أخبار عاجلة
الرئيسية / دراسات / داعش والسنة وتصورات الوجودية.
داعش والسنة وتصورات الوجودية.

داعش والسنة وتصورات الوجودية.

ببساطة.. ما إن يُقذف بكَ في هذا العالم حُراً، حتى تكون مُداناً من أعلى رأسك إلى أخمص قدميك.. أنتَ مسؤول حتى عن طريقة مشيك في الشارع.. الآخَر يتربص بك على الدوام؛ ليس لأنه شرير، وإنما لأنه يمثّل قانوناً في طريقة تناوله للطعام كحدٍّ أدنى؛ وهو ما يحتّم عليكَ إزاءَ ذلكَ أن تختار وجهاً لنفسك مُرغماً.
وإني إذ أسمعكَ الآن تقول: «سأختار وجهاً لنفسي» بالطبع، أقول أنا من جانبي إن اختيارك للوجه يعني تبنّيكَ لقضية ما (أن تكون لصّاً على سبيل المثال) وتكون مسؤولاً عن كل تَبِعاتِ تلك اللصوصية بما لا شك فيه، لأنك اتخذت هذا الوجه بحرّية.
تخيل أنكَ على حافة هاوية، أو حافة بناءٍ شاهق وأنتَ بكامل قواكَ العقلية، إن نظرتَ إلى أسفل ستجدُ في نفسك شعورين من الخوف؛ خوفٌ من السقوط، وخوفٌ من حافزٍ يدفعكَ لأن تلقي بنفسك. إن النوع الثاني من الخوف أو الهلع الذي سيُصيبك، ناتج عن إدراكك أنك تملك الحرية المطلقة في تقرير رمي نفسك من عدمه، وهذا الخوف يصيبكَ بالدوار.. وهذا ما يُسمى بـ«دوخة الحرية»، ويقترحُ مُطلِقُ هذا الوصف عليكَ أن تختبر هذا الشعور بالدوار في كل قراراتك الأخلاقية، ويذهبُ لتبيين أنها (الدوخة) وإن كانت تسبب القنوط، فهي تهزّك من غفلتك لِتعي الخيارات المتوفرة أمامك. وهكذا يزداد وعيك بنفسك، فتحسس مسؤوليتك الشخصية على الدوام؛ وانتهاجُكَ لهذا النظام يجعل منك كائناً وجوديّاً.

الوجودية
الوجودية فلسفة، مذهب، مَشرَب، نزعة بشرية، طريقة… سمّها ما شئت؛ ما أوده الآن هو أن أضعك كقارئ أمام لحظات خاطفة وسريعة من عدة جوانب تصب في جوهر موضوعنا، لأنني لا أعتزم الحديث بتفصيل معمّق عن الوجودية واختلاف وجهات النظر فيها لدى معتنقيها كنزعة إنسانية؛ لذا سأكون على عجلة من أمري قدر المستطاع.
عزيزي القارئ، إن الإنسان هو ذات حيوية من لحم ودم، وَجدت نَفسها في هذا العالَم دون أن يستشيرها أحد، وعليها أن تُجسِّد نفسَها بنفسها، لأنها غير موجودة لشيء أشمَل منها إطلاقاً، أي أنها ليست ممحاة ولا قلم رصاص، ولا هيَ نعجة تذهب إلى المرعى فجراً وتعود حالَ مغيب الشمس إرضاءاً لمُربّيها؛ والإنسان هو كائن يشعر بالقلق، ويخاف الموت، وهذا ما يجب أن يدفعه لإدراك محدوديتهِ وهشاشة وضعهِ في العالم؛ وعلى الإنسان أيضاً أن يُعيد النظر ويركّز على تحليل العلاقة بينه وبين الموجودات المحيطة به دائماً، كي يستطيع الكشف عن وجوده الأصيل، وينتشل نفسهُ من الضياع في الأداتية، وحياة الناس اليومية، وإلا فهو كائن ثرثار، ومُبهم في الوقت ذاته. أكرر.. ثرثار ومُبهم في الآن ذاته.
