدامات بين الجيش الحر، وجماعات التطرف والإرهاب، التي اخذت تتوالد وتتمدد في الرقة ومحيطها القريب، فمهدت لاستيلاء “داعش” على الرقة وتحويلها لعاصمة التطرف والإرهاب.

كان إسماعيل يتابع مايجري في الرقة من تحولات تسير بالمدينة نحو قبضة ظلامية، تخالف اهداف الثورة ومطالب السوريين، وهي تحولات فرضت تغيباً لكثير من الأصدقاء والناشطين خطفا وقتلاً وتهجيراً، لكنه وفي ظل قراره تقديم خدمة طبية ضرورية لاهالي الرقة والقادمون اليها من المحافظات الأخرى، كان مصراً على البقاء، وهو في هذا رفض عرضاً معلنا للمغادرة بسلام، واستمر فكان نصيبه الخطف على يد متطرفي “داعش”، وتغيبه لنحو ثلاث سنوات حتى الآن.

السيدة زبيدة، مازالت مستمرة بالايمان بروح ثورة السوريين، التي بدأتها مع انطلاقة الثورة، ومازالت وفيه لها بلا كلل ولاملل، بل هي اضافت اليها مهمتين لاحقتين، لاتنفصلان عن الجوهري في ثورة السوريين، اولها رعاية وحماية اسرتها الصغيرة التي كونتها مع إسماعيل وفيها اربع صبايا وشاب في عمر الورد، والثانية الاستمرار في تحريك قضية اختطاف إسماعيل الحامض، التي وصلت اليوم الى الف يوم ويوم، وام حازم في هذه القضية تدمج مابين الشخصي والعام، فاختطاف إسماعيل من قبل “داعش” هو نموذج لكل حالات الاختطاف، التي قامت بها جماعات التطرف والارهاب، ومثلها ماقام به نظام الأسد وعصاباته والمليشيات التي تقاتل الى جانبه.

قضية إسماعيل الحامض في اختطافة قضية كل المختطفين السوريين وفي القائمة مئات الآف منهم رزان زينونة ووائل حمادة وسميرة خليل وناظم حمادي المختفين لدى جيش الإسلام، وعبد العزيز الخير، إياس عياش وماهر الطحان‏ الذين اختطفهم نظام الأسد، والقائمة تطول وفيها اشخاص مجهولين لايعرفهم احد، والجهد لن يتوقف، حتى يعود كل مختطف الى حياته والى عائلته…..بانتظار إسماعيل الحامض.

إسماعيل الرِّقي*

خلف الجربوع

(1)

لا شك أن الحديث عن الجانب الإنساني عند إسماعيل مُغري جداً، لأنَّ الشواهد والأمثلة متوفرة بكثافة، لدرجة تجعلك عاجزاً عن المفاضلة بينها، وقد تناول هذا الجانب العشرات من الأصدقاء الذين عرفوه، أو أولئك الذين تكّرس في وجدانهم بسبب أعماله الإنسانية كطبيب، ومناضل من أجل الحرّية والكرامة، لذلك لن أتحدّث في هذا الجانب، لأني لن أُضيف شيئاً جديداً.

كنتُ وإسماعيل شركاء في أعمال سياسية وتنظمية عدّة، وهذا يعني أنّي سأكتب عن نفسي، حين أخوض مغامرة الكتابة في هذا الجانب، وهذا يرهقني ويضعني في مواجهة نفسي “حجر كبير قابل للتفتت”؛ لكن لا بأس من المغامرة علّني أُنصف إسماعيل، وأرضي أناي.

أعتقد أنَّ المحاولة ستضيء جانباً، غاب في زحمة الموت، والإعتقال القسّري، وتصدُّر التُفّه للمشهد السياسي السوري، حيث كان إسماعيل يمتلك رؤية سياسية متطورة، جذّرها من خلال مثابرته في البحث والتحليل، وخبرة عمليّة مُكثفة وعميقة للمجتمع السوري، مما أهّله لإطلاق مواقف ورؤى تُقارب النبوءات في معرض تقييمه للظواهر السياسية والاجتماعية السورية.

(2)

” الديموقراطيون قلة بالنسبة لعدد الدعاة والمُبشّرين”

هذه الجملة الصادمة كانت حصيلة نقاشٍ طويل، شارك فيه العديد من الأصدقاء والمعارف والمتحزّبين حول التعديلات والشروحات التي طالت البيان الـتأسيسي لإعلان دمشق حين قال: اتركونا من التعديلات وشروحاتها، ومَن فرضها، أو لماذا قبل المؤسسون بها؟  أريد أن أعلن لكم إعلاناً قصيراً، أنه لايوجد إلا قلّة من الديموقراطيين في سورية بالنسبة لعدد الذين ينادون بها، وأنّ هؤلاء الدعاة أهم المستمعين لأم أحمد*حين تحاضر عن الشرف والكرامة، ولن نستطيع أن نزيد عدد المؤمنين بها، إلا إذا أجبرنا الدّعاة على ممارسة السلوك الديموقراطي.

