دَيْنُ الأوطان.. ووفاءُ الشعوب
مدير التحرير
أتذكر اليوم”أم علي”، تلك المرأة الشجاعة الباسلة.. رأيتها أول مرة في البيت الذي اتخذناه مقراً لأولى أنشطة الثورة السلمية، أيام المظاهرات، في الشهر الرابع أو الخامس لانطلاقة الثورة.. قدَّمني لها صديق مشترك وعرَّفنا ببعض، كانت المرأة في عقدها الخامس تقريباً، وقد لجأت إلى أصدقائي لمساعدتها في مشكلتها التي حدثت ذلك اليوم، وكانت بالنسبة إليها بمثابة كارثة كبرى دونها الموت، فقد اعتقل(الأمن العسكري)ابنها الوحيد، ابن السابعة عشر تقريباً في ذلك اليوم الذي تعرفتُ فيه إليها، التقطه(العناصر)من أطراف المظاهرة أثناء المطاردات، واختفى الفتى كالعادة.. كانت المرأة لا تكاد تعي مايدور حولها من هول الصدمة والألم النفسي الفظيع الذي تعانيه.. ذاهلة، شاحبة، تتلعثم في صياغة الحروف وهي تتكلم، ويكاد منظرُها يوحي بأنها تُحْتَضَر أو هي على وشك هلاكٍ مطبق.. لكنها، وللغرابة أيضاً، تكاد توحي بأنها تحررت من عبءٍ لا يُدرى ماهو، فقد أطلقت المصيبة لسانَها وسجيتها، وحَلَّت عقدةً مستحكِمة طيلة سنوات عمرها، فراحت تنطلق في الحديث بتدفق؛ كأنها تريد أن تتحدث في ساعة، ماحبسته في صدرها لسنينَ طويلة.. كانت تدمدم وتهمهم كالمجنونة، وكمن يتحدث إلى نفسه وهي تهمس بعلو صوت:
(ألله ياخذنا، ألله ياخذنا كلنا.. لماذا تركناهم خمسين سنة يحكموننا..؟ واليوم.. اليوم فقط خطر ببالنا أن نثور عليهم.. لماذا تركناهم يعبثون بنا كل هذه السنين؟ أين كنا؟ وما الذي جنيناه على أنفسنا؟ كنا نبحث عن أماننا الشخصي ومصالحنا، أليس كذلك؟ كنا نخاف من الموت ومن معتقلاتهم، أليس كذلك؟.. في الثمانينات وقفنا نتفرج ولم نحرك ساكناً.. معظمنا أدار أكتافه وكأن الأمر لا يعنيه في قليل أو كثير، وراح يفكر فقط بنفسه وبحياته الخاصة.. فليأخذنا الله اليوم لأننا نستحق مايجري علينا.. تركنا(رياض الترك)وحده، ومعه بعض السوريين.. عشرات أو مئات الشبان لا أكثر.. تركناهم في قلب معركتهم مع النظام، وآثرنا الجُبْنَ والاختباء في البيوت والبحث عن الأمان.. تركنا (عصام العطار)وحده، مع بضعة شباب قتلوا وسجنوا وعُذبوا وكأن القضية هي قضيتهم وحدهم، وشأن خاص بهم، لا بنا جميعاً كسوريين.. أما الجميع فكانوا”يمشون الحيط الحيط ويقولون يارب الستر”.. لماذا لا نعترف؟ نظرنا إلى كل معتقل وشهيد ومعذب وثائر نظرة ازدراء واحتقار، وكنا نردد في مجالسنا: مَن قال لهم أن يشتغلوا في السياسة؟ كأن السياسة هي خاصة محتكرة ومقصورة على بيت الأسد وأعوانهم فقط.. تركناهم يدمرون حماة ويقتلون مئات الآلاف، ويعتقلون مثلهم دون أن يعنينا الأمر في شيء.. ركضنا وراء المال، ووراء الأولاد، فأين المال الآن؟ وأين الأولاد..؟هَمُّنا في الحياة كان بعض الأمان الشخصي والرفاه الشخصي، والسكينة والموادعة والجلوس في البيت أمام الأخبار.. كأن بيت الاسد سيرحلون فجأة وبالصدفة، أو سوف ينزاحون عن كواهلنا وصدورنا التي جثموا عليها بتقدير ظروف طبيعية لا تَدَخُّلَ لنا بها.. ظننا أننا سننجو بذلك.. ليأخذنا الله إذن، اليومَ وكلَّ يوم، على جبننا وعلى تفريطنا وعلى حيادِنا الذي سندفع اليوم ثمنه بكل تأكيد.. ماذا فعلنا بأنفسنا؟(ظلت المرأة تصرخ وتردد:(ماذا فعلنا بأنفسنا)لبضعة دقائق متوالية)، وكيف جنينا على أولادنا وأحفادنا حين أورثناهم تركة آل الأسد الباهضة الثمن؟ في الثمانينات سجَّلها الوطنُ علينا دَيْنَاً مُستَحَقاً.. واليوم سيستردُ دَيْنَه، اليوم سيستردُ دَيْنَه مع الفوائد الباهضة والمتراكمة لذلك الدَيْن.. أليوم ادركنا أن الوطن كان في الثمانينات بحاجتنا وأننا خذلناه.. وإذا خذلناه اليوم مرة اخرى فسوف يُضاعفُ الفائدة لبضعة سنوات أخرى.. الوطن لا ينسى حقَّه على أبنائه، ولا يسامحُ مهما ظننا عكس ذلك أو توهمنا خلافَ ذلك..)
كانت الكلمات مجنونة، غاضبة، ومحتقنة ومستفزة، لكنها عميقة بحق.. سمعت كلماتِها في أشهر الثورة الأولى، واليوم، بعد مرور ست سنوات على الحادثة، لست أحسب أنني سمعت ماهو أعمق أثراً من كلمات تلك المرأة البسيطة “أم علي”، حتى من معظم النخب السورية السياسية والمثقفة التي قالت كثيراً وكتبت الأكثر.. من حُسنِ حظ “أم علي” أن وليدها، ووحيدها اليافع “علي”، قد أفرِجَ عنه بعد بضعة أيام، لكنّ حالَ الكثيرين ممن اعتقِلوا يومَها، وأثناء هذه المرحلة لم يكن كحاله، فقد اختفى سوريون وراء تلك القضبان والجدران، وغابوا وذابت لحومُهُم وأجسادُهم خلف تلك الغياهب؛ وذهب أكثر منهم في ساحات القتال وتحت قصف الطيران، وهُجِّر أضعاف عددهم واقتلعوا من مدنِهم وقراهم..
حسب منطق “أم علي” ذاك؛ إذا كان لكلِ مجتهدٍ نصيب، فالمجتهدون في تضييع الوطن، والمسرفون في التخلي عن حريته وحقه وكرامته، لا وطنَ لهم، ولايوجد فينا من يمكنه أن يتحلل من المسؤولية، وليس ثمة من يحق له أن يقول:(أنا مادخلني، فالذنب ذنب الآخرين وحدهم).. وليس ثمة من يحق له أن يقول: (أنا أديتُ واجبي وفعلت ما فعلت.. والآخرون لم يفعلوا)، فالكلُّ مسؤول بطريقة أو بأخرى، والفرص واتت الجميع، وإن لم تكن ظروفُها واحدة ومتساوية.. اليوم نرى” علويين”جاءتهم كل الفرص التاريخية، وقُدمت لهم على طبق من فضة لكي يستثمروا ما أتيح لهم من إمكانات لاحصر لها ولا حدود، في بناء وطن كريم عزيز يعيشون فيه هم وأخوتهم بقية السوريين في شراكة تاريخية، فأهدروا الفرصة وطوّحوا بتلك القوة التي امتلكوها، وبالثروة والمنصب والحريات الكبيرة التي أتيحت، فضاعوا وضيعوا.. ونرى “كرداً” فعلوا مثلما فعل أولئك “العلويون” في تدمير الفرص وتضييعها، فذهبوا في مهب الريح وأذهبوا غيرهم معهم، ونرى “عرباً وسنة”، ظنوا أنهم يذهبون إلى الله حين يمكنون لداعش وأمثالها، فإذا بهم يستأجرون الوطن بيتاً مجانياً للشيطان، دفعوه من كلفة دمائهم وأموالهم وأهليهم وأولادهم، ونرى “دروزاً ومسيحيين ومن بقية القوميات والطوائف”.. بل ونرى هاربين من المسؤوليات، ومصيبة المصائب أننا لم نرَهم حين احتاجَ الوطن إليهم، ونرى “ثواراً” وفاعلين أساسيين، وطاقات شعبية كبرى، بعضُها لعب دورَه التاريخي في ساقة الحدث ومصداته وملعبه المباشر، وبعضُها احتل هوامشَه، وكثيرٌ منها لعب في وقته الضائع وعبث به، ظناً منه أنه سوف يُفلِت بنفسه وينجو من فاتورة الدفع التي تؤجل وتؤجل، لكنها لا تزول ولا تسقط فوائدُها بالتقادم: فاتورة دَيْنِ الأوطان المستحَقة آجلاً أم عاجلاً، وكمبيالات الدفع المستحقة على السوريين جميعاً آجلاً أم عاجلاً .