إن ماسَبق، يفرض على الإنسان أيضاً أن يخشى اتخاذ القرارات المفصلية في حياته… ويخافَ التعدّي على حرية اتخاذ الآخَر للقرارات التي من شأنها أن تحدد ماهيته هو أيضاً؛ وتعني- بناءً على ذلك- أن لكل فرد معنى ومغزى يحدِّدُه بنفسه ولنفسه، لأن العقل البشري هو من يقرر منطق تفكير كل واحد منا، وهذا يعني أن خياراتنا التي تشكل ملامح وجوهنا يستحيل أن تكون متشابهة.
لقد أمتعتُكَ موسيقياً هاهنا، وأنا على دراية بذلك، لكننا الآن سنستعرض موضوعاً أكثر ضراوة وشدة، أريدكَ أن تقرأه ببطء، ومما لا شك فيه أن ذلك من الأهمية بمكان لا يمكن نزعه.

أسبقيّة الوجود والماهية
مانريد ذِكره قبل الشروع بالحديث عن الوجود والماهية، هو أن أولى خطوات الوجودية أيها السادة بدأت مع قول أرسطو «أيها الإنسان.. إعرف نفسك بنفسك»، ثم تطورت شيئاً فشيئاً بعد ذلك عبر «سورين كريكغارد»، و«إدموند هوسرل»، و«كارل ياسبرز»، و«هايدغر»، و«جان بول سارتر» الذي بلورها في نهاية المطاف. وكثيرون أُخر.
بلورةُ «سارتر» لهذه الفلسفة جاءت رداً على أسئلة كثيرة تتشابه مع أسئلتنا اليوم.. (هل سقطت الأيديولوجيات بعد الحرب العالمية الثانية التي أظهرت وحشية الإنسان، وابتعاده عن كل الفلسفات الإنسانية، وعن الفكر الديني الذي يدعو للتسامح؟ لقد أُلقيت قنبلة نووية مدمرة على هيروشيما وأخرى على ناغازاكي، قَتلت وشوهت مئات الآلاف..) والبعض قال إن كل الأفكار العظيمة التي تناولت الإنسان قد سقطت أيضاً مع الحرب، بما فيها وجودية الأسلاف ذاتها؛ وهنا يمكننا الإشارة إلى أن بلورة الوجودية كفكرة تدفع بالإنسان إلى إيجاد ذاتيته، قد تمت بعد أعوام من الصراع الذي ذهبت فيه قيمة هذا الإنسان أدراج الرياح، وبات يشعر فيها أن (لا معنى لحياته وسط كل هذا الخراب إطلاقاً)؛ لكن «سارتر» دافع عن الوجودية ومدّها بحياة جديدة بعد الحرب، مفسراً شكل العلاقة المطلوبة بين الفرد والمجتمع، ومفهوم الحرية.. فوقف مع ثورة الجزائر من منطلقاته الفلسفية الرافضة لاغتصاب حقوق الآخرين وحريتهم، وأيّد حقوق الشعب الفلسطيني من نفس المنطلق؛ وقدّم من جانبهِ «ألبير كامو» روايته الشهيرة «الطاعون» للحديث عن الحرب العالمية كـ عُرس بشري، وطقس مفعم بالحيوية الغرائزية، أشار فيها إلى أمور عدة، سأنوّه منها على الدور الذي يلعبه رجال الدين في مراحل الفوضى بالحديث عن البلاء وغضب الإله، وعن استماحتهِ عذراً لرفع المصائب… ولو كانت المسيحية تتخذ من القرابين شريعةً لها، لم يكن «كامو» ليغفلها آنذاك.
والآن.. «لو تناولنا أياً من الأشياء المصنوعة مثلاً الكتاب، أو سكينة من السكاكين، نجد أن السكينة قد صَنعها حِرفي، وأن هذا الحرفي قد صاغها طبقاً لفكرةٍ لديه عن السكاكين، وطبقاً لتجربة سابقة في صنع السكاكين، وأن هذه التجربة أكسَبته معرفةً هي جزء لا يتجزأ عن تلك الفكرة المُسبقة لديه عن السكاكين، ولا يتجزأ عن السكينة التي يصنعها؛ وأن الصانع كان يعرف لأي غرض ستُستخدم هذي السكين، وأنه صنعها طبقاً للغاية المرجوّة منها. وهذا يعني أن ماهيّة السكين هي مجموع صفاتها وشكلها وتركيبها والصفات الداخلة في تركيبها وتعريفها، كلها قد سَبقت وجودها، وبذلك يكون لهذا النوع من السكاكين وجود معين خاص به، وهذا الوجود هو وجود تكنيكي، بمعنى أن السكين بالنسبة لي هي مجموعة من التركيبات والفوائد، ونظرتي لكل الأشياء بهذه الطريقة تكون نظرة تكنيكية يَسبق فيها الإنتاج على وجود الشيء وجوداً محققاً». هذه الحالة تُنعَت بـ «أسبقيّة الماهيّة على الوجود»، أي أن وظيفة السكينة المرسومة في عقل صانعها سابقةٌ على صناعتها.. لكن هل يصح القول: حينما خُلق العالَم، كانت صورته قد تشكلت في عقل الله، وحينما خُلق الإنسان كانت صورتهُ ووظيفتهُ قد تبلورتا في عقل هذا الصانِع العُلوي أيضاً، وأن هذا هو ما فرضَ على الإنسان ما يُسمى بـ «الطبيعة البشرية»، المتمثّلة في أن كل ما يقوم به من أفعال هي ملاصقة ودالَّة على التصور الكلي للكائن البشري لدى الخالِق؟
قالت الوجودية منذ البدء إن «الوجود سابق على الماهية» لأن العكس بالنسبة لفكرة الحرية هو أمر كارثي؛ وقالت إن الجدال القائم، والأخذ والرد في موضوع وجود الله من عدمه لا يهمنا ولا يضرّنا في شيء، ولن نتطرق للحديث عنه؛ ولابد أن سارتر قال ذلك من منطلق أنه من الواجب على الله (العظيم والمنصف) أن يتنحّى قليلاً لإتاحة الفرصة أمام العقل البشري إذا ما أراد تمييزهُ عن الحيوان، وإدانتهُ بشكل عادل في نهاية المطاف.
واعتبرت الوجودية كذلك أن الله قد مات (مجازياً)، أو لنقُل «الجنائني الساحر» قد مات، وأُوكلت مهمة تربية الزهور ورعاية الحدائق إلى الإنسان، لذا فعلى الإنسان أن يتحكم بحياته دون تبنّي أية فكرةٍ مُطلَقة، أو دعونا نُسميها في هذا المقطع «مبرر وجودي ماورائي» يدفعهُ لاستثناء قيمتهِ البشرية على الأرض، والعمل بمقتضيات أُخرى، فالوجود لدى سارتر سابق على الماهية كما قُلنا.. الإنسان يولد ثم يبدأ بتحديد ما يريده، والإنسان هو من يتحكم بماهيّته وليس العكس؛ هو من يحدد نفسه، ويرسم وجوده وحريته وكيانه، وهو حينما يأكل ويشرب ويتحرك ويفكر، فهو إنما يقوم بكل ذلك بوجوده لا بماهيته؛ وإن لم يكن كذلك فبأي حق يمكننا أن نحاسب الإنسان؟، وبأي شريعة نُطلق صفة (عبد، حر، ملحد، مؤمن) إن لم يكن له أي رأي أو تدخّل في رسم ملامح ومعالم حياته المستقبلية؟ إن كان الله هو من يرسم ويكتب ويحدد فمن نحن إذاً؟.. وهئنذا لا أدعو كما لا تدعو الوجودية إلى الإلحاد، وإنما لفهم الله فهماً يتناسب مع حقيقة أنه عادِل، وأننا أحرار فيما نفعل.

المبرِّر الوجودي
تحدثنا في مطلع هذا المقال عن القضية التي يتوجب على المرء تبنّيها، واخترنا اللص مثالاً؛ المبرر الوجودي عزيزي القارئ هو ذاته القضية التي ستتبنّاها كي تتابع الحياة كإنسان (أن تكون نعجة، أو بشرياً يتكاثر… الخ)، وانعدام هذا المبرر يفضي بك إلى الانتحار، الحقيقي برصاصة في الرأس، أو الفلسفي بأن تمارس العبث، إذ أن بعض الأفكار شأنها شأن الانتحار حين تُفضي بك إلى نتائج لا جدوى فيها من كل شيء؛ والوجودية هي واجِب الموَاجَهَة لكل ذلك. والنقد الموجَّه لـ«قذارة الجنس البشري» في غالبهِ محاولة للهروب من مسؤولية الإنسان تجاه نفسه استناداً لذلك. يقول «نيتشه»: «إنْ كان لديك ما تعيش لأجله، تستطيع تحمّل كل شيء»! .. إن اخترتَ ألا تعيش ستتابع حياتكَ عابثاً أو تقتل نفسك، وإن اخترت ألا تتحمّل فستتابع حياتك عابثاً أو تقتل نفسك أيضاً.
والآن، سؤال يطرح نفسه بقوة: كيف يمكن للوجودية أن تكون واجب المواجَهَة؟ ما الذي يؤهلها لتكون كذلك؟
نقول: إن الوجودية ناقضت كل الحركات الفلسفية التي كانت تدعو قبلها إلى صبّ الناس في قوالب تفكيرية وحياتية جاهزة، يقول كارل ياسبرز: «يكفي للفرد أن يوجد، فبهذه الواقعة نفسها نتجاوز الموضوعية. وهذا هو مبدأ كل فلسفة للوجود. ولا أهمية لها إلا في نظر الأشخاص الذين ارتضوا أن يكونوا أنفسَهم، واختاروا الوجود الحقيقي الأصيل، لا الوجود الزائف غير الأصيل. وتبدأ الأصالة من الصمت، وتنتهي به، وغايتها الوحيدة هي معرفة معنى الوجود».
ويقول جابرييل مارسيل: «حينما يشعر الإنسان بالاغتراب وما يصاحبه من يأس وقلق، يشعر في قرارة نفسه بالحاجة إلى الوجود الحق، ويتولد لديه الإحساس بأن العالم واقع مستور محجوب عنه؛ سِرٌّ لا حل له، حاضرٌ حضوراً دائماً، ونحن نشاركه هذا السر دون معرفته».
من ذلك برزت أهم سمات الوجودية كنزعة بشرية، في انطلاقها من الحياة العاطفية لدى الإنسان، والتي أهملتها الفلسفات السابقة، واعتبرتها جزءاً من علم النفس حين قالت إن العقلانية تتعارض مع إقحام المشاعر البشرية في الفلسفة. إلا أن الوجوديين ذهبوا إلى أن هذه الموضوعات هي التي تجعلنا نندمج مع العالم. ولذلك فقد أثبت الوجوديون من كيركغارد إلى هايدغر ثم سارتر، أن تحليل الحالات الوجدانية كالقلق، والملل، والغثيان، هي أهم الموضوعات الفلسفية. وعلى ذلك نَمَت الأفكار الرئيسية للوجودية من الهم الذي يعيشه الإنسان كموجود ملقىً هناك (Dasein)، دون مخرج (Huis clos)، فالوجودية أحدثت ثورة انفتاحية على هذا الانغلاق، لتوكيد قدرة الإنسان على إعطاء معنى للعدم، عبرَ سَبْرِ أغواره ومن ثم تجاوزه. وهذا ما يجعلها نزعة نابعة من تجربة حياتيّة مُعاشة، وهي تبدأ عند ياسبرز من «إدراك هشاشة الوجود» وعند هايدغر في «السير باتجاه الموت» وعند سارتر لدى الشعور بـ«الغثيان».
ولِنوضّح ما سبق نقول، إن القلق مثلاً هو الموقف الذي يدرك فيه الإنسان قمة تلاشي ماهيتهِ البشرية، ومدى ضآلة وضياع موقفهِ في العالم. والقلق ببساطة يكشف للإنسان عن الحرية، فهو كيفية وجود الحرية باعتبارها شعوراً بالوجود، فالأنا التي أكونها الآن تعتمد على تصوّري لأنايَ التي لم تتحقق بعد في المستقبل (كيفَ لا والموت ينتظرني وعليَّ الاستعجال) كما أن هذه الأنا المستقبلية التي لم تتحقق، تعتمد على الأنا الحاضرة الآن، لأنها نفسها مستقبلي الخاص، وهي ماهيتي التي ستتكون وفقاً لأفعالي الحالية والمستقبلية. لكن الإنسان يسعى دائماً إلى الهرب من القلق الذي يفرض عليه هذه الضرورة الدائمة.. الإنسان يهرب دائماً من القلق الذي يحرّضه على اللحاق بما هو كامن وراء ذاته.. يهرب نحو مستقبل هو نفسه عبارة عن حالة هروب مستمر. وهذا الهروب هو ما يسميه هايدغر «السقوط» أو «الابتذال» أو «الوجود الزائف».. لذلك تراه ركّز على أن الإنسان ما خُلق إلا ليتابع سيره نحو الموت.
إذاً، الوجودية هي واجب المواجهة لأنها الخطوة الأولى والحتمية النابعة من مشاعر الإنسان، ولأنها طريق الإجابة الأمثل وربما الوحيد على الأسئلة الوجودية الأولى التي يطرحها المرء على نفسه.
أيها السادة، إن الوجود البشري في إطاره العقلاني هو تحضير ومواجهة مع الموت بكل تأكيد، إذ لو كانت الحياة أبدية، لما كان لوجودنا فيها أي معنى، أو حاجة للبحث عن معنى حتى، وهي مع الموت تَجعل منا أكثر شجاعة ورغبة بالاستمرار، وهي من يُعطي لأفعالنا جميعها قيمة الفعل، بعيداً عن ماهية هذا الفعل إن كان خيراً أو شراً.
يُقال إن ثلاثة أصدقاء قُتلوا بحادث طرق، فقال لهم ملاك الموت: سأُلبي لكل واحد منكم أُمنية؛ ماذا تريدون أن يقول أحبتكم عنكم وأصحابكم قبل الدفن؟
قال الأول: ليقولوا إنه كان معلما بارعاً، وموته خسارة للعلم.
قال الثاني: ليقولوا إنه كان كريم الأخلاق، محبّا لمساعدة الغير، وسيفتقده مجتمعنا.
قال الثالث: ليقولوا .. توقفوا لا تدفنوه .. إنه يتحرك!!
هذا هو معنى أن تحتكَّ بالموت على الدوام… توقفوا لا تدفنوه… إنه يتحرك.. ثمة الكثير ليفعلهُ أو يقوله.

تنظيم دولة الإسلام
لا أريد هنا أن أبدأ بمقدمات أتحدث فيها عن تنظيم غني عن التعريف، ولا أن أضع بعين الاعتبار أموراً تطرَّق لها القاصي والداني، إنما أودّ حقيقةً أن أضع خطوطاً عريضة تصبُّ في فحوى مقالنا (مثلما اعتدتُ على القول منذ البداية)، وأنوّه إلى ضرورة فهم أُخرى.
تنظيمُ الدولة الإسلامية لا يرى في قراراته التي يتّخذها اختياراً لماهّيته ووظيفتِهِ المُحدَّدَة مُسبقاً من قِبل الإله. إنما تخليداً لفكرة أن هذه الحياة بلا معنى، ولا يجدر بها أن تُعاش (عَبَث)، وأن حياةً أُخرى تنتظره.. وعليهِ فالعالَم بحجرهِ وبشرهِ أداةٌ لتحقيق تلك الغاية. وهذا هو حال الجهاديين في كل أنحاء العالم؛ وأتذكّر جيداً كيف استخدمت «جبهة فتح الشام» (النصرة سابقاً) جزءاً من محاضَرة لـ«نعوم تشومسكي» تتحدث عن نهاية العالم، وعن عدم رغبة الحكومات الغربية بوضع حد للصراع الدامي في سوريا، وذاك لتبرير وجهة النظر تلك، ولتأليف الحس الجمعي للسوريين المضطهَدين حولها في أنه «لا خُبزَ لكم هنا.. تعالَوا لنقاتِل دفاعاً عن قضايانا» المتمثّلة طبعاً بالدفاع عن نساء وأطفال المسلمين (مبررات وجودية)، أو عن الدين (مبرر وجودي ماورائي) الذي يشكِّلُ الموتُ دفاعاً عنهُ سبيلاً للخلاص والراحة من كل هذا الإخفاق المسمى (ظُلمْ)… ومن جانبٍ آخر يُقال: «وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون».