ترتّب على هذا النقاش التواطؤ على خطة (إجبارهم على السلوك الديمقراطي)، من خلال عملنا في الهيئة الوطنية لإعلان دمشق في محافظة الرقة، التي ساهم إسماعيل في تأسيسها منذ الأشهر الأولى للإعلان، وتقاسمنا الأدوار؛ كنت أوّل رئيس منتخب للهيئة، وهذا أتاح لي تنفيذ الجزء المتعلق بي من الخطّة، في اتخاذ القرار داخل الهيئة، وقد كانت تواجهني دائماً صعوبتين، الأولى من الأحزاب الكوردية، والثانية من الاتحاد الاشتركي وتابعه ممثل العمال الثوري، وحين تتأزم الأمور، كان إسماعيل يتدخل(دوره في الخطة)، مستغلاً نفوذه المعنوي عليهم في الاستجابة لرأيي لأنه يمثل رأي الأغلبية المستقلين في الهيئة، وخاصة في القضايا  الإجرائية التي تتطلب سلوكاً ديموقراطياً، وتتجاوز التحاصص الذي يبدو كتنازل من طرف لإرضاء آخر. استمرّت الأمور في هذا المنحى إلى أن وصلنا لتحضيرات المؤتمر الوطني الأوّل للإعلان، وتسمية المندوبين إلى المؤتمر، إذ انفجر الصراع في الاجتماع الموسع بين الأحزاب، والمستقلين حول آلية التسمية، وكان هذا متوقعاً لأنّ الأحزاب كانت تخشى ازدياد نفوذ المستقلين داخل هيئات الإعلان، هذا النفوذ الذي يُعطل الاتفاقات والتوافقات البينية، والتي كانت سمة من سمات العمل للأحزاب المعارضة. لذلك تمترس ممثلوا الأحزاب على رأيٍ واحد “نُسمّي نصف الأعضاء ونصوّت مع المستقلين على النصف الآخر”.

قابله إصرارٌ حاسمٌ من المستقلين كان يقوده إسماعيل من الخلف، وكنتُ واجهته كما اتفقنا “لن نذهب إلى المؤتمر إلا من خلال هيئة عامة، وانتخابات حرّة وشفّافة، ولن نكون شهود الزور على إجراءات غير ديموقراطية”.

انفضّ الاجتماع الموسّع، وفشلت كل المحاولات الجانبية لثني المستقلين أو إجراء تسوية بديلة عن الهيئة العامة والانتخابات، وقد كانت عيادة الدكتور إسماعيل مسرحاً لتلك المحاولات، وهذا الإصرار أحرج الأحزاب في الأمانة العامة المؤقتة، إذ أنّ كل المحافظات قد سمّت مندوبيها إلا الرّقة، لذلك أرسلت (جاهة) رأسها الشيخ نواف الراغب البشير، وعضوية ممثل عن الاتحاد الاشتراكي، وآخر عن حزب الشعب، كي تحل الخلاف، وتتمكن من إيجاد تسوية.

وأمام رفضنا لأيّة تسوية أو توافق خارج الهيئة العامة، أُجبر ممثلو الأحزاب على الذهاب إلى الهيئة العامة، التي انعقدت قبل أيام من موعد المؤتمر الوطني الأول للإعلان في منزل أسرة الحاج صالح.

فاز اسماعيل ب(37) صوتاً من أصل (42)، وذهبنا إلى دمشق كمندوبين منتخبين عن المحافظة، وهذا أثار غيض وحفيظة كثيرين ممن حضروا المؤتمر، أولئك الذين أجروا توافقاتهم في ليل (لم نشرك في إعداد وثائق المؤتمر، ولم نطّلع عليها إلا قبل ساعة من انعقاد أعماله. وهذا له حديث آخر)، وأمام هذا التجاهل المتعمّد، قرّرنا ترك بصمةٍ في نقاش الأوراق واقتراح التعديلات والإضافات، الأمر جلعنا نسمع من بعض قادة الأحزاب كلاماً غير سياسي، ولم نهتم إلا بتنفيذ خطتنا بإجبارهم على السلوك الديموقراطي، والذي كان صادماً لبعض القوى، حين أصرّينا على الترشح إلى الأمانة العامة؛ هذا الترشّح الذي أعاد خلط أوراق توافقاتٍ مُسبقة، وكان مُشجعاً لزملاء آخرين رشّحوا أنفسهم كمستقلين (جبر الشوفي على سبيل المثال)، مما حدا برياض سيف إلى محاولة استمالة اسماعيل، كي يقنعني بالانسحاب من الترشح، مقابل دعم ترشيح إسماعيل، لكن إسماعيل رفض وقال إنّه سينسحب إذا كان الأمر بالعكس، (وقد كنّا نضحك بعبنا) لأننا نعرف دون أدنى شك أنه لانصيب لنا في الفوز بشكل ديموقراطي من قبل مندوبين تمّت تسميتهم من قبل قادتهم الذين تسيطر عليهم علقية الزمرة، ولأننا عرفنا بما لايقبل الشك أنه عندما تمّ توافقهم لم تكن الرقة جزءاً من ذلك، باعتبار الرقة منطقة متخلفة سياسياً، وممثليها غير صالحين لأن يكونوا في الصف الأول، أو بتعبير آخر من الصعوبة بمكان السيطرة عليهم .

