كردستان الإيرانية: المشهد الحالي في ظل مشاهد سابقة

شورش درويش

تبدو معلومات المتابعين والمحللين للصعود الكردي الأخير في كردستان الإيرانيّة مغلوطة أو رغبويّة لجهة تفسير الأحداث الأخيرة هناك بأنها جزء من مشهد الصراع السني – الشيعي العريض. كما أن ما أعلنته قوات الحزب الديموقراطي الكردستاني حول تجدد القتال مع الجيش الإيراني يأتي بغية تحريك المياه الراكدة ومحاولة الضغط على حكومة طهران في ما خص الاعتراف بالحقوق الكردية المشروعة، وليس كما يتم تفسيره لدى كثيرين من المتابعين والمحللين الذين يرون في الأمر جنوحاً كردياً سنياً في موازاة حكومة شيعية إثني عشريّة بمرجعية الولي الفقيه.
يزيد من التفسيرات الرغبوية أو المغلوطة إقدام الحكومة الإيرانيّة على إعدام عشرين سلفيّاً سنيّاً – معظمهم أكراد – ما يزيد من حدة الخلط بين الرفض القومي الكردي والآخر السني الرافض لمنطق الدولة الطائفيّة الشيعيّة، والرافض للأحزاب الكردية القومية في الوقت ذاته.
في الخريطة السياسيّة لكرد إيران ثمة ثلاثة فصائل محوريّة – إلى جوار أحزاب قليلة التأثير – تقود النضال الثوري الكردي، أحدها حزب كادحي كردستان «كوملة»، ذو المرجعية اليسارية القوميّة، والذي يتكئ على مئات المقاتلين الذين عرفوا الكفاح المسّلح منذ زمن الشاه المخلوع، وهو الحزب الذي بادر زعيمه عبدالله مهتدي إلى إقامة تحالف وطيد مع الحزب الديموقراطي الكردستاني الذي يتزعمه مصطفى هجري، تحت شعار توحيد النضال القومي.
حزب الحياة الحرة والذي يُعرف اختصاراً بـ (PJK)، ويتبع عملياً وروحياً حزب العمال الكردستاني ذا المرجعية الماركسية – الأوجلانيّة، بات يعمل بعيداً عن النفس القومي – بحسب تعبيره، ووفقاً لمنظومة فكرية قد توصف بالغرائبية، إذ يزعم بأنه يناضل لأجل تحقيق «الأمة الديموقراطية»، وهو مفهوم مستحدث وهلامي ويصعب تعريفه أو إلقاء الضوء عليه.
يبقى أشهر الأحزاب والفصائل المسلحة والمنظّمة هو الحزب الديموقراطي الكردستاني، المعروف كرديّاً بـ «حزب القادة الشهداء»، ومنهم قاضي محمد رئيس جمهوريّة كردستان في 1946 والتي عُرفت بجمهوريّة مهاباد، وعاشت حوالى أحد عشر شهراً، والدكتور عبد الرحمن قاسملو الذي اغتالته قوات الحرس الثوري الإيراني مع اثنين من مساعديه خلال المفاوضات التي أجريت بين الحزب الديموقراطي الكردستاني والحكومة الإيرانية في فيينا عام 1989. وقد واصل النظام الإيراني مسيرة الاغتيالات عبر اغتيال زعيم الحزب اللاحق الدكتور صادق شرفكندي في مقهى ميكانوس ببرلين عام 1992، في فترة تواجده لحضور مؤتمر الاشتراكية الدولية.
سيرة الديموقراطي الكردستاني سيرة طويلة حقق خلالها انتصارات عسكرية وسياسيّة في مقابل الكثير من الكبوات وفترات الخمول، لدرجة أنه كاد أن يتلاشى في فترة من عمره لولا انتشال الدكتور قاسملو الحزب وتحويله إلى حزب ناشط ساهم في تحرير مئات القرى والقصبات والمدن الكردستانية قبيل انهيار نظام الشاه محمد رضا بهلوي خلال 1978 – 1979، ثم عاد الحزب بعد أن أقصى الخميني شركاءه الفاعلين كحزب توده الشيوعي والديموقراطي الكردستاني إلى مرحلة من التراجع كان سببها الرئيس صدور فتوى من الخميني تقول بتكفيره وتكفير قائده قاسملو ووجوب محاربتهم. وبعد ذلك ساهمت مسألة اغتيال قادة الحزب ورموزه الكاريزمية في انكفائه في علاقاته الدوليّة، ليبدأ مرحلة مع تولي قادة يفتقدون الكاريزما المطلوبة التي كان يتمتع بها القادة السابقون، وليجنحوا إلى نمط القيادة الجماعية كمخرجٍ بديل، وصولاً إلى التخفيف من الكفاح المسلح، بل تجميده نهائياً بعد أن وصل في مرحلة الحرب العراقية – الإيرانية إلى ذروته، ثم إفساح المجال للعمل السياسي في شكلٍ أوسع مع الاحتفاظ بحق الدفاع عن النفس، وقد كانت المبررات حينها الحفاظ على المكتسبات القومية التي حققتها أحزاب وجماهير كردستان العراق منذ الانتفاضة الكردية عام 1991.
فما قامت به الجمهورية الإسلامية من قصف لمواقع الأحزاب الكردستانية الإيرانيّة داخل إقليم كردستان العراق، والتدخل السافر في شؤون الإقليم الكردي الوليد، خلق جوّاً من الخوف لدى الأحزاب الكردستانية برمتها، ما حدا بالاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني للتوسط لأجل وقف الأعمال العسكريّة وتجنيب كردستان العراق ويلات حربٍ قاسية.
قد تكون هذه التعريفات بالأحزاب الفاعلة سريعة، لكنها طويلة بقياس مقال رأي، بيد أنها قد تكون مفيدة في تشريح وفهم الحالة الراهنة، وتفسير الحالة السياسية والعسكرية القائمة في كردستان الإيرانيّة.
أما في تفسير أسباب تجدد القتال فيقول قياديو الحزب إن أسبابه تكمن في استمرار الحكومة الإيرانيّة في التنكّر للحقوق القومية المشروعة، وصعوبة القيام بعمل سياسي مجدٍ في ظل استمرار النظام الإيراني بهذه العقلية تجاه معارضيه. بيد أن تفسير تجدد الاشتباكات على ضوء ما يحدث في المنطقة عموماً أكثر نجاعةً وفائدة، حيث يطمح كرد إيران إلى مواكبة الصعود القومي الكردي الذي بدأ يحقق تقدماً في سورية وتركيا والعراق، كما أن الأحزاب التقليدية كحال الديموقراطي الكردستاني إيران وكوملة، ترغب في استعادة دورها المركزي في قيادة المجتمع الكردي الإيراني منافسةً ومغالبةً لصعود نجم حزب الحياة الحرة الذي يستفيد دعائياً وتعبوياً من انتصارات زملائه في سورية (وحدات حماية الشعب)، والتململ الظاهر لدى مناصري الأحزاب التقليدية من حالة الركود السياسي والعسكري طويلة الأمد، وفوق ذلك هناك انتقاء اللحظة المناسبة في ظل الارتباك الذي تعيشه إيران وهي تغوص في معارك مرهقة في العراق وسورية، ما يجعل للعمل المسلح مساحةً أوسع مما مضى.
تلويح الديموقراطي الكردستاني بالتصعيد من خلال احتمال الدعوة إلى انتفاضة شعبية مرافقة للجهد العسكري الذي سيبذله بيشمركة الديموقراطي في الولايات الكردية بكردستان الإيرانيّة ورقة جديدة في عمر الصراع الكردي الإيراني، لكنها تبدو ورقةً مخيفة هذه المرة: فالخشية من أن يقوم النظام الإيراني بإخراج الأوراق الطائفيّة مجدداً من صندوق باندورا خاصته، وهي ميزة باتت تسم سياسة إيران الرسمية في مواجهة الاحتجاجات الشعبية والمطالب المحقّة في إيران وسواها من دول تخضع للنفوذ الإيراني، قد يدفع إلى تعريف القوميين الكرد بدلالة طائفية «سنيّة»، الأمر الذي سيضاعف من مشقة النضال القومي الكردي في إيران ويجعله يفقد الكثير من عمقه التاريخي ويميّع جماهيريته الكبيرة.
صحيح أن فرص نجاح العمل العسكري الكردي في مواجهة آلة عسكرية متقدّمة تبدو شبه مستحيلة، لكنه في مطلق الأحوال يمثل استرداداً لقيم الكفاح الوطني الكردستاني ودليلاً على تعدّد الخيارات الكردية الراهنة.

* كاتب كردي سوري

الحياة اللندنية

اترك رد

Translate »