انتظروا.. إنا مُنتظِرون
معبد الحسون
يبدو المشهد السوري اليوم غير مختلف كثيراً عما كان عليه في في العامين الفائتين، وبالمستطاع وصفه بالقانون الناظم التالي:” إن الصراع الدولي العنيف الذي يأخذ نهاياته القصوى اليوم على الأرض السورية، كان صراعاً موجوداً بـ”القوة” سابقاً، وإنما تحول بدفع القضية السورية ونموها الداخلي والخارجي وتطورها الحاد النتائج إلى صراع بـ”الفعل”.. وتعبيرا ” القوة” و”الفعل” هما تعبيران فلسفيان كلاسيكيان، يشبهان قولنا: إن الخشب هو نار بـ”القوة” قبل احتراقه، وهو نار بـ”الفعل” بعد احتراقه، وإن الماء هو بخار بـ”القوة” قبل تسخينه، وهو بخار بـ”الفعل” بعد تسخينه.. لكن المعادلة السورية انعطفت انعطافاً حاداً في درجة لاعقلانيتها وعبثية اللامُتَوَقع وغير المسبوق في عناصرها المتدحرجة نحو المجهول، بحيث أصبحت النتائج التالية لا يصعب كثيراً ملاحظتها، ولا تحتاج إلى بحث مطول لاكتشافها:
ـ التدخل الدولي ضرورة استراتيجية أصبحت حقيقة قائمة غير مجادل فيها، ولقد كانت واحدة من حتميات ذلك الصراع العالمي، وجزءاً من مضمونه إذا ما حوكمت بمنطق درجة نضج العلاقات الدولية التي وصلت إليها اليوم، ومستوى التطور الرأسمالي العالمي، وفشل كثير من التصورات التي حكمت رؤية العالم فترة الحرب الباردة إلى مابعد سقوط الإتحاد السوفياتي والمنظومة الدولية الشرقية، وضبطت مستوى المآلات والوصولات التاريخية الناظمة لعلاقات عالم اليوم ببعضه البعض، وصولاً إلى ما انتهت إليه حتى بدايات الربيع العربي، وما أفضى إليه هذا الربيع اليتيم الأبوين، والفاقد للحضانة والرعاية والتعاطف من نتائج محزنة مؤسفة، والمتعاطى معه بمنتهى الفظاظة والقسوة.
ـ التدخل الدولي مغامرة دولية خاسرة من وجهة نظر الإقتصاد الدولي العالمي، ومكابدة في سوق الصراعات والتنمية الدولية الإقتصادية التبادلية المتنافسة، فهو ربحٌ استراتيجي(مشروط بضمان الإنتصار في نهاية هذا الصراع)، أما واقعاً راهناً فهو خسارة مادية مؤكدة في الواقع الميداني، سواءٌ في ذلك من ضَمِنَ الفوز في المعركة وظفر فيها، ومن لم يضمنْ ذلك.
ـ نصف التدخل لن يعفيَ أنصاف المتدخلين من فوات النتائج وحصائد الهزائم التاريخية . كما أن التفرج على المشهد عن بعد، هو سلامة مؤقتة تنطوي على خسارة تاريخية بالغة النتائج الكارثية.
ـ الطابع الأخلاقي المُلزم، والمواقف التاريخية الواجبة إنسانياً ومبدئياً وقانونياً، هي قضايا باتت اليوم خارج المعادلات السابقة، ولم تعد افتراضاً ملزماً لأي طرف من أطراف الصراع، ولو في الحد الأدنى الشكلي، فهي بدأت مطلع الثورة السورية وكأنها بوصلة موجهة للمسارات، ولو على المستوى اللفظي الإعلامي المتَظَاهر فيه، ثم انتقلت شيئاً فشيئاً إلى خلف مسرح الصراع في لحظة ما من لحظات تطور المسألة السورية، ثم غادرت المشهد نهائياً، فلم تعد موجودة لا أمامه ولا خلفه، إذ ليس ثمة اليوم من هو حريصٌ، ولو في الحد الأدنى، على ما سوف يكتبه التاريخ عنه وعن دوره في هذه الحرب شبه الكونية، ولا على ما سوف تقوله أجيال المستقبل بحقه .
