معركة “ابراهيم اليوسف” لتحرير حلب
مدير التحرير
لا أدري من الجهة التي أطلقت اسم”ابراهيم اليوسف” على عملية فك الحصار عن حلب، ولست بصدد أية مراجعة تاريخية لا لحادثة مدرسة المدفعية التي نفذها النقيب ابراهيم اليوسف في المدرسة، والتي تسبب فيها بمقتل بضعة عشرات من طلاب المدرسة من العلويين،(النظام اعترف يومها في بيانه أن مجموع عدد الضحايا هو 32 طالبَ ضابطٍ فقط)، ولا الحديث عن ابراهيم اليوسف نفسه، لكنني أحب أن أسجل للجيل الجديد الذي يتم تغييب كثير من الحقائق عنه، وتجهيله بكل صغيرة وكبيرة عن سابق قصد وتصميم انتقائي، لاغاية له إلا الدعاية، مهما كان ثمن تلك الدعاية.. أحب أن أذكر في هذه العجالة(لأن هذا الموضوع يستغرق كتاباً كاملاً) بالحقائق التالية:
ابراهيم اليوسف لم يكن من الأخوان المسلمين في أي يوم، بل إن تنظيم الأخوان الذي انقسم على نفسه في الثمانينات تبرأ منه بجناحيه: الأول الذي كان معروفاً باسم جناح (علي صدر الدين البيانوني)، نسبة إلى مراقبه العام، (في السجون غلب عليه مصطلح جناح الحلبيين)والثاني الذي كان معروفاً باسم جناح الأستاذ (عصام العطار)، وأيضاً نسبة إلى مراقبه العام(ولقد شاعت تسميته بين أخوان السجون باسم جناح الشوام)، وكلا التيارين اتصلوا بنظام الأسد فور سماعهم بنبأ “مدرسة المدفعية”، وقدموا الدليل تلو الدليل على أنهم يتبرأون من العملية وممن شارك في المجزرة، بل إنهم حاججوا حافظ الاسد عبر مراسلات مشهورة بقولهم: “إننا لم نسمع بابراهيم اليوسف قبل اليوم، وإن ابراهيم اليوسف هو ابراهيمكم وليس ابراهيمنا،(كذا استعملوا العبارة حرفياً في مراسلاتهم)، فهو بعثي عضو عامل، انتسب إلى البعث منذ أن كان طالباً في الصف السابع، وكان علاوة على ذلك”ضابط أمن مدرسة المدفعية”، ومعلوم أن منصبَ ضابط الأمن في المدرسة كان، ومايزال، أعلى منصباً في أية قطعة عسكرية في الجيش السوري حتى اليوم، وهو لحساسيته، لا يُمنَحُ إلا لأقرب المقربين من النظام وأوثقهم من الناحية الأمنية.. فهو منصب يتجاوز الرتبة العسكرية ويرتبط مباشرة بأعلى مستويات القرار في الاستخبارات العسكرية.. ولو لم يكن المرحوم ابراهيم اليوسف هو ضابط أمن المدرسة لما انصاع له الطلاب الضباط أثناء عملية فرزهم إلى علويين وغيرعلويين داخل المدرسة، ولما كُتِبَ بالتالي للعملية النجاح..
أما بعد أن تفجرت الأوضاع في سوريا، واشتعلت حالة من رفض النظام غير مخطط لها، واندفعت المواجهات الشعبية في أواخر سبعينيات القرن الماضي، حتى بدأ الحراك يتحول إلى حراك شعبي سلمي ينادي بسقوط النظام في عموم البلاد(في دير الزور خرجت معظم المدارس في تظاهرات شهيرة تم إطلاق الرصاص الحي عليها من قبل الأمن والجيش، كانت تهتف بشعارٍ اشتهر يومئذٍ:لا دراسة ولا تدريس حتى يسقط الرئيس)، وبدا بأن اللحظة هي لحظة الأسد السفاح وفرصته التاريخية التي كان يبحث عنها بفارغ الصبر، فقام على إثرها بتجريف المجتمع السوري تجريفاً تاماً، وبتسريح آلاف الضباط السُنة، وتوقيع صك استسلام رسمي بين طرفين: الشعب السوري كطرف أول، ونظام الأسد كطرف ثانٍ.. طبعاً بعد أن تمَّ قتل أكثر من مائتي ألف سوري خلال السنوات الأربع التي تلت الحادثة، واعتقال عشرات الآلاف وزجهم في السجون لفترات وصل بعضُها إلى ربع قرن أو يزيد، وهروب الآلاف من البلاد إلى يومنا هذا، حتى أن جيلاً من آلاف السوريين اليوم قد ولدوا خارج سوريا وفي المنافي، وخُتمت المجازر في نهاية هذه الرحلة الجحيمية بتدمير مدينة حماة على أهلها، واغتصاب كثير من فتياتها ونسائها، وقتل الآلاف من رجالها وأطفالها في قصص مروعة كثيرة..