من المؤكد حين خرجنا بعد التصويت مباشرة، ولم ننتظر النتائج التي عرفنا بها ونحن في الطريق إلى الرقة من خلال اتصال أحد الزملاء، ضحكنا كثيراً، وتبادلنا التهاني بنصرنا الصغير على ذهنية الدُّعاة غير المؤمنين، ودعانا إسماعيل إلى احتفالٍ في إحدى الاستراحات المنتشرة على الطريق فجراً.

مرَّ ألفُ يومٍ وعدّادُ زبيدة (أم حازم) يُصبح علينا، كي لاننسى أنَّ هناك غربان سوداء خطفت أحد آمالنا، ويذكرنا بأنّ ليس هناك من شاهدٍ يُعيّين لنا مكان المخطوف.

*إسماعيل : النبي المنبوذ.

* أم أحمد : عاهرة وقوادة مشهورة في الرقة، وتشغل اليوم منصب أميرة في الحسبة النسائية لدولة البغدادي .

عن إسماعيل الحامض…ومعنى البطولة الحقيقية

أحمد العجيلي

كانت تلك الطاولة التي نلتفّ حولها كلّ مساء، قد أصبحت مثار شكوك كتبة التقارير وحرّاس الوطن في مدينتي، نتهامس سرّاً أحياناً، وكثيرٌ من الأحيان نتبادل الحديث بكلماتٍ مقطّعةٍ تحمل كثيراً من الألغاز والمفردات، التي يصعب على رجل المخابرات الجالس غير بعيدٍ عنّا، أن يفهمها؛ أذكر جيداً أنّه في أحد صباحات شهر شباط من عام 2011، وقد اعتدت على تناول قهوة الصباح في كافتيريا (روتانا) التي تتوسط المدينة، همس في أذني أحد الأصدقاء، بأننا سنجتمع هذه الليلة على العشاء برفقة ضيفٍ جديدٍ سينضمّ إلى طاولتنا؛ ولأنّ الفضول لا يكترث بالحسّ الأمني لديّ، فقد أصريّت على معرفة من هو هذا الضيف الذي يتلهف أصدقائي لرؤيته ليلاً، ومع إلحاحي الشديد على صديقي أخبرني أنه ينتظر بطلاً من أبطال هذا الوطن، سينضمّ إلى فريقنا المتحمس للثورة، وأنّ هذا البطل قد عاد من غربته للتو فقط لأنه شعر بأنّ وطنه قد دخل مرحلة المخاض العسير، ولا بدّ له كطبيبٍ أن يحضر إلى أداء واجبه، وأن يشارك في تلك العملية خوفاً منه على وطنه أولاً، و تالياً بدافع واجبه المهني الذي أقسم عليه يوماً ما.

التقيت الدكتور إسماعيل الحامض لأول مرة على العشاء برفقة ثلّة من الأصدقاء المشتركين؛ حينذاك كانت أحاديث الرفاق عنه، قد أثارت فضولي كثيراً للتعرف على هذا البطل، حسب وصفهم، لكني وفي نهاية اللقاء ودّعته قائلاً: أطلب منك أن تكون بخيرٍ دائماً. فقد خفت في قرارة نفسي، أن أفقد هذا الرجل الذي لمست صفاء قلبه، ونقاء سريرته، ولأنّي أدركتُ أنّ هذا الرجل كنزٌ لثورتنا التي تحتاج إلى أناسٍ أمنوا بحتميتها ومشروعيتها رغم كلّ المخاطر التي كانت تنتظرنا.

بعد ذلك المساء، تتالت لقاءاتنا وأحاديثنا، وفي كل مرّة كنت أكتشف شيئاً جديداً أتعلمه من هذا الرجل. لم يكن الدكتور إسماعيل الحامض ثورجياً كما يحلو للبعض، أن يصف معارضي الأسد، ولم يكن منتفعاً من ثورة السوريين؛ لم يلتق به أحدٌ إلا وسأله عن سبب عودته، وتركه عمله وحياته المستقرة في المملكة العربية السعودية، فكان في كل مرّة يُجيبُ بلا مواربة: نحن أبناء هذا الوطن، وله علينا الكثير.

كانت تتماثل أمامي دوماً معاني الصدق والإنسانية، كلما التقينا، فهو يعرف ماذا يريد، ولذا تراه يسعى إليه دون كللٍ، أو ضجيجٍ. عاد من غربته مُفعماً بمشاعر الحماس التي كانت تدبّ في نفوس الثوار من شرق البلاد إلى غربها، يدفعه هاجسٌ واحد: رحيل الطاغية. كان ينتشي حين يتحدث عن سورية المستقبل، لا مكان للأسد وزبانيته فيها.

باتت الأجواء أكثر خطورة داخل المدينة، والمظاهرات، أخذت طابع المواجهة مع قوات الأمن، إلا أنّه مع ذلك كان لا يفتأ حاملاً حقيبته الصغيرة، يهرع بها إلى المشفى الميداني يسعف الشباب الذي يتساقط برصاص رجال الأمن. كان على قناعة تامّةٍ بأنّ واجبه يحتّم عليه أن يقوم بعمله مهما كلّفه الثمن، ومُدركاً حقيقة أن يكون المرءُ مؤمناً بفكرة يسعى إلى تحقيقها.

كتبتُ له كثيراً من غربتي الجديدة، وتحادثنا مطولاً حين قويت شوكة حكام الرقة الجدد، كان لا يزال متسلحاً بالأمل، ولا يزال مؤمناً بفكرته على الرغم مما اعتراها من تكذيبٍ وتدليسٍ من أناس أسعفهم يوماً، وضمّد جراحهم، ولكنهم وبكل أسف نكثوا عهدهم الذي عاهدوه، واختاروا الغدر شيمةً لهم. غيّب الحكام الجدد رفاق الدكتور إسماعيل الحامض، اغتالوا الحرية المنشودة وفرضوا فتاويهم على البلاد، لم نكن نخاف على مستقبل أبي حازم بينهم، ظنّاً منّا أنّ ما قام به خلال الثورة، قد يشفع له عند من حمل السلاح، وتحكّم في مصائر العباد، ولكنّ حقدهم على كلّ حرٍّ شريفٍ، لم يمنعهم من التطاول على نشطاء الرقة بقضّهم وقضيضهم، فتتالت الاغتيالات وعمليات التشويل لتصل في نهاية المطاف إلى كلّ من لا يسير في ركبهم. تمّ تغييب الدكتور إسماعيل بسبب مواقفه الأخلاقية، ورفضه سياسات المستعمرين الجدد، وبسبب ما كان يمثّله من نقاءٍ لروح الثورة، مقابل نفاق الآخرين ممن كانوا يتربصون به.

أبو حازم الذي آمن بفكرته، وناضل حتى اللحظات الأخيرة التي سبقت تغييبه قسراً من قبل ثُلّة الطغاة الجدد، كان ومازال أنموذجاً، يُحتذى في الصدق والإخلاص والتفاني في العمل نحو الهدف. اختار لنفسه الهجرة المعاكسة مقابل هجرة السوريين خارج وطنهم، كان يعرف أنه سيدفع ثمن إيمانه بأفكاره، ولكنه لم يتنازل عن قناعاته وأفكاره؛ بل على العكس آثر على نفسه، أن يبقى ملازماً الجرحى في بلده.

إنّ الجريمة التي اقترفها أولئك الهمج بتغييبهم الدكتور إسماعيل ورفاقه، تكشف عن مدى وضاعتهم ودونيتهم التي تتراءى لهم حين يواجهون أناساً مخلصين لأوطانهم كما هو حال الدكتور إسماعيل ورفاقه، وفي المقابل فإنّ تلك الجريمة كشفت عورة الكثير ممن كانوا يتسترون برداء الفضيلة ويحاضرون في الآخرين بحبّ الأوطان.

لقد أثبت الدكتور إسماعيل أنّ المطالب لا تأتي بالتمني أو بالحرب من خلف شاشات الكمبيوتر، وعلى صفحات الفيس بوك، وأنّ حرّية الأوطان لم تكن يوماً إلا حمراء، وأنّ هناك بوناً واسعاً بين من ينذر نفسه فداءً لوطنه، وبين من يضحي بالوطن فداءً وتلبيةً لرغبات النفس؛ لقد دلّلت تضحيات الدكتور إسماعيل أنّ هناك فرقاً كبيراً بين من ترك الاستقرار وبحبوحة العيش ونزل إلى الميدان كي يدافع عن فكرته التي يؤمن بها، وبين من تنازل عن فكرته في خضمّ العاصفة ونأى بنفسه عن أمواجها المتلاطمة بحثاً عن شاطئ الملاذ والخلاص الفردي.

جلّ ما نتمناه هو أن نلتقي هذا البطل مُجدّداً، وأن تعود البسمة لعائلته بعودته سالماً من براثن وحوش العصر، وأن نشهد أولئك الطغاة وقد ساقتهم جرائمهم إلى القصاص العادل، وتُبصرُ عينا أبي حازم حلاوة النصر في بلدي من جديد.

إسماعيل الحامض وداعش ومدينة كانت محررة

أحـمـد مـولـود الطـيـار

في 22 أيار من عام 2008 كان “البولمن” يغادر “كاراج” الرقة الصغير متوجهاً إلى بيروت؛ مع خليل حمسورك، عروة المهاوش، خليل الحاج صالح، أحمد الحجي، وإسماعيل الحامض، آخر الأيادي التي لوّحت لي بالوداع في رحلة طويلة، لم تعرف أنها ستستقر نهاية المطاف في فانكوفر المدينة الكندية، أقصى نقطة في غرب الكرة الأرضية حيث تستسلم الشمس وتعلن هزيمتها أمام ليل أسود طويل!

في 14 آذار من عام 2013 وقبل يوم واحد من عودتي إلى كندا، كنت وإسماعيل الحامض في سيارته نجوب الشوارع المقفرة في مدينة الرقة المحررة بحثاً عن محل شرّع أبوابه، لشراء حقيبة صغيرة أجمع فيها أشيائي المبعثرة. عبثاً كانت المحاولة، فالمدينة كانت قلقة ولا بيع ولا شراء.

قال لي إسماعيل مازحاً، بعد أن يئسنا في العثور على محل فتح أبوابه: “أمري على الله، لديّ حقيبة جميلة جداً وهي هدية عزيزة، سأعطيك إياها شرط أن تأتي لي بهدية قيّمة عندما تعود مرة أخرى إلى سوريا”.

حقيبتك الجميلة الحمراء ها هي أمام عيني الآن، أنظر إليها صديقي العزيز، تستقر هانئة في كندا حيث المسجد يجاور الكنيسة والكنيس. حيث المنقّبة والمحجبة وتلك التي تخفّفت من أغلب ثيابها، يلتقين في الشوارع والمدارس والدوائر الحكومية.

هل أمهلتك “داعش” لتوضِّب أشياءك؟ أعرف أنها لم تنتظر ، فجبناء الأقنعة اختطفوك من قارعة الطريق، وأنت في طريقك إلى عيادتك. هم عرفوا من “كتبة التقارير الجدد” أن ابتسامتك لا تغيب عن وجهك، فقرروا اعتقالها. يبدو أن قدر السوريين أن يعيشوا بين تجهّم لابسي بدلة “الكاكي” من الرفاق البعثيين، وبين”الضحك يميت القلب وهو حرام”، شعار داعش وأخواتها، لذلك اختطفوك!

26  كانون أول 2011 هو تاريخ عودة إسماعيل الحامض إلى سوريا. قبل هذا التاريخ، وعبر “السكايب”، هو في السعودية وأنا في كندا، كنا نقضي ساعات طويلة نتحدث في كل شيء. كان قد قرر العودة إلى سوريا.

قلت له إذا أردنا أن نتناقش في العقل، فلا توجد لدي أسباب منطقية تدحض قرارك؛ وبعيداً عن خوفي عليك، أنت وأنا وكلنا يجب أن نعود، فسوريا بحاجة إلينا. نحن أولادها. عاطفياً لا أنصحك بالعودة، أخاف عليك من الاعتقال فور وصولك. قال لي  :البنات كبرن وهنّ على أبواب الجامعة ويجب أن أكون إلى جانبهن. ما نفع كل ما أجنيه هنا من مال بعيداً عن حازم والبنات؟”..

الرقة محررة:

شباط 2013، بين عيادته الواقعة في الشارع الفرعي الواصل بين شارع المجمع أو الأماسي وبين شارع تل أبيض؛ أيضاً في مركز الرعاية الطبي الواقع كذلك في شارع الأماسي، وغير بعيد عنه مشفى دار الشفاء؛ بين تلك الأماكن الثلاثة التي لا تبعد عن بعضها إلا أمتاراً قليلة، كان إسماعيل يقضي جلّ وقته.

ما زلت أذكر انتظارنا الطويل في مشفى دار الشفاء حيث استنفر أغلبية أطبائها رغم عددهم القليل بانتظار الجرحى القادمين من مدينة معدان بعد سقوط أحد صواريخ “سكود” عليها.

لا أزال أتذكر ذلك “النقاش” الذي تمّ في الشهر ذاته وأمام مركز الرعاية الطبي حيث كنت أنتظر إسماعيل ليفرغ من إدخال بعض شحنات الأدوية، إذ كان يوصي حارس المركز ألا يعطي المفتاح لأحد، وأن يكون أميناً على الأدوية التي فيه. – للأسف، قُصف المركز في اليوم التالي من قبل طائرات النظام.

لم يسفر القصف عن أي ضحايا بشرية، إنما الخسائر كانت في تلك المواد الطبية والأدوية – وقتها اقترب منا شاب يرتدي اللباس الباكستاني وقناعاً أسود ويحمل بندقية؛ كان يستفسر ماذا نفعل ومن نحن؟.

كانت أجواء الرقة وقتذاك رغم كل شيء جميلة، ولا تزال زهوة التحرير في أوجها؛ قلت للشاب بعد أن عرّفناه من نكون: “انزع قناعك، فلا خوف، ودعنا نتحاور”. ابتسم وفعلاً نزع قناعه. عرّف من يكون، وأنه سوري وطالب فلسفة في السنة الرابعة في جامعة دمشق. قال له إسماعيل: ما هذا اللباس الذي ترتديه؟ أجاب أنه “لباس الاسلام”، فرد عليه: “مع احترامي للأفغان والباكستانيين؛ لكن هل يعقل بنا نحن السوريين الذين صدّرنا إلى العالم أول أبجدية في التاريخ أن نقلّد الباكستانيين؟”، ثم تابع مشيراً إلى ما أرتدي ويرتدي: “وممّا يشكو لباسنا هذا، وهل فيه ما يسيء إلى الإسلام؟”.

