الثلاثاء. يناير 20th, 2026
الرقة بوست

مدير التحرير

                           خُفَّيْ حُنَيْن

يعلم بشار الأسد اليوم أكثرَ من غيره، كما يعلمُ من قاتلوا لأجله، وراهنوا على بقائه وانتصاره، واستمرار مملكته وعرش أبيه الذي ورثه، أنه لن ينجح ولن يظفر بأي نصر، وأن زمنَ المراهنات والحسابات القائمة على “عسى” و”لعل” قد مضى وانتهى منذ زمنٍ ليس بالقصير، وأن مسألة دفنه هو وكلابه ونظامه، هي مسألة وقت لا أكثر.. بل إن الجميع، بمن فيهم هو، لم يعودوا يصدقوا بأن النظام مايزال نظاماً، وأن ذاك الميت يمكنه أن يعود حياً سوياً يقف على قدميه ثانية، وأن يعود إلى سيرته الأولى حاكماً لسوريا التي مضت وانتهت في صيغتها السابقة: دولةً وشعباً ومجتمعاً ونظاماً وسلطات..

وثانياً يعلم الطرف المقابل: الثورة والثوار، وأنصاف وأرباع الثوار، والمعارضة الصادقة والمعارضة الكاذبة، سواءٌ منهم من أرادوا تغييراً باليد أم بالقلب أم باللسان، وسواءٌ منهم أيضاً من زَوَّروا بطاقات تعريف ثورية، وآثروا انتحالَ الشخصية في مرحلة سابقة أو لاحقة، أن زمن الثورة القديم قد مضى وفات، وأن حُلمَهَا وشعاراتِها الأولى قد خَرَّ سقفُها وتقوضَ بنيانُها وتفتَّتْ أساساتُها(لأسبابٍ كثيرة ليس المجالُ الآن متاحاً لبحثِها ورصدِها وتحليلها في هذه العجالة)، كما يعلمُ كلُّ هؤلاء بأن خسارتَهم لن تقلَّ بحالٍ عن خسارة النظام، وأن المُحَصِلة الصفرية الخاوية والعُدْمَ هو الجزاءُ الوفاق الذي وفّى الجميع؛ بحقٍ وبعدلٍ، أم بجَورٍ وسوء حظٍ وظلم، وتوافق ظروف متعاونة على سوريا وثورتِها أو بتعارض أقدار وأخطاء حسابات.. فالمهم اليوم أن يتحقق بدءٌ جديدٌ وتُفتَحَ صفحةٌ جديدة انطلاقاً من نقطة الاعتراف بأننا بتنا نحتاج إلى ثورة جديدة، وإلى خطة جديدة، وإلى تجميع ورصدٍ جديدين، وإلى بحثٍ ومعاينة وسبرٍ علميٍ لكلِ الظواهر والممارسات والسلوكيات والأفهام التي قادت إلى الكارثة التي نعيشُها واقعاً، ولسوف نتلبثُ محتملين نتائجَها لسنوات طويلة، وإلى التفافٍ حول نكبتنا، التفافاً قائماً على فكرة وعيٍ متجرد من كل عاطفة وشاعرية وخصوصية فردية، دون أن ننكرَ أن العاطفة وخصوصية المشاعر هي أيضاً حالة إنسانية لا يمكن جحودُها أو التجردُ منها، هذا إن شئنا أن نعترف بتلك الكارثة أولاً وقبلَ كل شيء، وأن نتجاوزَ حالة الإنكار التي نعيشها..

وثالثاً يعلمُ ذلك القطيع من الكومبارس الذي اشترته الدول المتدخلة في سوريا لكي يحاربَ النظام، والذي يضغطُ عليه أقوياءُ العالم وأغنياؤه متى شاؤوا، لكي ينتصرَ متى أرادوا ويخسر متى أرادوا، ولكي يُدَمّرَ الثورة مقابل أجر معلوم أو حلمٍ موهوم، ويعملَ على توهين قواها وتفتيتِها والفتكِ بها كما أرادوا، تحت إغراء حلم السلطة والمال والهيمنة والاستئثار بكل شيء، أمثال النصرة وداعش وأحرار الشام وجيش الإسلام وجند الاقصى والـpkk والزنكي وقوات سوريا الديمقراطية وفصائل وألوية “الموك”، وبقية فصائل “خراء الكلب” التي باتت تملأ جغرافيا الوطن طولاً وعرضاً، تعلم جميعها بما هو أكثر من اليقيني والمؤكد أن (الصيفَ ضيعتِ اللبنَ)، وأنها لن تظفر بملء آذانها نخالة شعير في النهاية، وأن مستقبلها المؤجل أو الوشيك، لن يكون أكثر من سحابة دخان سوف تتبدد في مستقبل الأحداث والأيام القادمة.. مع صحة احتمال أن بقاياها(إن بقيت منها بقية)، سوف تُغَيرُ أسماءَها وراياتِها وحشواتِها الداخلية والخارجية وشعاراتها، بما يتناسب مع سوق العرض القادمة ليتمَّ طرحُها واستئجارُها، كقطع أثاث في سوق خردة، لكي تتوافق وتناسبَ كل مرحلة من المراحل القادمة..

ورابعاً تعلم الغالبية الساحقة من تلك النخب السورية من مثقفين وسياسيين وقادة وأصحاب شأن عام، وممولين ورجال أعمال وكتاب وفنانين، وسحرة وحواة ولاعبي كشتبانات، ممن يدافعون بمناكبهم الصفوف الأولى دوماً كالحمير، ويصهلون صهيلاً كالجعير، وممن قضوا من أعمارهم ردحاً طويلاً من الدهر باحثين عن المال والسمعة والمكانة والصيت والوطنية المصطنعة والتميز الأعمى، والاستعلاء على عذابات الناس وشقائهم الأسطوري، مدفوعين قهرياً بعُصابِ الشهرة وأمراض التاريخانية المرضية المنشأ.. يعلم هؤلاء أيضاً أن نصيبهم لن يكون إلا “خُفَّيْ حُنَيْن” فحسب، بعد أن يرتطموا بجدار الحقيقة المؤكدة: بأنّ حُنيناً قد مات وشبع موتاً منذ زمن طويل، وأن خُفَّيه ماكانا سوى وهمٍ من الأوهام، وخيط سراب يجرون وراءه في سُبُحاتِ عقولهم المُهَوِّمة.

وخامساً يعلم الأقلويون والمقتسمون وذوو الطمع بأجزاء إقليم، والسائرون على درب ملوك الطوائف، من الأذكياء أصحاب نظرية انتهاز الفرص، فرم الناس في الوقت الضائع، وتقطيع أوصال الوطن المُقَطع أصلاً، ومن الذين وجدوها فرصة حسبوها سياسة وحكمة وعبرة ، فهي لاتسنح في الدهر إلا مرة، من إتاحةٍ قلما انفرج بابُها على مثل هذه الفوضى والتلاشي وزوال مركزية الدولة وانعدام التوازن العام، وضعف أقوام، وقوة كاذبة مصطنعة تتبدل كلّ بضعة أيام، والإستقواء بكلِّ قوى النور والظلام على الوطن وأهله، والتسابق في الغدر والاستثمار في العهر وعلى الله الأجر.. يعلم هؤلاء أيضاً أن زمانهم وزمان حساباتهم قد فات وانقضى وهو محكوم بالأفول، وأنهم ماضون نحو الاندثار، إلا من قبح النوايا والأفعال، وسوء الطوية والسيرة التي سطَّرها التاريخ.. يعلم الجميع أن سوريا الوطن، وسوريا الدولة الحرة الحديثة، والمجتمع الحي والكريم، كانت ضحيتهم مثلما كانوا ضحاياها، وأن ماقبل القبل سوف يلتقي مع ما بعد البعد، وحيث المنتصر الوحيد هو شَطْرٌ من السوريين الشرفاء، من ذوي العفاف والكرامة والتميز، والذين غُدِرَ بهم وتُركوا وأسلموا.. منهم من صار شهيداً ومنهم من لايزال يستشهد وهو حيٌ حتى اليوم وكل يوم.. وإلى حين موعد لقاء جميع الوجوه بجميع الوجوه، حيث سيعلم الخاسرون في هذه المتاهة التاريخية كم كانوا هم الرابحين، ويعلم الرابحون(أو من توهموا بأنفسهم الربح) كم كانوا هم الخاسرين..!؟

وكم هي المسافة شاسعة ولاحبة بين عليين…. وخُفَّيْ حُنَيْن..

By

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *