الخميس. فبراير 12th, 2026

 الدولة والسلطة

معبد الحسون

عمَّمَ البعثُ خلال نصف قرن مضى، ثقافة متناسبة وملائمة لسياساته ومراميه في مصادرة الحريات، واحتكار المال العام لصالح فئات مقربة، ومصادرة الدولة السورية وصبَّها في قالب السلطة.. بل حتى تغيير اسم السلطة واستبداله بالدولة، مابات متخيلاً في الوعي المباشر لعامة السكان، حتى في منطوق اللفظ المتداول والمتصور من عبارات: “الدولة هكذا تريد”..”لا تستطيع أن تواجه الدولة أو تتحداها”..”هذه ليست إرادة أهالي وعشائر وأشخاص، وإنما إرادة دولة”.. وما يُقصدُ منه دائماً بالدولة، فإنه يعني حصراً السلطة.

هذا التمويه اللفظي مناسب لسلطة دكتاتورية، وقد لعبت كل الأنظمة الشمولية في العالم في ملاعب اللغة وتدويرالألفاظ، بحيث يناسب المنطوق الدارج لدى السكان مراميها الخاصة، وهذا أمر طبيعي مناسب في مسلكها وإراداتها الطغيانية؛ أليس الوطن مجرد روضة اطفال، والشعوب مجرد أطفال في هذه الروضة؟ إذن من حق “السيستر”أو(المربية)أن تَفهمَ لغةَ الأطفال وأن يفهموها.. بالإيماء.. بالإشارة.. بلغة ومنطوقات خاصة، لا يتم تداولُها إلا فيما بينهم..

مبدئياً نستطيع، حسب مقدار ودرجة معارفنا، أن نفهم الدولة ونعرفها بأنها مجموع مصالح وإرادات كل الشعب، وهي انسجامُ ثقافاتِهِ المختلفة مع تلك الإرادة والمصالح، وإعادة إنتاج المنافع العامة وصياغتها وتشكيلها في مؤسسة كبرى جامعة وقابلة للتطور مع التطور العام وللصالح العام، فالدولة إذن هي ارادة الشعب، وهي حريتُهُ مجموعةً في مؤسسة منتظمة.. وما السلطة إلا أحد مفرداتها وحاجاتها الحيوية التي تُكَمِّلُها، فالأنف أحد أعضاء الرأس، يكمله ويستأنف وظائفه به، لكنه العضو الجزء الذي لايمكنه تحت أي منطق أن يحلَّ، وظيفياً، محلَّ الرأس الأصل، وأن يكونَهُ.

الدولة إذن هي الحرية، وما انفجرت الثورة السورية إلا من أجل تلك الحرية التي يجب أن تمثلها وتعبرعنها الدولة، وهي كرامة الناس ومصالحهم، وهي الضامن لذلك التصالح والتوافق بين حرية الأفراد والجماعات، وأي قصور في أدواتها وأدائها يعني بالضرورة قصوراً في الحريات والمصالح والمنافع العامة لصالح أفراد ضد أفراد، فإذا انحازت الدولة عن تعبيراتها، وزُحْزِحَتْ عن أن تكون إرادة جماعية شاملة، أُعطِبَت، أو حتى كفّت عن أن تسمى دولة. فإذا كان (تعب الدولة راحة)..كما يقول المثل.. فإن(راحة السلطة تعب)..

منطق السلطة البعثية والأسدية إذن حين كانت تريد أن تعمم مفردة السلطة ووظيفتها، بحيث تكون السلطة هي الدولة والدولة هي السلطة، لم يكن عبثياً ولامنطقاً متوهماً يُهَوِّمُ في فراغ الخطأ غير المقصود، بل لقد كان مقصودا واعياً، هدفه التغول على الوطن والناس جميعاً، واختصارهم بمصلحته، وسرقتهم والبطش بهم متى أراد، وكلما تناقضوا معه في التفاصيل، إنه ذلك المحتوى العميق والخاص الذي لخَّصه لويس الرابع عشر، بقوله: (أنا الدولة والدولة أنا).. فنحن إذن أمام حالة تستحق التوقف عندها والتريث في تعريفها، فما أنجزه البعث، ودولة الأسد الأب والابن، كان عكس التعريف السابق، وخلافه.. من يريد أن يخدع الناس ويقنعهم بأن دولاب السيارة يمكنه أن يكون هو السيارة في أحد معانيها، وأنّ وظيفة وبنية جهاز ومؤسسة الدولة يمكن أن تحتلها السلطة، بوظائفها التنفيذية الأدواتية: جيشاً أو جهاز أمن أو شرطة.. هواليوم من يستعير مفردات السلطة الأسدية ووسائل تعابيرها.. وأنا هنا إنما أتحدث عن الأمم المتحدة ممثلة بـ”ديمستورا”، والولايات المتحدة ممثلة بخارجيتها و”كيريـ”ـها، والخارجية الروسية ممثلة بـ”لافروفها”، والتي تحاول إقناعنا أنها لا تسعى إلى أكثر من الحفاظ على الدولة السورية ومؤسساتها، خاصة الجيش، وإصلاح المؤسسة الأمنية، هذا بعد أن تكشف لنا أنه لم يكن يوجد في سوريا أصلاً دولة، لا اليوم ولا في الماضي منذ نصف قرن من الزمن..

لم تعرف سوريا الدولة الوطنية، لاخلال حقبة الماضي الإستعمارية، ولا في المراحل التي تلتها.. ولكن من الإنصاف أيضاً أن نُقرَّ بأن جهوداً كبيرة بذلها وطنيو سوريا وأحرارها ما بعد الإستقلال وبناء الحكم الوطني من أجل تأسيس دولة سورية حديثة ومعاصرة، وأن هذا التأسيس قطع شوطاً معقولاً، ورسَّخ بُنى وبذر بذوراً في مراحلَ تجاوزت العشر سنوات في خمسينات القرن الماضي، لكن هذه المحاولة طُوِّح بها واندثرت ابتداءاً من إعلان الوحدة المصرية السورية، وحين جاء البعث إلى السلطة استأصل المحاولة الوليدة من جذورها، وألقى برأسمالها الصغير من النوافذ في مهب الريح، فانتهت الدولة منذ أن قرر بأن سلطاته هي الدولة. ومع بداية السبعينات، وتكريس دستور الأسد الأب الذي صرف مفاهيم “الأبد”الرئاسي والطائفي والمخابراتي البوليسي لصالحه، وصالح العصابة المحيطة والمعاونة له، تم الإجهاز على الدولة السورية مرة واحدة، ببدائل سلطات آل الاسد.. لذلك نقول ونكرر، للعاملين على صيغة مرحلة انتقالية ومصالحة وطنية وخطة عمل تقوم مركزيتها على الحفاظ على الدولة السورية ومؤسساتها، نقول لهم: خذوا حصتكم من دمنا.. وخذوا الدولة السورية ومؤسساتها المزعومة.. وخذوا أسدها وميليشياته وذئابه وكلابه.. وانصرفوا .

By

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *