الجمعة. مايو 15th, 2026

نجم الدين النجم – المشهد السوري

في خضم هذا الصراع السوري على البقاء والإستمرارية ولدت حلقات صراع جديدة للشباب السوريين في مغتربهم القاسي ، فبعد إفراغ سوريا من القوة الشبابية الناشطة والتي حملت ولا تزال الثورة الشعبية على ظهرها للوصول إلى الحرية والقضاء على الفساد والمحسوبيات، مازالت تعاني هذه الفئة تهميشاً أشبه بالإستبداد الذي قد يختلف شكله لكنه ذات المضمون في الإستبداد الأسدي الذي كانوا يعانون منه في ظل دولة البعث السورية .

أفرزت الثورة السورية مئات المؤسسات الإعلامية كحاجة ملحة لدعم الثورةالشعبيةللوصول إلى هدفها كما أفرزت أيضاً عدداً لا بأس به من الناشطين الإعلاميين كمصورين وكتّاب ومراسلين ومحررين و مصممي غرافيك تحول بعضهم بعد 4 سنوات من الممارسة إلى أصحاب خبرات جيدة سدت جزء من النقص الناتج عن إنعدام توفر هذه الفرص قبل الثورة كونها كانت حكراً على البعض دون البعض الآخر .

في هذه الأيام تضج مدينة غازي عنتاب السورية بأحاديث الإعلاميين والصحفيين المحترفين منهم والهواة – كونهم يعيشون وسط إحدى حلقات الصراع الجديدة – حول الفساد والمحسوبيات والتعفن الإداري لمعظم المؤسسات الإعلامية الناشطة في المدينة وهي بالعشرات ، حيث تمارس إدارات هذه المؤسسات اسلوباً بعثياً خالصاً كما يقول البعض في تعاملهم مع موظفيهم والباحثين عن  وظيفة فيها .

تقول عبير وهو اسم مستعار لإحدى المذيعات العاملة في إحدى هذه المؤسسات فضلت عدم ذكر اسمها الحقيقي : ” تتّبع معظم المنشآت الإعلامية السورية هنا آليات استبدادية في تعاملها مع موظفيها، أنا أعاني كالكثير من زملائي من هذه الممارسات المجحفة بحقنا لكن ما باليد حيلة تذكر ” .

تضيف عبير : ” في بداية عملي كمذيعة للأخبار أجبرت على القبول بأجر متدني لا يتجاوز ال800 ليرة تركية في مدينة هي ثاني أغلى مدينة في تركيا مستغلين عدم حصولي على شهادة جامعية متخصصة في هذا المجال وحاجتي لهذه الوظيفة لإعتبارات مهنية ومادية دون النظر للكفاءة والموهبة التي لم يكونوا ليمنحوني الفرصة لولاها أصلاً ” .

تتابع عبير حديثها : ” الآن وبعد سنتين من العمل واكتساب الخبرة وتحمل المعاملة السيئة فوجئت بتهديدات من مديرة المؤسسة بإقالتي من الوظيفة بسبب أنني لا أتطور ! ، رغم أنهم لم يمنحوني أي فرصة تدريبية في هذا المجال ، لكن أستطيع القول أنه وبعد سنتين من العمل كان السبب وراء هذه الإقالة هو توفير جزء كبير من الراتب الذي ارتفع خلال هذه المدة من خلال توظيف أحد المذيعين المقربين من الإدارة والحصول على عمل حتى لو بأجر ضئيل ”

أحمد.س ناشط صحفي هو الآخر يحكي لنا تجربته مع احدى هذه المؤسسات :” بعد طول إنتظار حصلت على وظيفة في إحدى المنشآت الإعلامية كمحرر للأخبار بمرتب ضئيل، وبعد قبولي بالشروط المفروضة من عدم توقيع عقد وظيفي يوضح لي حقوقي و واجباتي وانعدام وجود عطلة أسبوعية يحصل عليها كل الموظفين في العالم بدأت العمل واعتقدت ان هذه الأمور لابد أن تتحسن بقادم الأيام ” .

يضيف أحمد :” كنت أتعرض لسوء معاملة ولإهانات متكررة لم تكن مألوفة لي من قبل ،كنت أشعر أنني كعمال مناجم الفحم المستعبدين الذين يظهرون في الأفلام ، لكن كنت أتحمل مشقة الصبر عليها لرغبتي في أن اطور نفسي في هذا المجال أكثر ولأستطيع أن أعيل عائلتي في هذا المغترب ، وكان المشرف العام في هذه المؤسسة دائماً ما يخاطبني بمصطلحات مثل (حافظ على لقمة العيش) أو ( نحن نعطيك خبزاً وعليك أن تدفع ثمنه عرقاً)، عدا عن الألفاظ البذيئة التي لم أعتد عليها أبداً ، وبعد عدة أشهر وبينما كنت أفكر بترك هذا الوظيفة تمت إقالتي لإقتراب موعد رفع الراتب والحصول على العطلة الإسبوعية كما يجري العرف في هذه المؤسسات عادة دون أي عذر يتعلق بالمهنية والكفاءة ” .

ويقول عروة.أ وهو كاتب وصحفي : ” قرأت على الإنترنت بوجود شواغر في مؤسستين إعلاميتين في غازي عنتاب ،فأرسلت سيرتي الذاتية مع نماذج من المواد والتحقيقات التي كتبتها سابقاً إلى الإيميلات المخصصة ، وشعرت بالتفاؤل لثقتي بنفسيأ نني سأحصل على إحداها حتماً بعد إجراء أي مقابلة أو إختبار ، وبعد عناء الإنتظار لاكثر من شهرين فوجئت من حديث أحد الأصدقاء الإعلاميين بأنه تم اختيار الموظفين منذ مدة وأن إعلانات الوظائف هي مجرد روتين يفرضه الداعم على المؤسسة ، بل أن إحدى هاتين المؤسستين جلبت موظفة عربية غير سورية من خارج تركيا ودفعوا لها تأشيرة الدخول المفروضة كونها من أصدقاء الإدارة المقربين ! “

يتابع عروة : ” لم أشعر بغضب من عدم حصولي على الوظيفة بقدر ما غضبت من هذا الإزدراء واللامبلاة ، حيث كان من المفروض أن يتم إرسال رد بالنفي كحال أغلب المؤسسات التي تحترم الإنسان في هذا العالم ” .

دائماً ماكان للصحافة والإعلام الدور الأكبر في تسليط الضوء على المشكلات الاجتماعية والإنسانية في مجتمعاتنا المغلقة والتي غالباً ما كان الخجل حيناً أو الخوف حيناً آخر يمنعها منالظهور للناس ، إلا أن هذه المجالات – الصحافة والإعلام – كغيرها من المجالات تنشأ في كواليسها مشاكل وأمراض لا يمكن أن نتخلص منها إلا بالتخلص من مشاعر الخوف والخجل لتشخيص المرض ونقده والقضاء عليه .

By

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *