إعترافات
معبد الحسون
أعتقد أنه بات علينا ما يشبه الحتمَ والواجبَ أن ندخلَ لحظةً من لحظات الحقيقة، وأن نسميها باسمها الصريح: الإعترافات.. الإعتراف بفشل كل شيء، والإعتراف بدمار كل شيء، والإعتراف باللحظة الأشد قسوة ومرارة من أية لحظة؛ وهي سقوطنا وخروجنا من التاريخ والواقع والحضارة ـ كالهنود الحمر تقريباً ـ مثلما أعترف بأن هذا الإعتراف ذاته بات ـ فنياً وموضوعياً ـ مسألة صعبة بكل المقاييس، وأننا نحتاج إلى عون ومساعدة فيه من خارجنا، وأخذٍ بيدنا إليه.. فإباؤنا ورجولتُنا التي رضعناها في المهد، والتي حملناها معنا منذ عصور الجاهلية يأبيان علينا ذلك، وطبيعة المكابرة الموجودة فينا بنيوياً، كما لدى البشر جميعاً، هي أيضاً ترفض.. وهل يقالُ للمريض المد نف بالمقول الفج الصريح: إعترف يارجل بما أنت عليه؟ وأنك ستموت وتتلاشى وتتحول إلى عدم بعد أيام، أم يقالُ له العكس؛ من دواعي الكياسة المرهفة والأدب العالي الرفيع والخلق الحميد: حرارُتك طهورٌ إن شاء الله، وضعفك وتلاشيك التدريجي عارض ومؤقت، وأنت تتحسن والشفاء القريب مصيرك الذي تنتظره وننتظره معك؟
من الصحيح أكثر أننا ننتمي بالجملة إلى أمم قديمة ذات تاريخ شيدته العواطف والميثولوجيا، وصنعته الرغبات أكثر مما استبطنه العقل وصنعته الحقائق والحقيقة، ولطالما كنا نسمي لحظة الحقيقة العابرة الوامضة والمؤقتة بالشطحات الصوفية، ونعتبرها كذلك، ومن المستحسن أن نبقى، نحن الرجل المريض، على ما كنا عليه حتى لحظات الإنطفاء الأخير، وبالتالي لا جدوى من هذه الإعترافات ولا معنى لها، بيد أن الصواب أجدر بأن يقال، وأن اللحظة الزمنية الفارقة بين النهاية وإقرار تلك النهاية رسمياً قد حانت، ولم يعد بالتالي أي معنى للعواطف المنكِرة، وللشد والجذب اللذين تتخذهما اللغة البائسة للخروج من حالة الحصر والحصار التي نعيشها. من حق الكثيرين أن يشتموا ما شاؤوا من شخصيات أو قوى أو محاربين أو سياسيين أو جمعيات أو محافل دولية أو أنظمة أو رؤساء وملوكاً، وأن ينسبوا الفشل اليها، ومن حقهم أن ينعوا وأن يهذوا وان يقولوا ماشاء لهم الهوى أو بقاياه، طالما أنه كان دائماً هناك حق مُحتفَظٌ به للمحكوم بالموت أن يقول كلمته الاخيرة وأن يدلي برغباته الأخيرة وباعترافاته الأخيرة.. ولست بوارد إقرار في هذه اللحظات العاجلة أن أنسب فشلنا ومساحاته الواسعة إلى مؤامرة خارجية أو فشل بنيوي كبير يحتاج إلى دراسات ومجلدات بحثية مناطها حضارة عربية أو إسلامية أو شرق أوسطية أو سوريين متوسطيين أو غير ذلك، ولكن أجد من حقي، بل ومن واجبي أن أنعي، بل وأن أروِعَ أيضاً بهذا النعي، وبما تحمله كلماتي من قسوة مفرطة، بأن حجم الخراب الأخير لم يتناهَ إلى مدياته القصوى بعدُ، ولم تتعرف جغرافيتُهُ بعدُ، ولا حجمُ كلفته و فاتورته الأخيرة وباهضُ أثمانها النهائية المهولة.