ثم سأله مازحاً بعد أن عرفنا أنه من إحدى قرى الرقة القريبة: “بشرفك لو عُقدت الدبكة، أفلا نراك في أولها تمسك بيد إحدى الفتيات؟”. كانت مفاجأتنا كبيرة عندما نظر الشاب مستطلعاً المكان حوله ثم قال: “يا عمي دع هذا النظام يسقط وعندها لا جبهة نصرة ولا ما يحزنون”. حيّانا وانصرف مبتعداً. قلت لإسماعيل مازحاً: “يبدو أن الحوار ينفع مع النصراويين”. هذا كان في أوج التفاؤل لحظة سقوط الصنم، وها هو يتراجع حالياً ليتحول التفاؤل إلى نقيضه، لأن نظام الصنم لم يسقط بعد ولا يزال رحمه ولّاداً ويصدّر أصناماً جديدة!.

تضع زبيدة خربوطلي زوجة إسماعيل الحامض على صفحتها في “فيس بوك” عدّاداً يومياً يحسب غياب زوجها في معتقلات داعش يوماً بيوم. كل ما تخشاه زبيدة أن تخطئ العدّ. يقيناً أنها وهبة وماريا وسارة وريم وآخر العنقود حازم لن يخطئوا العدّ. إنّهم يعدّون الثواني والدقائق والساعات مذ غادرهم حضنهم الدافئ. نحن من نخطئ العدّ. هل لا نزال نتذكّر أن لدينا في معتقلات “داعش” الأب باولو وعبدالله الخليل وفراس الحاج صالح وإبراهيم الغازي ومحمد نور مطر، و… وكثيرين؟!.

إسماعيل الحامض صوت الحرية

يوسف دعيس

تعمقت معرفتي بالدكتور إسماعيل الحامض في عام 2003 إبان تشكيل لجنة نصرة العراق وفلسطين، وكنت ألتقي به لماماً في عيادة الأديب الدكتور محمد الحاج الصالح في الرقة، أو في عيادته التي لا تبعد كثيراً عن بيتي، كانت الابتسامة لا تفارق شفتيه، لا يتحدث كثيراً، لكنه بالمقابل يعمل بصمت، فعندما قرر مجموعة من الشباب الخروج في مظاهرة هي الأولى في الرقة، كان هو أولهم، فقد تفاجأ أهل الرقة في غرّة 2003 بخروج مجموعة من الشباب القلائل بتظاهرة صامتة، واضعين لاصقاً على أفواههم في إشارة للصمت أمام ما يجري من أحداث سيكون لها تأثير في حركة التاريخ العربي مستقبلاً، ربما نظر الكثير من أهل الرقة بسخرية إلى المظاهرة، وربما تعالت صيحات استهجان من الكثير، لأنها كانت الشرارة الأولى، التي لم يعتد عليها أحد في سوريا قاطبة، أعقبها تشكيل لجنة نصرة العراق وفلسطين، التي كان يرأسها المرحوم الأستاذ خلف الدرويش الخطيب.

العراق كان آنذاك على وشك السقوط، وكنا نتداعى لعقد الاجتماعات المتتابعة للنظر في إمكانية مساعدة الشعب العراقي، والشعب الفلسطيني الذي يتعرض هو الآخر لحملة إبادة منظمة، وكان التركيز على العراق، لأنه جناح العرب الشرقي، ونظمنّا تظاهرات شعبية لم تشهد الرقة مثلها فيما سبق، إبان حكم الأسد الأب، وما تبعه من حكم الابن، الذي تزامن مع بروز نجم ربيع دمشق، الذي فتح باباً واسعاً لإبداء حرية الرأي والتعبير، الدكتور إسماعيل الحامض كان حاضراً بقوة في التظاهرات، من خلال التنظيم، والمشاركة الفعالة، وأيضاً خلال الاجتماعات التي كنّا نناقش من خلالها كيفية مساعدة أخوتنا في العراق، وكانت فعاليته تتجلى في مجال الإغاثة الطبية، وتأمين الدواء والمستلزمات الطبية التي تساعد الشعب العراقي على الصمود في وجه آلة الحرب الأمريكية، التي تتهيأ لاحتلال العراق، والسيطرة على مقدراته.

تعاقبت المظاهرات في شارع تل أبيض، وشارع 23 شباط، وفي محيط الجامع الحميدي الكبير والمتحف، وشارع المنصور، وشارع سيف الدولة، وأخرى في منطقة الفردوس ودوار النعيم، وأيضاً في شارع المجمع الحكومي، وتنتهي هذه المظاهرات بساحة صغيرة في وسط مدينة الرقة، بالقرب من حديقة الرشيد، أسميناها ساحة الحرية، وتجرأنا في مظاهرة أخرى امتدت صيحاتنا فيها بالقرب من مبنى المحافظة حيث يتموضع تمثال “هبل”، وأعلنا تضامننا مع الشعب العراقي والشعب الفلسطيني.

