الرئيسية / الأخبار / سورية / المناطق الآمنة شمالي سوريا.. أخيراً
المناطق الآمنة شمالي سوريا.. أخيراً

المناطق الآمنة شمالي سوريا.. أخيراً

عبدالقادر عبداللي 

على الرغم من تأكيد الرئيسين التركي والروسي، على استمرار الخلاف بينهما في الملف السوري، وعدم اتفاقهما سوى على نقطة “وحدة الأراضي السورية” التي باتت شبه مستحيلة على المدى المنظور، فإن المحللين والمراقبين السياسيين قدموا آلاف النظريات والرؤى وصلت إلى تأسيس تحالف بين روسيا وتركيا وإيران. ولعل ذلك، ما جعل الناطقة باسم الخارجية الروسية، بعد حوالي أسبوع من الاجتماع بين بويتن وأردوغان، تؤكد على عدم إمكانية التوصل إلى اتفاق بين روسيا وتركيا، حول الملف السوري في فترة قصيرة.

جاءت تصريحات رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم، الغامضة والقابلة للتفسير في أكثر من اتجاه حول سوريا والمرحلة الانتقالية فيها لتزيد من التكهنات والرؤى. وذهب الإعلام العربي الذي يدور في الفلك الإيراني إلى اختراع أخبار منسوبة إلى شخصيات مجهولة وصحف معلومة لا علاقة لها بهذه الأخبار، تُبشِّرُ بشهر عسل جديد بين النظام السوري وحكومة “العدالة والتنمية” في تركيا، اعتماداً على عبارة “وحدة الأراضي السورية”.

صحيح أن كل شيء في السياسة ممكن، ولكن هذا الممكن يحتاج إلى منطق أو دليل، وكان منطق الصحافة الإيرانية الناطقة بالعربية هو أن التحالف بين تركيا وإيران وروسيا، وبالتالي بشائر شهر العسل بين دمشق وأنقرة، مبني على قاعدة الحرب ضد “حزب الاتحاد الديموقراطي” الذي يعتبر الجناح السوري لحزب “العمال الكردستاني”.

سرعان ما نسفت الاشتباكات التي جرت في محافظة الحسكة بين قوات النظام السوري ومقاتلي حزب “الاتحاد الديموقراطي” هذه النظرية، وثبت بالفعل أن النظام السوري هو الذي كان يستقوي بحزب “العمال الكردستاني”، وليس العكس. ولم يعد النظام السوري يستطيع تقديم أي خدمات للآخرين سوى مزيد من قتل المدنيين وتدمير الأحياء في المدن التي يُسمح له بتدميرها.

يمكن اعتبار البدء من تركيا بالعمليات العسكرية لتحرير جرابلس من تنظيم “داعش” وبغطاء جوي من طيران “التحالف الدولي” أول المعطيات حول التقارب التركي مع روسيا وإيران. وهي خطوة يمكن أن تؤدي إلى إقامة منطقة آمنة شمالي حلب تُسلّمُ إدارتها إلى جهات سورية معارضة مدنية، بحسب ما تقوله الصحف القريبة من الحكومة التركية.

من الممكن أن يريح تركيا كثيراً، ويريح حتى أوروبا إنشاء مناطق آمنة في الشمال السوري؛ لأن هذه المناطق ستكون حجة كافية لعدم قبول اللاجئين السوريين وإغلاق الحدود التركية السورية. وقد منعت الولايات المتحدة الأميركية إقامة هذه المناطق لتحمي النظام، لأن وجود مناطق تحت الوصاية الدولية يعني فعلياً عدم سيادة النظام على الأرض، وهذا ما سيتسبب في جرّه إلى طاولة المفاوضات.

حين منعت الولايات المتحدة تركيا من إقامة منطقة آمنة في الشمال السوري، كانت تحمي النظام، وفي ما بعد كانت تحمي “شريكها” الجديد حزب “العمال الكردستاني” لأن إقامة منطقة آمنة شمالي حلب يفصل الكنتونات الكردية في ما بينها، ويمكن أن يعوّق إقامة فيدرالية على أساس قومي، وهذا ما يتعارض مع رؤية الشريك الكردي.

