أبو عمر الشيشاني وعمر علوش، شهادة شاهد عيان من عين العرب “كوباني”

ظهيرة أحد أيام شهر أيار 2014 كنتُ في معبر عين العرب على الحدود السورية التركية أنتظر قريباً لي قادماً من تركيا؛ كان هناك آلاف الأشخاص ينتظرون. رجال ونساء وأطفال، محشر مُصغر من سورية. بعض يريد العبور إلى تركيا هرباً من الأوضاع الأمنية المتردية؛ وبعض يخطط لركوب البحر من الشواطئ التركية إلى أوربا. بعض يعمل بتهريب مواد وبضائع بحجم ما تحمله حقيبته وبعض آخر، مثلي، ينتظر قريب قادم أو شخصاً يحمل له أمانة أو بعض نقود أرسلها زوج أو ابن أو أخ لأسرته.

لم تكن البوابة الحدودية مفتوحة لحركة الدخول والخروج بشكل رسمي؛ فكان ثمة منادٍ من الجانب التركي من البوابة يُنادي بأسماء مَنْ تسمح السلطات التركية بدخولهم أو خروجهم وفق قوائم يتبادلونها مع عناصر حزب PYD الذين يسيطرون على البلدة ومعبرها.

كانت عيوننا جميعاً تشخص إلى الباب الحديدي الصغير، ومنه يخرج الناس ويدخلون، في كل مرة نادى المنادي واجتازه خارج أو داخل. إلى أن جاءت المفاجأة ونادى المنادي من الطرف التركي باسم شخص سيعرفه كل العالم بعد قليل، بعد أن كان شهرته قد بدأت تتصاعد شيئاً فشيئاً منذ إعلان ما يُعرف اليوم بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)؛ التنظيم الأكثر إرهاباً ودموية وقُبحاً مما عرفه البشر حتى يومنا هذا. نادى المنادى باسم “أبو عمر الشيشاني: طرخان باتيرشيفيلي”. نعم، أبو عمر الشيشاني ذاته، طلبه المُنادي من الجانب التركي بالاسم. لكن لم يكن هذا النداء وحده المفاجأة الوحيدة في ذاك اليوم، رغم غرابته من حيث التوقيت والمكان، بل ما سيأتي تتمة للمشهد وملابساته. مشهد حرت في أمر تفسيره إلى يومنا هذا، وقد يبقى دون تفسير كاف

فمع سماع الحاضرين باسم الشيشاني التفتنا بحركة لاشعورية إلى حركة رجلين ينزلان من سيارة متوقفة في ساحة المعبر الحدودي لم تكن قد لفتت انتباه أيٍّ منّا قبل ذلك. كانت سيارة من سيارات “الحزب”، أي، PYD. أما الرجل الثاني، الذي ترجل من السيارة رفقة الشيشاني، فكان عمر علوش. نعم، عمر علوش ذاته، عضو ما يُسمى بـ”لجنة العلاقات الدبلوماسية” في ما يُسمى بـ”حركة المجتمع الديمقراطي”، أحد الأجسام السياسية التي خلقها حزب الاتحاد الديمقراطي في المناطق السورية التي استولى عليها.

هو ذا المشهد باختصار: أبو عمر الشيشاني، القائد العسكري في تنظيم داعش، يترجل من سيارة عمر علوش، أحد أبرز الوجوه السياسية والإعلامية في حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي ليدخل إلى الأراضي التركية مطلوباً بالاسم من قبل جهة ما في تركيا على ما يبدو.

المفاجأة وُلدت صغيرة، لكنها تتسع وتكبر منذ ذلك الحين وتغدو سؤالاً لا يزال يضج في عقلي. كيف؟ ولماذا؟ وماذا وراء هذه العلاقات الغريبة المشبوهة؟. فقد كان تنظيم داعش قد استولى وقتها على مدينة الرقة ومعظم أريافها؛ وكانت قوات حماية الشعب، التابعة للاتحاد الديمقراطي الكردي، في طور توسيع سيطرتها على مناطق يتواجد فيها كُرد في الحسكة. وكان ثمة احتكاكات عسكرية بين التنظيمين في تل أبيض وبندرخان قريبا من عين العرب، كوباني. وبعدها بأشهر ستزداد، كما تذكرون، الاحتكاكات لتتحول إلى معركة عين العرب.

ربما نحصل في هذه الأيام على جزء من الإجابة. مع تداعي تنظيم داعش، وربما تبخره في الأشهر القادمة، سنفهم المزيد. لكن ما أفهمه اليوم هو أن هذه التنظيمات خُلقت لغرض واحد ووحيد: إنهاك ثورة الشعب السوري وتحويلها إلى صراع بين أبناء الشعب الواحد عبر مرتزقة جُلبوا من كل حدب وصوب، يستوي في ذلك من جلبهم تنظيم داعش ومن جلبهم حزب الاتحاد الديمقراطي؛ فرائحة العفن والعمالة لأجهزة استخبارات متعددة تفوح من كل فرد وفعل يقوم به كل من انتسب لهذه المنظمات الإرهابية اللعينة وعمل بها ولها.

اترك رد

Translate »