في عام 2011 انطلقت ثورة الحرية والكرامة، وكان اسم إسماعيل الحامض، يتردد في كل مكان، فهو من أوائل الأطباء الذين شاركوا في علاج المصابين بالتظاهرات، وعندما وصلت الأمور إلى منعرج آخر، وشهدت مناطق مدينة تل أبيض الحدودية، ومدينة الطبقة اشتباكات بين عناصر النظام وعناصر الجيش الحر، كانت له اليد الطولى في معالجة المصابين في عدد من المشافي الخاصة، أو المشافي الميدانية البعيدة عن رقابة وأعين عسس الدولة الأمنية، وسط كل هذا كان إسماعيل الحامض يقدم خدماته الطبية، وهو الطبيب الجراح اللامع، لا ينتظر أجراً من أحد، بل ينتصر لإرادة التغيير، إرادة الحياة الكريمة، إرادة الحرية والكرامة، التي خرج السوريون من أجلها.

إثر خروج الرقة عن سيطرة النظام، كان نشاط الدكتور إسماعيل الحامض يتوسع، من خلال نشاطه الطبي في المشافي الميدانية أو المشافي الخاصة ومشافي الدولة، التي أصبحت تحت سيطرة قوى المعارضة، نشاط الحامض لم يقتصر على أبناء الرقة، بل امتد ليشمل الجرحى والمصابين من أبناء المحافظات الأخرى الذين كانوا يفدون إلى الرقة لتلقي العلاج، وخصوصاً أهالي دير الزور، الذين نزح أغلبهم إلى الرقة، وكنت شاهداً لإشرافه على علاج أحد أبناء دير الزور، ممن أصيبوا بقذيفة هاون.

توسع نشاط الحامض في تنظيم المظاهرات والمشاركة فيها وقيادتها، التي تنادي بالحياة المدنية، مع بروز تيارات إسلامية تنادي بدولة إسلامية، والتي بدأت تباشيرها مع توزيع ملصقات لحزب التحرير الإسلامي، وبروز نجم جبهة النصرة، التي تنادي بدولة الخلافة الإسلامية، تكررت المظاهرات في أكثر من مكان، وأكثر من مرة، وانتهت باشتباكات بالأيدي والحجارة، ثم تلاحقت الأحداث مع بروز الدولة الإسلامية في العراق والشام على مسرح الأحداث، وكانوا في البداية ثلّة صغيرة، لكنها مؤثرة جداً استطاعت أن تؤسس لمشهد مأساوي في مدينة الرقة، بدأ بمسلسل الاشتباكات مع فصائل الجيش الحر، بداية مع أحفاد الرسول، ثم مع فصيل أمناء الرقة، اللذان تم اقصاؤهم من مسرح الأحداث نهائياً من خلال تفجير المقرات واختطاف القادة الثوريين، الذين كانوا يؤسسون لحياة مدنية في الرقة، ثم أعقبها حملة اختطاف وتخويف الناشطين الثوريين، فتم اختطاف الدكتور إسماعيل الحامض ثم فراس الحاج صالح وإبراهيم الغازي، وسط تطور لتنظيم الدولة، الذي اصبح القوى الضاربة في مقابل قوة أحرار الشام ولواء ثوار الرقة، والتي انتهت بسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” على عموم محافظة الرقة، إثر معركة مع الأطراف الأخرى، والتي شهدت تخاذل فصيل أحرار الشام وانسحابه، رغم ما كان يتمتع به من قوة هي الأكبر في المحافظة من حيث التسليح والعدد.

ألف يوم على غياب الدكتور إسماعيل الحامض ورفاقه في سجون ومعتقلات تنظيم داعش الإرهابي، ورغم ذلك ما زلنا ننتظر الفرج القريب في خروجهم أحراراً بعد طول غياب، وما زالت أم حازم في مشهد يومي تنادي للإفراج عن زوجها، وما زلنا معها ننتظر لحظة الحرية القادمة لكل المعتقلين والمغيبين في سجون النظام وداعش والنصرة، وغيرها من الكتائب التي حاولت وتحاول أن تغتال صوت الحق، وتخنق صوت الحرية.

ألف يوم من الأسئلة والانتظار

مؤيد اسكيف

منذ ألف يوم والسيدة زبيدة خربوطلي، تعد الدقائق والثواني على غياب زوجها الدكتور اسماعيل الحامض، الطبيب الثائر والمثقف الذي اختطفته قوى ظلامية بغية تنفيذ مخطط واضح في تفريغ المشهد السوري من الطاقات والإمكانيات والخبرات الفكرية والتقنية والاجتماعية جنبا إلى جنب مع نظام القتل الأسدي الذي مارس الدور ذاته، لقد اتفق كلا من نظام الأسد وميليشيات القتل العبثي بكل تفرعاتها القومية والمذهبية على تضييق الخناق على كل أصحاب التوجه المدني والسلمي للثورة السورية. بل كان هناك استراتيجية واضحة لتغييبهم وتصفيتهم في المعتقلات تحت التعذيب وفي الساحات دون أي اتهامات، وذلك كون أبناء التيار المدني السلمي رافعة أساسية في التعبير عن عمق المجتمع السوري وتطلعاته.

