الحرب السورية.. ما “علمْتُمْ وذُقْتُم”..؟ أم “الحديثُ المُرَجَّم”..؟
معبد الحسون
هذا الإثنين لن أتحدث عن الحرب السورية فيما”عَلِمْتُم وما ذُقْتُم”منها.. لعل بعض القراء علم أكثر مما علمت، وذاق أكثر، فمعظم السوريين ذاقوا وبالَها وويلاتها، وعانوا أكثر مما عانيت، هذا في حكم المؤكد.. غير أني اليوم سأتناول “حديثَها المُرَجَّم”، (وهي الأخبار التي تأتيك من باطن الغيب)، وماتستطلعُهُ تلك الأخبار اليومية المستفيضة، وتستلهمُهُ انطباعات المتابعين وتحليلاتهم وآرائهم.. أما بالنسبة لي شخصياً، فإن حديثَها المُرَجَّم لا يكاد يختلفُ عما آلت إليه الأحداث المشاهدة اليوم، إلا في تفاصيل وتنويعات قليلة، وإلا بالنزر اليسير من حديثِهِا المُرَجَّم قبل أشهر مضت، وعما قلتُه مراراً في السابق، وما كتبت فيه عدة مقالات، منذ بداية التدخل الروسي على وجه التقريب أو أسبق بقليل .
حديثُهَا المُرَجَّم كنت قد فصّلت فيه مراراً بأن مايتم تداولُه عن “سايكس بيكو جديدة”، لم نعد ننتظره، كحادث سوف يولد من باطن الغيب، ومن مستولدات الأيام التي لما تأتِ بعد، بل إن “سايكس بيكو الجديدة” قد بدأت، ونحن نعيشُها اليوم حالةً وتفاصيلَ تجري على الأرض، وكل ما في الأمر أنها لا تبدأ اليوم، بل هي تُسْتَكْمَل فصولاً . ولقد كان رأيي ـ وما يزال ـ أن “سايكس الجديدة”، بعد أن دفنت “سايكس السابقة” وورثتها، ستكون حصة الأمريكان حصراً، وأن الأمريكان، وحدهم ثم وحدهم ثم وحدهم . هم من يُقَسِّم التركة وهم يوزعونها، أقصد يأخذونها لوحدهم . كما أعتقد بأن الأتراك قد تدخلوا أو أوشكوا على البدء في التدخل في هذا الشهر الاخير، وأنهم قد تأخروا خمس سنوات ونصف، ولولا الإنقلاب الفاشل الأخير ربما ماصحوا من نومهم حتى الآن، وأن الأوربيين كانوا وما زالوا أشبه بالمتفرجين بلا فاعلية ساندة تذكر وذات شأن، وأن الدول العربية النفطية لا دور لها إلا في دفع الفواتير والتكلفات المالية المترتبة، وأنها سياسياً أوهنُ قدْراً من بيت العنكبوت، إذن فما شأن الأطراف الأخرى وما دورها: النظام، روسيا، إيران، تركيا، أوربا، الخليج، العرب.. مجازاً إن بقي هنالك عرب؟ والقوى التي تتقاتل وتصطرع في الميادين على الأرض: ميليشيات إيران والنظام، القوات الروسية، الميليشيات الكردية، داعش، النصرة أو( فتح الشام)، بقية فصائل الجيش الحر والجيوش اللاحرة..؟ ماشأن كل هؤلاء؟ وما شأن الائتلاف والقوى السياسية المتعددة والمتحركة في ساحة المشهد، وفي زاوية رؤية النظر المشاهَدَة؟ فهي أحياناً تغدو خماصاً وتروح بِطاناً، وأحياناً بالعكس . لاتغدو ولا تروح، ولا تَخْمُص ولاتَبْطُن . بل تتحارب وتقتتل إلى أن يأتي اليوم الذي ينتهي فيه المشهد، فتُكَفُّ أيدي المتقاتلين، ويُصرَفُ كثيرٌ من هؤلاء بعد إتمام نهاية الخدمة، حيث يستريحون وينالون(أو لاينالون.. لست أدري)تعويضات نهاية الخدمة . وحيث تُضاءُ القاعة من جديد، ويضحك المتفرجون على الممثلين، وبالعكس . ويتبادل المتفرجون والممثلون الأنخابَ والنِكات والذكريات، ويبكي الذين فقدوا أحباءهم في هذه المسرحية الدرامية ويستذكرون من فقدوا، ويصبح مرورُ أسبوعٍ واحد أو أسبوعين فقط من نهاية الحدث، كافياً لكي يُنسى أكثرُ من لانتذكر غيرهم اليوم، ولا تلهجُ إلا بذكرهم وحدهم وكالات الأنباء والصحافة الدولية، ومحافل صناعة الحدث والخبر .
سينفض السوق إذن، فمن طبيعة الأشياء أن تنفَضَّ الأسواقُ في النهاية . لا تقسيمَ كما يتوهم كثيرون، بمعنى أنه سوف تولد وتنبثق من قلب سوريا القديمة دولٌ جديدة ذات حدود ومدن وعواصم (وهذا ما يخلطُ في أذهان الكثيرين مشهدَ السايكس السابقة بالسايكس الجديدة)، فـ”السايكس القديمة” بريطانية فرنسية، تنتمي بروحها ورائحتها إلى تفاصيل القرن التاسع عشر ومعطياته ومستوجباته بالجملة، و”السايكس الجديدة” العتيدة أمريكية فحسب، تنتمي إلى الجيل الأخير من الحروب وإلى التطور الأخير للرأسمالية العالمية . ولكن ماذا عن بقية الأطراف الدولية والإقليمية؟ بالتأكيد سوف تكون موجودة، وأكثر من هذا التأكيد أنها سوف توزَعُ عليها، وبطريقة من الطرق، بعض حصص الضِباع والثعالب وبنات آوى، وحتى بعض حصص الكلاب والأرانب، وبالتأكيد سوف تساعد وتشارك في بعض المهام وامتيازات إعمار وقطاعات خدمة مختلفة ومكلفة . لكن الواقع المشاهَد سوف يُحيلُ سوريا إلى بؤر متغضنة متعفنة تشبه الثقوب السوداء، حيث تنتهي تصفية احتكار إداراتها إلى شيء من السيادة الشكلية لتلك الإدارات، والحماية الذاتية التي سوف تُغذى من هذا الطرف أو ذاك، وبالطبع كلُّ هذه البؤر في النهاية خاضعة لقرار مركزي واحد ينتهي في موشور الرؤيا عند موظف أمريكي مكلف من البنتاغون أو الخارجية الأمريكية لمراجعات الدول والأطراف، ومناطق الفصل الشكلي السياسي والإقتصادي والإداري، والذي لن تنقطع خيوطُهُ أبداً بالعاصمة المركزية دمشق، بل ستحتفظ بهذه العلاقة وتلك الخيوط لعشرات السنين القادمة.
لا أدري إن كانت رؤيتي السابقة هي “تحليل سياسي” كما يسمونه، أم أنها تهيؤات تشبه قراءات فتح الفنجان، أم هي قراءة فظة ويتيمة وفاجعية للواقع مجردة من كل عاطفة إنسانية ونشوة تفاؤل يجب أن لا نخسرها كلها، خصوصاً في هذا الظرف المُسَمِّم لوعينا الذاتي ولطاقتنا النفسية، أم أنني كنت أستجلي جلوةً قولَ شاعرنا الجاهلي (زهير بن أبي سُلمى) من باطن الغيب، حين يتحدث عن حرب عبس وذبيان التي يسمونها “حرب داحس والغبراء”، حيث يقول:
وما الحربُ إلا ماعلمتُمْ وذُقْتُمُ * وما هوَ عنها بالحديثِ المُرَجَّمِ
وما أشبه حربُنا بـ”داحس والغبراء”، وما أشبه الليلة بالبارحة..؟وما أكثر التقاطعات والمشاكلات الرؤيوية فيما بينهما، وليس أهم المشاهد التشبيهية فيما بين الحربين أن بدايتهما ونهايتهما الصِفرية العبثية تكاد تكون واحدة، بل لعل الفارق ربما كان في الشكل والدرجة لا في المضمون، فتلك التي وقعت في القرون السابقة كانت بين قبيلتين ساذجتين، وبإمكانات قتال وقتل بسيطة وبدائية، أما في حربنا هذه، فقد دخلت ألفُ عبسٍ وألفُ ذبيانَ، وبفارقٍ نوعي آخر، أنّ داحسَهم لم تقف خلفها أمريكا، تقاتل في صفها الخلفي، بإمكانات غيرها وموارد غيرها المالية، وببشر يقتلون على الأرض من سواها، وليسوا قطعاً من مواطنيها كما هو حادثٌ على الأرض السورية اليوم.