دواعش الثورة.. واحتياطي الثورة المضادة
مدير التحرير
ـ دواعش الثورة..؟؟ مَهْ أيها الرجل.. إعقلْ ماتقول، وهل يوجدُ في ثورتنا وبين ظهرانينا دواعش.؟
بلى.. هم ثوار، وطالبوا منذ البدايات بالحرية، وما زالت شعارهم.. وبعضهم أصبحوا ثواراً بعد أن حطوا الرحال في بر الامان في تركيا.. طبعاً(الحرية) لا توصيف لها ولا تعريف، هي كلمة جميلة ولذيذة.. تنبضُ في القلوب فتُحدِثُ اهتزازات وارتدادات في وسطها المستغرق، ولها سطوة مؤثرة.. كالشعر والخمر سَكَرَاً وخَدَرَاً.. لها قدرةُ ماتشاءُ من الواطات والكهرطيسيات على حفزِ مشاعرَ، ومُبادَأَة جريئة قادرة على الإخماد والإسكات.. وبما أنها(حرية) ليس لها تعريف، يجب بالضرورة أن تكون شيئاً لا كينونة له ولا توصيف، وبالتالي؛ لاوجود له إلا في اللامتناهي وغير المتماهي.. ويمكن اختزال تلك القدرات والمواهب ببعض شعارات المعارضة المختلطة كالأحلام والخرافات المسلية غير الضارة.
لا برنامج عمل لهم منذ البداية ولا عمل،(أيُّ عملٍ باستثناء الكلام والكلام)، ولافكرة عن المستقبل، لا شيءَ يُرَتِّبُ ثواباً وعقاباً.. يؤمنون إيماناً صوفياً عميقاً للبعيد الغريب، ويحتقرون بنفس ذاك اليقين الإلهامي القريبَ القريبَ.. تحت أبطهم وفي تلافيف أدمغتهم يحملون تخلف الماضي وبدائيته بافتخار البدائي المتوحد مع سجايا الطبيعة الحيوانية.. وجائزة الترضية الممنوحة لهم أو المنتظرة دوماً هي شعور بالنشوة بعد انفضاض المعارك اليومية، وألق تحقق الذات التي لم تعد تجد نفسها، لا من خلال مجتمع، ولا فكر ولا تنظيم.. ولا الحد الأدنى من المعنى والوجود أو الإلتزام بالفكرة و المبدأ.. هذا التحققُ يُبلسِمُ آلاماً عميقة في النفس، ويُسَكِّنُ ـ كحبة المنوم ـ صراعاتٍ عنيفة من أجل البحث عن أية علاقة بالوجود المحيط، أو الوسط الذي تم فكُّ الإرتباط به.. الشلة هي الوطن والوطنية.. والشلة هي دعامة الثورة الموثوقة وضمانتها الوحيدة(أو النوبات المرضية العصابية التي يحسبونها هي الثورة)، وبدون تلك العصابة ـ الشلة، ربما ليست الثورة والوطن غير موجودين فحسب، بل لعلَّ العالمَ نفسَه كلُّه مشكوكٌ في وجوده وارتباطه بالذات أو ارتباط الذات به.
لله دَرُّ من لا دَرَّ له.. ما أضيق الثورة وما أوسع الفيسبوك.. المواقف يسهل تبريرها، فثمنها بعض الكلام.. والكرامة الشخصية العميقة الناظمة للسلوك معيارية، يسْهُلُ التلاعبُ بها، فهي تُشبه طاولة الزهر في وجوه: تعتمد على الصُدَفِ الحسنة، وتنتهي، أوينتهي الحديثُ المتصلُ بها بانتهاء اللعبة، وهناك دائماً فرصة متاحة في فسحة المستقبل للربح، ولو لمرة واحدة، بضربة حظ..أما العدو!..؟ لاعدوٌ في واقع الأمر سوى الفراغ والضجر والغباء وانحطاط الثقافة، ودَرَكٍ واطىءٍ في فهم الحياة التي تحيط من حولنا، وخفةٍ نشطة في التحلل من أية مسؤولية، وحقدٍ عميق دفين على كثيرٍ من الأشياء التي يصعب تسميتها أو تحديدُها.. هذا الفراغ والإنتظار مخيفٌ دائماً، وهومدعاةٌ للقلق والوساوس، كمن يسيرُ في غابةٍ موحشة وهو يرتجف خوفاً من انقضاضِ ضاريةٍ من الضواري.. عليك ـ والحالُ كذاك ـ أن تحملَ شيئاً ما في يدك يوهمُ دوماً بأنه سلاح، وأنْ تُهشهشَ وتمأمأ، لا لاتخيف تلك الضواري الكاسرة المفترضة والمتوقعة، بل لتبعثَ شيئاً من الإطمئنان يسري داخل عروق النفس فيخدعَها ويقنعَها أنك جاهزٌ، متهيءٌ للمواجهة..عارفٌ أين تسير وكيف تواجه عقبات المسير ومفاجآته.. هذه المواجهات الطارئة في مصادفات ذلك الغاب المعتم ستُحسبُ لك نشاطاً ثورياً، ولن يضيعَ أجرُها وثوابُها لا عند الله ولا في صحائف الثورة التي تُرتَلُ ترتيلاً في المناسبات، بل ولا حتى في صحائف الشبيحة الجيدين والشبيحة السيئين.. خداع النفس شيءٌ ضروري لبقائها دائماً متحفزة، وعلى أهبة الإستعداد للمواجهة.. والشلة/العصابة لم تنقرضْ بعد انقراضاً تاماً، بحمد الله وفضله وكرمه، كانقراض إرَمَ ذات العِماد.. صحيحٌ أنها تدهورت وتلاشى معظمُها وتفرقت شذر مذر..أو(تفرقطت وتطشرقت)في أقطار الأرض وجهاتها الأربع، أو الأربعطعش.. بيد أنها مازالت موجودة، أو مازالت بقاياها الطحلبية موجودة(والتي تُشبهُ العضايات المنحدرة من العصر الجيوراسي الأول) وهذا وحدَه جيدٌ ومشجع، وأكثر من كافٍ.. خصوصاً أنك لن تحتاجَها لثورةٍ ما، في مكان ما، في زمانٍ ما، بعد هذا اليوم، بل قد تحتاجُ لصوتها الرّداح المداح الشتام التمتام، والذي يأتي من بعيدٍ مُصَفراً كصدى الأيام.. وخواتيم العلاقة بالشلة كحنان الأم على رضيعها الذي تؤمن أنه بعد أن يكبرَ سيكون خيرَ الرجال، وتشجيع الأب وحثه الابنَ على الرجولة والصمود، وعدم الاكتراث بالنتائج كيفما كانت.
وكما يستفيقُ المُخَدَّرُ من بنجِهِ، ويتلمس مساماتِه ليتأكد بأنه لم يفقدْ بعدُ ميزةَ الإحساس بالأشياء والأعضاء، يصبحُ شتمُ داعش والنظام شيئاً ضرورياً لعبور الغابة المظلمة المخيفة، مثل أذكار الصباح والمساء، تحفِزُ النفسَ وتُصَلبُهُا وتعطيها دفعاً جديداً، وأملاً مديداً بالاستمرار ومبررات البقاء، وما تبقى من وجود مدمرٍ يوشك أن يتلاشى.. سبحان من خلق السماوات والأرض وجعل الكلامَ مجاناً، والشتائمَ والمزاعم ببلاش وبدون دراهم.. لا بالعملة التركية ولا باليورو ولا بالدولار.. ولن يُنفَقَ عليها أو يُدفعَ ثمنٌ لها من هِباتِ “السوسيال” و”الجوب سنتر”الكريمة، أدام الله علينا، وفوق رؤوسنا، الأبوين الجديدين: “السوسيال” وهِباتِ منظمات المجتمع المدني التي تعطي عطاءً غدقاً كمن لا يخشى من الله فقراً وإملاقاً، وقد علمتْ أنه هو الرزاق الكريم الذي لا تفنى خزائنُه في السماوات والأرض.. والأكرمين الجديدين: شراءَ فارغاتِ الأيام، وبيعِ الأوهام بالأوهام، والكذب على الذات، والله الموفق، وكلُّ ماهو آتٍ آت.. عطاءً غدقاً كريماً حتى تخلُصَ هذه الثورة، أو تصعدَ الروحُ إلى بارئها، ويُسدلَ الستارُ على العمر الذي مضى أوجاعاً نفسية مُبَرِّحة، وعُقداً مدمرة، وقلقاً لاتنتهي آلامُهُ الباطنة.. والحمدُ لله على نعمة الحرية والعدالة والمساواة.. وأخص منها المساواة بالذات؛ لأنها ساوت بين أعلمنا وأفقهِنا بحلالِ الثورةِ وحرامِها، وبين أجحشنا في هذه العلوم.. وإلى حظٍ أوفر وفرصة سعيدة في ثورة جديدة، وحتى يحينُ أوانُها نتمنى لكم دوامَ الصحة والعافية، وزوال البلاء ودوام بلادة الأحاسيس، والتذاكي في الغباء، قبل إنجاز الإتفاقات ومصافحة الأعداء.. راسلونا على عنواننا الجديد في المخيم العتيد.. والكامب القريب البعيد.. والله يقضي بما يشاء وما يريد.. ولا يتسعُ لي في آخر الآخر إلا أن أرددَ قولَ الجاهلي (الحارث بن وَعْلة الجرمي):
قومي.. همُ قتلوا أُميمَ أخي * فـإذا رَمـيتُ يصيبُني سهـميْ
فلئِنْ عفوتُ لأعفوَنْ جللاً * ولئنْ سطوتُ لأوهننْ عظمي