خليل عساف
وفي هذا الوقت، أصدر “لواء ثوار الرقة”، المكون العربي الأهم ضمن “قوات سوريا الديموقراطية” بياناً حاول فيه التخفيف من حدة تصريحات عضو مكتبه السياسي محمود الهادي، في ما يخص توتر علاقة “اللواء” بـ”قوات سوريا الديموقراطية”. البيان تحدث عن “اشاعات تصدر عن أناس غير معروفين لبث الفتن بين ابناء الشعب الواحد”، في إشارة إلى تعليقات رجّحت وجود خلافات بين مكونات “قسد” على أساس قومي.
وشن الطيران الحربي لـ”التحالف الدولي” غارات قليلة على مدينتي الرقة والطبقة وقرية تل السمن منذ بدء العمليات، واستهدفت في الغالب سيارات يُعتقد أنها كانت تُقل قادة أو مقاتلين في التنظيم. إلا إن مجريات معارك الأيام الخمسة الماضية كانت قد جرت ضمن مثلث؛ تمتد قاعدته ضمن مناطق سيطرة المليشيات الكردية، بين بلدتي سلوك شرقاً وعين عيسى غرباً فيما رأسه هو نقاط تمركز تنظيم “الدولة” في قرى الهيشة وخنيزات وطويلعة على مسافة حوالي 20 كيلومتراً جنوباً. وقد تمكنت “قسد” من دخول الهيشة، الجمعة.
ويُحتمل أن تتوقف العمليات عند رأس المثلث، لأن ما سيلي تلك القرى هو مجموعة أخرى من قرى ومزارع متجاورة ذات كثافة سكانية أكبر، كما أنها أقرب إلى مدينة الرقة المدينة. ما يُرجح أن تتوقف المرحلة الأولى من العمليات القتالية عند أطراف هذه القرى والمزارع نظراً لتعقيدات الأرض الزراعية نتيجة كثرة أقنية الري والبساتين، والكثافة السكانية العالية، في مقابل قلة عدد القوات المُهاجمة. وبينما تمكنت المليشيات الكردية من تأمين غطاء عسكري لعملية الرقة، إلا أن عدم توفر غطاء سياسي للعملية، حتى الآن، يزيد من احتمال توقف العمليات عند مرحلتها الأولى.
في معارك الأيام الماضية، تكررت التكتيكات العسكرية اليومية من قبل المُهاجمين حيث قام الطيران الحربي، المروحي خاصة، بقصف مواقع التنظيم بنيران كثيفة اضطر معها المدافعون إلى إخلاء مواقعهم لتتقدم المجموعات البرية المهاجمة. كما كرر المدافعون أساليبهم ذاتها في الدفاع وإعاقة أو تأخير تقدم الخصم باللجوء إلى المفخخات والكمائن. وهي الأساليب ذاتها التي استخدمها الطرفان في ريف الحسكة وتل أبيض. التنظيم أرسل حتى الآن سبع مفخخات أصابت ست منها أهدافها، بينما اعترض طيران “التحالف” المفخخة السابعة ودمرها في محيط قرية الهيشة، قبل أن تدخلها “قسد”.
ولا تزال خطوط القتال متداخلة حتى الآن، حيث استمر مقاتلو التنظيم بالدفاع عن قرية الهيشة، رغم كل القصف الجوي والمدفعي الكثيف والمتواصل منذ خمسة أيام، قبل أن ينسحبوا منها في اليوم السادس. كما استطاع مقاتلوه التسلل إلى قرية الشركراك وأسروا خمسة من مقاتلي الميليشيات الكردية. والتقديرات الأولية تشير إلى خسارة التنظيم أكثر من 40 من مقاتليه، بينما أكد شهود عيان وصول 90 جثة لمقاتلي الميليشيات الكردية إلى رأس في ريف الحسكة.
وفي الهيشة، كان القصف المكثف بالمدافع والطيران، قد أوقع أكثر من عشرين قتيلاً في صفوف المدنيين. ودفع القصف سكان الهيشة وقرى خنيز وطويلعة والحدريات ومزرعة الحرية إلى ترك بيوتهم والنجاة بأسرهم وأطفالهم.
أحد سكان المنطقة النازحين، قال لـ”المدن” إن منطقة الاشتباكات خلت تماماً من السكان، وإن هؤلاء توزعوا إلى ثلاثة أقسام؛ قسم ذهب إلى الرقة، وقسم ذهب إلى قرى الريف الشمالي وبات معظمهم في عراء الأقطان في عين عيسى، أما القسم الأخير فاختار البقاء في الخلاء قريباً من بيوتهم، ليس بعيداً من ساحة القتال.
ويُضيف النازح أن الأمور صعبة و”صار لنا ثلاثة أيام ننام بالبرية. عند أقطان عين عيسى يوجد حوالي خمسة آلاف آدمي. وأهالي قرية الحدريات وهم حوال 70 عائلة تم تهجيرهم بالقوة. أما الأصعب فهو حال بعض جرحى مجزرة الهيشة، لا داعش تسمح لهم بالذهاب إلى الرقة للعلاج، ولا الأكراد يسمحون لهم بالذهاب إلى مشافٍ في مناطق سيطرتهم”.
وتستهدف العمليات العسكرية الحالية عزل مدينة الرقة عن ريفها الشمالي، ما يعني تفريغ المنطقة من سكانها للحد من قدرة مقاتلي “داعش” على شن حرب عصابات. فإذا نجحت المليشيات الكردية في ذلك، تكون قد خلقت واقعاً ديمغرافياً وسياسياً وعسكرياً ضاغطاً على الأطراف المعنية كافة، وخاصة الأطراف المحلية “العربية” التي ساهمت في تقديم غطاء سياسي لهذه المليشيات تحت اسم “قوات سوريا الديموقراطية”.
وبدأت الأطراف المحلية تتحرر من وهم الشراكة، برعاية أميركية، مع “وحدات حماية الشعب” الكردية. في وقت بدأت مليشيات “قسد” بتفريخ مجموعات بديلة باسماء ووظائف جديدة. فمجموعات مثل “صقور الرقة” و”شهداء الرقة” و”أحرار تل أبيض”، التي لا يزيد تعداد أفرادها مجتمعين عن 150 مقاتلاً، ورغم أن بعض قياداتها من الأكراد، فان قيادة “قسد” لا تسمح لأفرادها إلا حمل أسلحة خفيفة. كما أن تلك المجموعات تضم بعثيين قدماء أو بعثيين انضموا إلى الثورة ثم عادوا وصالحوا النظام، بتوسط من الميليشيات الكردية.
“قسد” نجحت حتى الآن في استثمار فزاعة “داعش” ومطابقتها مع السكان العرب السنّة في الحسكة والرقة وريف حلب الشمالي، ما ساعدها على تنفيذ برنامج تطهير عرقي هادئ ومبرمج بحق السكان، برعاية من قوى دولية نافذة. لكن “قسد” بدأت تُشكل أيضاً تهديداً وتحدياً أمنياً مباشراً، قد يصبح عسكرياً، لتركيا التي لا تستطيع أن تراقب إلى ما لا نهاية تشكل شريط حدودي بطول أكثر من 500 كليومتر وبعمق يزداد مع تقدم العمليات العسكرية على حساب تنظيم “داعش”.