العالم بات يتعرف على منطقتنا بوصفها وقتاً ضائعاً وفراغاً وضباباً تقتتل الأمم والدول عليه اليوم، لتضع يدها عليها، والناس في هذه البلاد كالحجارة، كلاهما قابلان للقصف بالطائرات وللتشكل من جديد، والفارقُ بين جناتٍ تجري من تحتها أنهار وجحيمٍ تجري من تحته دماءٌ ودمار لم يعد بوسع أديان المنطقة الشائخة ولاهوتها الرث المتهالك وطوائفها وعقائدها وأكليروسها المتنقل من عصور ماقبل التاريخ، ولا بوسع قواها السياسية ـ الواهنة والناهضة على حدٍ سواء ـ أن تتعرف الفوارق والتفاصيل فيما بين توصيفين، ولا أن ترسم وعياً لحظياً حاداً يَمِيْزُ خبيثَها من طيبها، ويفرقُ بين جينات الحياة والموات، ويدرك بوعي حادٍ الخيطَ الأبيض من الخيط الأسود من الحياة والعدم.
يقالُ دوماً بأن الطباخ الفاشل لديه خطة أخيرة للخروج من مأزق فشل طبخته.. خطة “باء” إن صح التعبير.. وهي أن يغمر الطبخة إما بالملح أو بالسكر، حسب نوع الطبخة، بحيث تطغى الملوحة أو الحلاوة على الطعم، فيضيع الطعم ويتماهى الفشل فيه، ولا يعودُ على ألسنة المتذوقين شيئ له استساغة وتميز، فينجو الطباخُ بفشله وبفعلته تلك.. بيد أن الأمور لم تجرِ دائماً هذا المجرى، فإن طباخنا، أو طباخينا الذين لا حصر لهم هؤلاء، الداخليين والخارجيين وفي سواء واحد(وأنا هنا أتحدث كسوري حصراً وإن كانت القاعدة تنسحب على كلِّ مُقَعِّداتها)؛ قد خلطوا الملح والسكر معاً، فلم يضِعْ طعمُ الطبخِ فقط، ولم يضِعْ الفشلُ وحده، بل تُرِكَ جمهورُ المتذوقين وأسلِمَ إلى مصائرَ تاريخية نهائية ليس بالإمكان الوصول فيها إلى محددات ثابتة ترسم التخوم بين الملح والسكر، فمن معركة تحرير الموصل إلى معركة حلب، ومن إفراغ معظمية الشام وقدسيا إلى إفراغ الشمال السوري وتل أبيض وجوارها، ومن مؤتمر “لوزان” الأخير الذي لم تتحدد فيه لا طريقة الوزن ولا طريقة تطفيف الاوزان، فلا كينونة ولا معيارية يصحُ فيها القولُ بأن داعش، قوة الشر الكبرى في المنطقة، قد يحلُّ محلَّها الحشدُ الشعبي في الموصل، وأن نظام الأسد، وهو أيضاً قوة الشر الكبرى في المنطقة، يتبخرُ يوماً بعد يوم ليحلَّ محلَّه روسٌ وإيرانيون وميليشيات طائفية وبيدا وبكك، ومن ثورة تموت وهي تنتصر، وتنتصر وهي تموت، ليحلَّ محلَها ثورة مضادة وفراغٌ وعوارٌ وبوارٌ .
لن ينتهيَ قدَرُ الشرق الأوسط سريعاً بكل تأكيد، ولن تتضح معالمُهُ الأخيرة والنهائية قريباً، هذا مؤكد.. وقد يستمرُ هذا الضبابُ الكثيفُ الكثيفُ أعواماً وتتعهدهُ أجيالٌ وأقوام، ولكن حتى ينتهي كل ذلك أجد لزاماً أن نبدأ باعترافاتنا المسؤولة، وأن نقرر ماهو صواب وما هو خطأ، وأن نسمي الحقائق بأسمائها.. لاشيء أسمى من الحقيقة، ولا شيء أثمن أو يستحقُ جدارة أكثر منها، ولذلك أجد دعوتي لهذه الإعترافات، أو للشروع بها صواباً جليلاً وواجباً لا يعلو عليه واجب ولا يتقدمه صواب آخر .