بعد أن وصل الوضع إلى خط اللارجعة بين الشعب السوري والسلطة، وأيقن تنظيم الأخوان أن الأسد لن يقبل صلحاً ولا اعتذاراً ولا شفاعة، أو أية حجة في هذا الصدد، أخذ التنظيم قراراً بالدخول على خط الاحتجاجات ونسبتها جميعها إليه، وإسباغ صفة التنظيم على كل الحراك بشقيه: المدني السلمي، والعسكري.. خاصة أن التنظيم أدرك أنه مستهدَف في كلا الحالتين، وسواءً تبرأ من “المدفعية” أم لم يتبرأ.. وهذا الذي حصل في واقع الحال، فقد وجد الأسد ضالَّته أمام العالم بتبرير أن مايجري ليس حراكاً شعبياً، ولا تصدياً جماهيرياً ثورياً لبطش النظام، وإنما هو جرائم منظمة يخطط لها ويعمل عليها تنظيم أصولي إسلامي.. بينما كانت جائزة التنظيم أنه كسب كل ماعلى طاولة القمار من رصيد تاريخي لثورة شعبية متصدية لنظام طائفي دكتاتوري من أسوأ انظمة الحكم في تاريخ المنطقة والعالم، دون أن يكون مشاركاً باللعبة(إلا متأخراً بالطبع)، ودون أن يكون مالكاً لرأسمالها الذي يخوله اللعب..
إن المنطق والعقل الذي سوغ لنقيب وضابط أمن قطعة عسكرية أن ينفذ إبادة بزملاء يفترض أن يكونوا طلاباً وهو معلمهم، كما يفترض أنه مؤتمن على أرواحهم يقابلها نفس المنطق والعقل الذي سوغ لرفعت الأسد بعدها بأيام أن ينفذ نفس الإبادة الجماعية بمن يفترض أنهم سجناؤه في سجن تدمر ومواطنوه وأبناء شعبه، فتلك الحجة بتلك وذاك العقل مقابل ذاك.. وإذا كان(درء المفاسد مُقَدّمٌ على تقديم المصالح)، حسب القاعدة الأصولية في الشريعة الإسلامية، وإذا كانت القاعدة الشرعية(أية قاعدة كانت!!)يتم انتقاؤها حسب الحاجة السياسية، والمنفعة والدعاية وتكثير مفخرة تاريخية لقوى الإسلام السياسي، حتى لو كان ثمن هذه المفخرة مطحنة بشرية ذوبت عظام آلاف الناس في مرجلها وجحيمها المغلي، فبأي آلاء ربنا نُكَذِّب؟ أنجحد العقل أم نجحد الشرع؟ أم نجحدُهما كليهما، ونستقيل استقالة تامة من تصنيفنا كبشرعاقلين؟
أخيراً أتوجه بالسؤال لأولئك “الثوار” الذين التمسوا اللجوء في دول الإتحاد الاوربي، وبعضهم يشيد بذكرى “المدفعية” وسيرة من قام بها العطرة: لو قام من بين أولئك اللاجئين السوريين(ابراهيم يوسف آخر)، وقتل عشرة أو عشرين من كفار أوربة، وقرر الإتحاد الأوربي أن”يُصَغِّر عقلَه مثلنا” ويطرد مليون سوري مثلاً، نكاية بهذا الابراهيم اليوسف المفترض، فإنني أتوقع عندئذٍ أن تعلو عقيرتنا بالصراخ: أيها القاتل.. لقد آذيت مليوناً من الناس الأبرياء في سبيل لاشيء.. فلا أرضاً قطعتَ، ولا ظهراً أبقيت.. أما علمت أيها الرجل أن درء المفاسد مقدمٌ على تقديم المصالح؟