إضافة إلى منع الولايات المتحدة إقامة هذه المنطقة، فإن إيران أيضاً رفضتها، وهددت “التحالف الدولي” في حال إقامتها، وبعد الدخول الروسي العسكري العلني إلى سوريا رفضت روسيا أيضاً هذا الأمر.

بقيت تركيا شبه وحيدة في مواجهة قوتين عالميتين هما روسيا والولايات المتحدة، وقوة إقليمية هي إيران، وسُدت أمامها كل الطرق في هذه القضية. وفي الوقت ذاته تعتبر تركيا أن إغلاق حزب “العمال الكردستاني” الحدود عليها جنوباً هو تهديد لأمنها القومي، فكانت تلك الخطوات السياسية التي تجلت بتصريحات رئيس الحكومة التركية بن علي، وسُميت منعطفات أو “تكويع” في السياسة.

مع البدء بالقصف التمهيدي لتحرير جرابلس نقلت “سي إن إن التركية” أن المدفعية التركية قصفت مواقع لكل من “داعش” وحزب “الاتحاد الديموقراطي”. وأكدت قيادة الأركان التركية بأن القصف قد تم، وعزته إلى قواعد الاشتباك المعروفة، أي رداً على مصادر النيران.

التزمت كل من إيران وروسيا الصمت إزاء عملية جرابلس. وإذا كان هذا الصمت هو التفسير لنقطة الاتفاق الوحيدة بين تركيا من جهة وروسيا وإيران من جهة أخرى، وهي “وحدة الأراضي السورية”، يمكن اعتباره في الوقت ذاته تفسيراً للتصريحات المهادنة التي أطلقها بن علي يلدرم لممثلي الصحافة الأجنبية في تركيا، والتي قال فيها: “قد يكون الأسد مُخاطباً في المرحلة الانتقالية”، والتي اعتبرت تراجعاً تركياً عن سياستها.

إثر بدء القصف التمهيدي على جرابلس سأل أحد الصحافيين الناطق باسم “البنتاغون” حول هذا القصف، وتحديداً قصف قوات “قسد” التي يشكل “الاتحاد الديموقراطي” عمودها الفقري، فكان رد الناطق من كلمتين فقط: “اسأل تركيا”، ألا يعني هذا بأن الأمر لا يعني الولايات المتحدة الأميركية؟ وبمعنى آخر “هذه قضية تخص تركيا والاتحاد الديموقراطي فقط”.

كلمة الناطق باسم “البنتاغون” تشبه كلمات بن علي يلدرم، تقبل التفسير باتجاهات عديدة، ولكن تركيا أرادت اعتبارها غض طرف أميركي عن عملية عسكرية تقوم بها ضد “داعش” و”الاتحاد الديموقراطي”.

يمكن أن تعلن تركيا المنطقة الممتدة بين جرابلس وعفرين وصولاً إلى مارع منطقة آمنة. وبتحذير الولايات المتحدة النظام السوري من إقلاع طائراته فوق سماء الحسكة والقامشلي، فرضت منطقة حظر جوي في الحسكة، أي أصبحت منطقة آمنة أيضاً، وهكذا لن تكون المنطقة الممتدة بين جرابلس وعفرين أولى المناطق الآمنة، بل ثانيها.

يبدو أن تركيا حصلت على ضمانات قوية لإقامة هذه المنطقة، ومشاركة طيران “التحالف الدولي” في العملية العسكرية التي انطلقت صباح الأربعاء الباكر، دليل على هذا الدعم، ولكن السؤال المهم والخطير: هل ستصل هذه القوات إلى منبج؟ وما هو موقف الولايات المتحدة من صدام كهذا فيما لو وقع؟

المدن

Print Friendly, PDF & Email

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: