حَلَبٌ قَصْدُنا..
معبد الحسون
لن أتحدثَ عن المجازر المُرَوِّعة التي يجترحُها نظام الأسد وروسيا ضد حلب وأهلها دون تمييز، ولا عن المستوى المنحط بكل المقاييس، الذي فاق التصور في الوحشية والإنحطاط غير المسبوق الذي وصل إليه، إذ ليس لديَّ المزيدُ لأضيفَهُ على ماقيل وكتب.. ولن أتحدث عن الفيتو الروسي الخامس الذي استخدمته روسيا ضد الشعب السوري وقضيته الإنسانية العادلة، وأيضاً لأنه ليس في جعبتي المزيد عما قيل وكتب وتم تناقلُهُ وتداولُهُ.. كما أستطيع أن أتفهم حجم المرارة التي يستشعرُها كثيرٌ من البشر، لا السوريون وحدهم، من لحظات البشرية الأخيرة المؤسفة، وهي تنزف قيمَهَا التي حَصَّلتها عبر قرون حتى النضوب، وتخطو خطواتِها الصاعدة نحو خطر موت الضمير، وذروة غير سعيدة التحقق في نهاياتها المفاجئة المفجعة، ولا الأخلاقية، بَلْهَ أن تكون متوقعة أو محتملة، ومن سيرورة في انحلال المعنى لا تتناسب مع تاريخ الإنسان وصراعِهِ المرير من أجل تميزه العقلي والقيمي والحقوقي والمجتمعي، بعد هذا التدهور السريع المريع الذي شهدناه في السنوات الأخيرة، وبتحديد أكثر منذ أن انفجرت ثورة الحرية والكرامة في سوريا، وكيف كشفت العالم أو انكشف العالم بها، وكيف تعرَّت وتلطخت الحقيقة بالحقيقة، وانتكس التقدم الأممي الطبيعي للإنسانية، وازدهر الجنون وانبثقت البدائية، وانتصرت شرائع الغابات والحيوانية التي مضت قبل آلاف السنين، وكنا نحسبها مضت إلى غير رجعة..
لا أريدُ أن أدورَ وأكررَ كلماتٍ جريحة، تصف ما يجري في حلب على مرأى ومسمع من العالم أجمع، وعلى عجز كامل عن النطق حتى بما يسمونه أضعف الإيمان، لسبب أجده بسيطاً ومقنعاً، وهو أن هذا الشرَّ المُفْظِع كلَّه شيءٌ غير حقيقي، شيءٌ لا قوامَ له، وهو ـ مهما اختلفنا في توصيفه ـ ليس نصراً للأشرار بكل تأكيد، فالأشرار مهما بلغوا وبالغوا، ومهما سمقوا صعوداً في سلم القوة، يظلون عاجزين ومُعوَقَين ومصابين بعوارٍ وفواتٍ، حتى في التركيبة البنيوية التي تُعَرِّفُهُم، وأكثر من ذلك وقبل كل ذلك، هم يستحقون الشفقة والرثاء، لا ضحاياهم..! لأن ضحاياهم يمتلكون قضية ما، قضية تشهد لهم أوعليهم، أما هم فعاجزون، وسيظلون عاجزين عن أن يمتلكوا قضية من أي نوعٍ كان، إلا إذا شطَّ بنا الخيالُ وتصورنا أن كواسر الفلوات ووحوش الغابات لها قضية يمكنُ التعرفُ عليها وبالوسع تفهُمُها، وهي تلتهم عصفوراً ذبيحاً وتبطش بغزالٍ جريح، أوتقتل كائناً بالصدفة، أوهي تجري وتمزق أشلاء عابرٍ جنبها.. إذا كانت هذه المخلوقات تمتلك قضية يمكن التعرفُ عليها أو تعريفها فمن الممكن، والحال كذلك، أن يكون للذين يدمرون حلب، أقدم وأعرق مدن هذه البسيطة فوق أهلها، قضية..
ليس مجلس الفيتو الدولي ومن يُفَيِّتون فيه هم نهاية العالم، فالعالم أوسع، والكون الإنساني أرحب، والله كان دائماً هو الأكبر.. وما من سقوطٍ وانحدارٍ في هاويات عصرالانحطاط هذا، والانحدار في لُجِجِهِ العدمية الحالكة إلا ويقابِلُهُ صعودٌ غيرُ منظور، وانتصارٌ غيرُ ذي معالم، وأمل يشقُّ غياهب الألم، ورُشْدٌ يترقى وراء ستائرِ السَفَه، ومنطقٌ يصعدُ في النهاية وراء ذلك اللامنطق، فالإنسانية لا تنتهي عند”أسد ولافروف وجعفري”، والذين نسأل اللعنة أن تغفرَ لهم ما تقدم من ذنبهم وما تأخر، ولن يكون السوريون وحدَهم في مواجهة هؤلاء الحيوانيي السمت والطبع والمستوى والنزوع، ولا أولئك الذين يقتلون كلَّ شيءٍ في هذه الحياة، ويُهَشِّمون كلَّ جميلٍ ومُضيءٍ فيها، وما دامت الشمس تشرق كلَّ يوم ويلمع شعاعُها، فإن قانون الكون يكاد ينطق بالقول: إنه ما كلُّ ما يلمعُ ذهباً، وما كلُّ حمراءَ لحمة، ولا كلُّ بيضاءَ شحمة.. هذا قانون..
بات العالم أجمع يعلمُ أننا لم نيأس ولن نيأس، ومن اليأس بمكانٍ أنْ يُرَاهَنَ على يأسنا وانكسارنا.. يومَ يقول الميزانُ ويلٌ للمطففين، ويَرْجُحُ الخفيفُ على الثقيل، وتُضرِمُ الشرارةُ الصغرى الغابَ، ويقتلُ “ماكبثَ” النعاسُ البريءُ.. كذلك يتمُّ التحققُ بأن حلباً عرفت في الماضي أكثر من هؤلاء الوحوش الذين لهم طعمُ الهيولى، ومنظرُ اللاشيء، وهُجاسُ الرحيلِ في التجريد والسوريال، وتاريخُ اللا تاريخ والعدم، وقَدَرُ نهاياتِ عصر الديناصورات البليدة الخاملة التي لم تمنعْها قواها من قانون الإنقراض والتلاشي، وتعلمُ كلُّ رياضِ الدنيا وجناتِها، كما يقول المتنبي(وهو صِدِّيقٌ مُصَدَّق في قولته هذه)، أن القصدَ والرحيل والرواح لايكونُ إلا إلى حلب.. كان في الماضي إلى حلب وسيبقى أبد الدهرِ إلى حلب، وكلُّ الجِنان.. وكلُّ الأوطان.. وكلُّ حبيبٍ قريبٍ.. وكلُّ خلابٍ وفتان.. وكلُّ ما يدعونا إليه ويجذبُنا في الطريق.. كلُّ ذلك مجرد سبيل، فقط سبيل، وبعضُ صُوى الطريق، ومجردُ علاماتٍ وشاخصاتٍ ، وقوارعُ أرصفة وممرات، متدارَكَة حتى الوصول إلى حلب.. منذ أن قرَرَ التاريخُ أن يبدأ من حلب، وعقدَ العزمَ على أن لاينتهي إلا في حلب:
كلما رحّبَت بنا الروضُ قلنا: * حلبٌ قَصْدُنا…وأنتِ السبيلُ