ـ أخيراً يجب التذكير، افتراضياً، بأن النتائج الأولية للحتميات التاريخية لهذا الصراع الدولي المحموم والعنيف، والذي لم يظهر فيه خيطُ الشفق الأول بعد، بَلْهَ الأخير، ولا تَفَاصَلَ فيه الفجرُ الصادقُ عن الفجر الكاذب، ولم تتبدَ فيه أوْ لَهُ، بدايات تمايز الصراع وانحساره الواضح عما هو ملموسٌ ومؤكد؛ أن تلك النتائج المنتظرة سوف تحكم شكل العالم ومضمونه المستقبلي القادم، فنتائجه، بكل وثوقية وتأكيد، هي جزءٌ من الصيرورة التاريخية لمستقبل العلاقات الدولية الراهنة والمستقبلية(على الاقل في منطقة الشرق الأوسط)ولعشرات السنين القادمة، وربما للقرن القادم الذي سيحدد ويرسم شكل ومضمون ذاك الذي يسمى: المستقبل . فأوروبا قبل الحرب العالمية على الأرض السورية لن تكون كما هي أوربا بعده، وروسيا ما قبل الصراع على الأرض السورية ليست هي روسيا مابعد نتائج ذلك الصراع، وإيران القديمة السابقة، بالقطع لن تكون هي ذاتها إيران اللاحقة، وتركيا الـ”ماقبل” لن تكون تركيا الـ”مابعد”، و(الأخوة الأشقاء)العرب لن يكونوا هم أنفسهم(الأخوة الأشقاء)العرب لاحقاً، وبعد أن حولتهم صيرورة الواقع التاريخي إلى محكومين بفصام تاريخي بين ماهو مطلوب وما هو مرغوب، وبين العقيدة والمنفعة، وبين شكلانية الهوية التي تلزمهم بسوريا كواقع تاريخي لا يمكنهم التنصل منه، وتلزم سوريا بهم تاريخياً أيضاً،إلى شكلانية الدور، وبين ذلك العدم الهوياتي المفارق للعدم البراغماتي ذي المحتوى الفصامي الجنوني، والذي يعزز هزائمهم أمام المستقبل مثلما عزز هزائمهم في الماضي وكرسه واقعاً . بين (المصادرة على نتائج يظنونها)، والانتهاء إلى نتائج يخضعون لها ويُقسرون قسراً على بلوغها والتزامها .
كلُ شيءٍ في المشهد يملك قابلية التبدل والتحول في الشكل والمضمون، فالإسلام السياسي قبل داعش لن يكون هو نفسه الإسلام السياسي بعد داعش، والقضية الكردية قبل الثورة السورية لن تمتلك مفردات خطابها القديم الذي كانت عليه بعد أن تتمظهر الصورة الملونة”البوزيتيف” بعد ظهور نتائج الثورة السورية، والأسد وجميع الدكتاتوريات المنحطة التي تدور في فلك ذلك(العقل/اللاعقل)السياسي، والذي تنبعث منه كل عفونة الماضي في ركوده ورقاده الأبدي، والذي حكم طبيعة وواقع الشرق الأوسط لأكثر من قرن سلف، لن يعود القهقرى إلى ما وراء التاريخ، ولن يجد فرصه التاريخية المتاحة والمريحة التي انتهزها في الماضي، والتي ثَمَّرَتْهُ فاستثمرها، وتزوجتهُ فاستولدها كل ذلك البوار والهباء والعُقم الذي نعيشه اليوم واقعاً حياً بكل تفاصيله المروعة والكارثية .
لقد كان العالم قبل الثورة السورية كائناً حياً، له اسمٌ وشكلٌ وبنية بيولوجية محددة، وينتمي إلى فصيلة إحدى الكائنات الحية التي يمكن وصفُها وتشريحُها وتعريفُها، لكنه بالقطع سوف يتحول إلى كائن حي آخر مختلف . لا يشبه ذلك الذي كان الحال عليه في مستحقات مابعد ثورة السوريين، لا في الشكل ولا في المضمون . وليست هذه رغبة مُتَمَحَّلة، بل هي قانون نستطيع أن نراهن عليه.. فانتظروا.. إنا منتظرون.