الخميس. مارس 5th, 2026
الرقة بوست

مدير التحرير

عسل بـ(مصاري) أم (خل) ببلاش..؟

(الضَّمَّان)، بتشديد الميم، أو(المُرابع)، مصطلحات سورية ربما لايعرفُها غيرُهم، وهي تشيرُ إلى المتولي التجاري الذي يتعهدُ مشروعاً ما، غالباً زراعياً، بأن يأخذَهُ على عاتقه ومسؤوليته الشخصية، ربحاً أو خسارةً، مقابلَ نسبةٍ أو أجرٍ مقطوع.. ذلك على الغالب هو الوصف الأدق لِما تقوم به أمريكا من (تضمينِ) سوريا التي نعتقدُ أنها باتت تمسكُ خيوطَ معظم ساحاتها ومساحاتها السياسية والعسكرية، والتي لمّا تهدأ أو يهدأ بركانُها المتفجرُ منذ سنوات قاربت على الست، لكنها مع ذلك تقف خلف الجيوش والدول والميليشيات والقوى المتحاربة أمام الشاشات والبيانات.. أمريكا الرسمية لا تقاتل بشكل مباشر، فالنظام السوري وروسيا وإيران والعراق والـ(pyd) وداعش هم من يقاتل في الساحات نيابة عنها.. ولا تدفع من أموالها درهماً ولا نقيراً، فأهل الخليج هم من يدفعون فواتير الحرب عنها.. وروسيا التي تدخل الحرب في سوريا بهيبة الدولة العظمى، وهي ليست كذلك، ونياشين سمعتها الأمبراطورية السابقة، وقد استحالت إلى نياشين للذكريات القديمة والعرض في المتاحف، وبعض مظاهر الحنين إلى الماضي لا أكثر، روسيا لا تفعل أكثر من كونها تحاول الإنتهاء من إنجاز تعهد (المرابع) قبل أن يفوت الموسم وينفض السوق أو تنتهي الغارات بالخسارات..

خلال الأيام القريبة الماضية يمكننا ملاحظة حدثين مختلفين نوعاً، وإن كانا يصبان في اتجاهٍ واحد: الأول انسحاب داعش من منبج بلا قتال، وتسليمها للميليشيات الكردية ضمن صفقة مبرمة، ثم تلا ذلك الإنسحاب بيومين تقريباً انسحاباً ثانياً من جرابلس، آخر معقل لها على الحدود التركية، وأيضاً هذه المرة دون قتال.. ولم يعد لها من وجودٍ يُعْتَدُّ به في محافظة حلب كلها إلا في مدينة الباب، والتي نتوقع انسحابها منها لاحقاً لصالح البيدا أو جبهة فتح الشام.. والثاني لقاء الروس بالمعارضة السورية في الدوحة.. وذلك يحدث في سياق السرعة النسبية لترادف الملفات واستحقاقاتها المطلوبة مع سياق اقتراب الإنتخابات الأميركية وتغير الإدارة فيها..

يجد الروس اليوم حاجة للبحث عن معارضة لها وزن ومعنى نسبيين، واللقاء بها عن قرب، بعد أن يأسوا مما كان يسمونه  سابقاً بمعارضة حميميم، وهم حين يؤكدون بلهجة تشوبها المرارة أنه لابد من لقاء المعارضة في هذه المرحلة والظرف، فإنهم يقولونها بلهجة المتأسف الذي يخبرك بحزن أنه قد يُضطر إلى دخول المشفى لإجراء عمل جراحي.. ففي كلِّ مرة تُصَدَّعُ فيها رؤوس السوريين، ويجري اختبارهم عبر الميديا الإعلامية النشطة، خاصة قنوات الأخبار والصحافة الخليجية المقربة من دوائر صناعة الحدث السوري، حيث يَفترِسُ الإعلامُ جمهورَه السوريَّ المتابع بصور وأسماء أبناء الجنرال طلاس: مناف وفراس،(بوصفهما من طينة المعارضة التي تحتاز درجة الوسط والجيد)، ومرة يعلو أخرى على صوت المعارك اسم الموظف في وزارة أوقاف نظام الأسد برتبة خطيب الجامع الأموي، والمُعَيَّن رئيساً سابقاً للائتلاف بقرار وتوافق أممي: معاذ الخطيب، وأيضا بوصفه ينتمي إلى تلك المعارضات الجيدة أو أكثر بقليل من الجيدة.. وهكذا حتى تنتهي الخبرة المطلوبة لبالونات اختبار السوريين إلى نهاياتها القصوى؛ أولئك السوريين البسطاء الطيبين؛ الذين يقصفون كل يوم ويحيقُ بهم الدمار من كل جانب، والذين لا يعرفون اسماً آخر للكوارث التي تُحدقُ بهم من كل جهة إلا”غدر الزمان”.. والذين يُرادُ لهم اليوم أن يشتروا(خَلَّ)نتائج ثورتهم ومحنتهم الكونية ببلاش، ودون رغبة أو إرادة منهم، مع أنهم حتى اللحظة مايزالون مُصِرين على أن يدفعوا ثمناً من دمائهم ودمارهم الكبير للفوز بـ(عسل) ثورتهم الذي صمموا أن يشتروه ببالغ الثمن، بدلاً من (خَلِّ) المفاوضات والحلول المجانية التي يمليها عليهم المجتمع الدولي، والمتدخلون الكُثر في صياغة قضيتهم الوطنية لغير صالحهم غالباً..

لا أدري متى بدأ تاريخُ الجنون على سطح هذا الكوكب، ولا كيف تقاطع مع تاريخ العقل في رحلة واحدة.. حيث شكَّلا صداقة أو رفقة طريق في سعيهما معاً نحو الحقيقة.. وبما أن الحقيقة لابد أن ترتطم بجدارها النهائي، وانكشافاتها المستحَقة لصالح الواقعية في آخر المطاف، لابد أن يتكاشف الروس مع معارضتنا أو معارضتهم، لافرق(لنسمها مانشاء، وليسموها هم ما يشاؤون).. مثلما أزفت ساعة الغاشية للمكاشفة مع “صبيهم وصديقهم بشار الأسد”، وعصابة المجرمين المتورطين حوله، مهما بلغ حجم الحرج الكبير في نهاية الشوط، وحراجة المفاتحة بالمسكوت عنه في وقت سابق، إذ لا بد أن يفاتحوه بأمر انتهاء صلاحيته على مضض الموقف وضيق النفس به، وكما تُضطَرُّ الأم عادة أن تفاتح ابنتها لأول مرة عن حدوث العادة الشهرية، وأن تشرح لها ـ بخجل وحرج ـ شيئاً عن عالم الجنس الذي سوف تقبل عليه، فقد مضت سنوات الطفولة ومفرداتها إلى الأبد؛ كذلك على الروس أن يكاشفوا بالحقيقة صبيهم المجنون،(ذلك العُتُلُّ الذي كان يحلو لهم أن يلقبوه بالرئيس الشرعي)، وأن يحيطوه علماً بأن شوطه الأخير، أو ماقبل الأخير، ورحلة نهايته ورحيله قد أزفت على البدء، وأن عصر سلطانه قد ذوى وآذن بانتهاءٍ، لصالح التطورات السريعة المتلاحقة على الارض.

By

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *