داريّا.. لِمِثْلِها خُلِقَ المهْرِيُّةُ القُوُدُ
مدير التحرير
في عام 1552 جهز قيصر روسيا الشاب، (إيفان الرهيب)، حملة مجهزة بأحدث المدافع والأسلحة المتفوقة لاقتحام مدينة “قازان” المحصنة وفتحها وضمها إلى روسيا.. كان عدد الجنود الروس المحاصِرين قريباً من مائة وخمسين ألفاً، وعدد التتار المحاصَرين من سكان “قازان” حوالي الثلاثين ألفاً، ومع ذلك فقد صمدت “قازان” صموداً أسطورياً طال عدة أشهر في وجه الفاتح المتوحش.. ويروي لنا التاريخُ كيف قام (إيفان الرهيب) بنصب أعواد المشانق أمام الحصن لكي يشنق الأسرى على مرأى من إخوانهم المتحصنين وراء الحصن، لكي يبثّ الرعب في قلوبهم ويسَلموا الحصن، قبل أن يستسلموا وهم مهيضو الجناح، غير أن القازانيين رموا أخوانهم بالسهام قبل أن يصلوا إلى المشانق، قائلين: “خير لهؤلاء الأسرى أن يموتوا بأيدي بني وطنهم النظيفة من أن يُشنقوا بأيدي المسيحيين الدنسة”.. فسقى القازانيون قيصر روسيا الرهيب كأس سُمِّهِ بسمٍ، وغدوة عدوانِه بعدوانٍ، وقلبوا الرسالة التي أراد إيفان أن يبعث بها إليهم، على عكس ما أراد، وبثوا في قلبه الرعب بدلاً من أن يحدث العكس..
بعد أن طال حصار “قازان” وقلَّت مؤنة المحاصَرين، وبعد أن حمل الجنود الروس عليهم حملة شديدة، إثر زرع مواد متفجرة حطمت أجزاء من المدينة الحصينة، مما مكن الروس من اقتحامها وإعمال السيف في أهلها، حتى قتلوا “كلَّ من لا يصلحُ أن يُباع رقيقاً او يستفاد منه”، كما يقول التاريخ، في ذلك الوقت كان إيفان يذرف الدموع تأثراً من شجاعة أعدائه القازانيين وصمودهم، وهو يرى جنوده يُعمِلون السيف ذبحاً في أولئك التتار القوقاز المتمردين عليه، حتى أنه قال:(إنهم ليسوا مسيحيين.. ولكنْ يالهم من رجال.. ليتهم كانوا مسيحيين).. بينما كان شعارُ الروس، وهم يقتحمون الحصن حاملين صليباً كبيراً، ادَّعَوا أنه يستجلب المعجزات:(ألله معنا).. والقوقاز يردون عليهم بـ”ألله اكبر”، ولكن في حقيقة الامر، فقد كان اللهُ يحاربُ في صفوف الجانبين في وقت واحد.
لم تخلعْ داريا بارقة الصمود وعزة الشموخ وعنفوانه، حتى بعد أن أفرِغت من سكانها، بعد مفاوضات طويلة وشاقة مع الفاشيين الجدد: الأسديين والإيرانيين والروس، ولم يذرفْ عليها بشار الاسد وعلي شمخاني وحسن نصر الله دموعَ الرجولة التي هزت كيان (إيفان الرهيب) وأهرقت دمعه تأثراً على أعدائه القوقاز المسلمين، والتي لا يعرفُها إلا الصِلابُ من الرجال، ودعكَ وناهيكَ عن السَقَطِ والأنذال، فقد سطّرت داريا تاريخَها الفاجعيَّ بحبر التحدي، وكتبت سِفْر خلودِها وهي تمتشق المعجزة حساماً، قبل التسليم والرحيل وبعده.. خانها (جيشُ الإسلام) المرابط قريباً على مسافة كيلو مترات منها، وخانها عربٌ أطاعوا رومَهُم، وباعوا روحَهم.. وخذلها الأخيار والفجار، وتولى كِبْرَ التضحية بها كلُّ هذا العالم البعيد والقريب، وآثرَ الأصدقاء والأعداء، والعالم المتحضر ونصف الهمجي وغير المتحضر، أن ينتحروا أخلاقياً على أن يمدوا لها يد العون أو يُوصِلوا إلى أطفالها المحاصَرين كفاف خبزها، فصهرت من لحم أطفالها فطير التحدي في صفحةٍ خطَّت عليها بالدم أسطورة السماء والأرض، وعجنته بمرارة الحضور المحاصر وسُمِّ التسليم الذي تغلب عليها وما غلبها، والذي عَدَّ من مآثرها وما عَدَّدَها..
ذهبت داريا وما ذهبت..أيقونة ثورة السوريين، ومفخرتهم في الأولين والآخرين.. كقولة المتنبي تماماً: وَيْلُ امِّها خطةً ويلُ امِّ قابِلِها.. لمثلِها خُلِقَ المُهريّة القُودُ.. وقُدَّ قميصُها من قُبُلٍ ومن دُبُرٍ وما عَرِي إلا أعداؤها ذوو الطبيعة الخنزيرية التكوين.. التقى اللهُ والبشرُ عند بساتينها، وتناولوا القُدّاس من حبة عنَبِها.. وانفض سوقُ المزايدة عليها: خسرَ من خسر، وربح من ربح.. لكن المؤكد، أن داريّا كانت ببركات صمودها أكبرَ الرابحين، حيث كان أعداؤها أهونَ الخاسرين شأناً..
داريّا.. منطق الحياة أورثَكِ الطوبى والانتصار.
وأورثَ اعداءَك التبار والبوار.