ساحات الرقة التي امتلأت بالفرح الكثير ذات لحظة التحرير من قبضة المستبد الأسدي، ضاقت لاحقا بسكانها بفعل المستبدين الجدد الذين يعتبرون العنف هدفا بحد ذاته، بعد أن كان وسيلة لإرهاب الخصوم والمختلفين عنهم، هؤلاء لا توجد لديهم القدرة على مقارعة الفكر بالفكر والقلم بالقلم والرأي بالرأي، فلا يمكنهم تحمل رأيا مخالفا هم بالأساس غير قادرين على فهمه أو حتى محاولة فهمه، فتستمر بذلك عملية التصفية للفكر المختلف بشكل أعمى.

المؤلم حينما تكون عمليات التصفية والتغييب والتضييق، جرت في زمن الربيع العربي وتحديداً في زمن الربيع السوري، وإذ كان من دلالة أعمق على استخدام مصطلح الربيع على هذه الفترة التاريخية الحاسمة من عمر بلادنا فلأن الكثير من الأمل قد أورق في حقول الثائرين، ولأن زهور الحرية قد تفتحت بألوانها المشرقة قبل أن يخطفها سواد الرايات التي تحارب إلى جانب الأسد أو ضده. كان الأمل بنيل السوريين لحريتهم كبيراً، وهذا ما دفع بالدكتور اسماعيل الحامض الى ترك عمله في المملكة العربية السعودية ليلتحق بأبناء شعبه، وليكن جزءا منهم في حياكة الحلم على نول التجربة والمثابرة والثورة، فعُرف عنه الشجاعة في المواجهة والصواب في الرأي، والتفاني في مقارعة الخوف والجهل، ولم يكن بالحسبان أبدا في لحظات الحلم الغامرة تلك أن يغدر به من شاركه ذات الحلم قبل أن يعلنوا عن نواياهم العدمية ..كما عُرف الدكتور اسماعيل الحامض بين أفراد عائلته ومحبيه بأنه من أصحاب اليد الخضراء وذلك كناية عن خصوبة يده وولعها بزراعة الأشجار والنباتات وممارسته لهذا النشاط بطريقة أبوية حنونة.

هذه اليد الخضراء المقرونة بالخير كانت يدا بيضاء في أيام الرقة السوداء، وحنان يديه عالج الضعفاء بالمحبة والمجان، فساعد المحتاجين من المهجرين والنازحين، وبحكم تخصصه كطبيب، فقد ثابر على معالجة كل الضحايا دون السؤال عن هوية الضحية، إذ يكفي أنها ضحية، وهذا ما يشهد عليه الكثير من أهالي الرقة خلال استحضار اسم الدكتور اسماعيل الحامض المغيب قسرا منذ ألف يوم

. إذاً.. امتدت يدُ السواد على أحلام السوريين، لتستمر في تنكيد عيشهم أسوة ببشار الأسد، وفي 02/11/2013 امتدت هذه اليد لتغيّب الدكتور اسماعيل الحامض، فيقع هو وعائلته فريسة للظلم المركب الذي يذوق مرارته الشعب السوري منذ أن أعلن بشار الأسد حربه على السوريين، هذه اليد امتدت في الرقة ذاتها على العشرات بل آلاف الشباب و الناشطين و من الجنسين ممن سخروا أنفسهم لخدمة الشأن العام و لصناعة التغيير والثورة أمثال فراس الحاج صالح و ابراهيم الغازي و محمد مطر وسمر الصالح و غيرهم الكثير ..فضلا عن مختطفين أو معتقلين أو مغيبين في مناطق سورية مختلفة مثل سميرة الخليل وناظم حمادي ووائل حمادة ورزان زيتونة ومؤيد السلوم وعبيدة بطل وعبود الحداد ممن لم يتمكن أصحاب الرؤية العدمية استيعابهم.. فعملوا على تغييبهم وتعليق مصيرهم دون الإفصاح عنه في تباهٍ لا أخلاقي تجاه آلام عائلاتهم و محبيهم ..وهنا لا نتغافل عن الظلم الأسدي وإجرامه بحق الكثير من الناشطين، ونظامه الذي يستحق لقب المجرم الأول بفعل المعاناة الإنسانية التي تسبب بها في سوريا لملايين السوريين بينهم مئات آلاف المعتقلين وعشرات الآلاف الذين قضوا تحت التعذيب.

خلف كل قصة خطف أو اعتقال أو تصفية أو تهجير أو قتل أو تدمير هناك أنين لا ينتهي، لا تسقط أوجاعه بالتقادم، ومرارة لاسعة لاتكال بمكيال، وفيض من دمع الأسئلة ممزوج بملح القلق، وحصة عائلة الدكتور اسماعيل الحامض منها حتى الآن ألف يوم ويوم، نخشى أن تتضاعف الأيام، وجلّ أمنياتنا أن تنكسر رتابة هذا العداد، وتنكسر أغلال السجون، فينال المغيبون حريتهم، وتنعم عائلاتهم برفقتهم لبقية العمر.

المصدر مدار اليوم

اترك رد

Translate »