ننوه هنا إلى أن حديثنا عن تنظيم دولة الإسلام في المقطع القصير أعلاه، هو خطف سريع أشبه مايكون (إن صحَّ ذلك) باستراقة النظر إلى قرص الشمس، نريد من خلاله دفع القارئ إلى التساؤل وتحريضه وتهيأتهِ إلى ما سيأتِ تباعاً من حديث. لذلك أود أن تُعاد قراءته مجدداً.

علاقة الوجودية بتنظيم دولة الإسلام
نَذكر أولاً أن كاتباً يهودياً يُدعى «شموئيل حرليف» كان قد سبقنا في (محاولة بائسة) للربط بين منهج تفكير التنظيم وبين الوجودية، حيث ادّعى في مقالٍ نشرته «هآرتس» ونقله عنها موقع «القدس العربي» أن تنظيم الدولة الإسلامية «يجنّد» أفكار الفيلسوف الألماني الوجودي «مارتن هايدغر» وهو في قبره؛ ومن المعلوم أن «هايدغر» كان يفتخر لعدة أعوام بانتمائه للنازية، لذلك لم أستطع أن آخذ ما قاله «حرليف» على محمل الجد والموضوعية؛ أضِف إلى ذلك أن «حرليف» كان ساذجاً للغاية.. يقول: «طقوس الموت متشابهة بين هايدغر وتنظيم الدولة، لكن الطريقة التي يجنّد فيها تنظيمُ الدولة هايدغر في قبره، ترضع من مصدر قِيَميٍّ أكثر عمقاً، إذ أن الوجود في كتابات هايدغر هو السعي إلى الوجود الأصلي (غير المرتبط بالمجتمع)، والحياة في الحاضر كأمور ذات مغزى وجودي»، أي على حسب الطريقة التي يؤمن بها عنصر التنظيم في غايته وقضيته الماورائية التي وجد لأجلها.
ويتابع «حرليف» قوله: «هذا كما يبدو هو سر انجذاب آلاف المتطوعين والمتطوعات لتنظيم الدولة، مسلمين وغير مسلمين، الذين يتدفقون إلى صفوفه من جميع أنحاء العالم، بما في ذلك أوروبا والولايات المتحدة… تنظيم الدولة يقترح على متطوعيه وجودية أصلية على نمط هايدغر.. إسلام طاهر، عودة إلى الجذور وحاضر يعطي مغزى للحياة من خلال الاحتكاك المباشر والمتواصل مع الموت. الإدمان على الموت يبدو مثل المخدرات القوية التي لا يستطيع أن يوفرها أي تاجر مخدرات من جنوب أمريكا».
أعترف هنا أن الجُمل التي نقلناها عن «حرليف» تحتوي على إيقاع لغوي جيد يحاول أن يحاصِر قارئهُ، ويحشَره في الزاوية؛ إلا أن حلقاتٍ كثيرة لا تزال غير مفهومة، ولا يمكن لها أن تكون مفهومة، لماذا؟
وجودية «هايدغر» أيها السادة كانت مثالية، أي أن الرجل ككثيرين غيره من فلاسفة الوجود، عمد إلى تقديم نموذج عن الشخصية الوجودية الكاملة والمتكاملة، مثل مسيحي كريكغارد، وسوبرمان وزرادشت نيتشه، وغريب كامو، ولامنتمي كولن ويلسون. وجميع من ذكرنا كانت لديهم ماهية للوجودي الكامل أو المثالي، فرضَتها عليهم فلسفتهم المتسمة بالاستقلالية والتفكير الأصيل اللامتأثر بالغير. فالأول (كريكغارد) رغم امتداحنا لفكرةٍ جاء بها في بداية المقال، إلا أنه يرى أن الإنسان فاقد لذاته، وأن هناك مراتب للذات مثل الذات الأخلاقية، والتي تتصاعد لتصل إلى سموها في الذات المؤمنة المسيحية. على عكس نيتشه الذي يريدك كائناً خارقاً تبحث عن الحقيقة من الصفر، وتشكك بكل ما يمكن أن تؤمن به، ولا تصل في نهاية المطاف إلى شيء، وهو القائل لتلاميذه: «إنسوني.. إنسوا كل ما قلتهُ لكم»؛ بينما يريدك كامو في الغريب أن تكون شخصاً صادقاً وبسيطاً ومتحرراً بشكل (مبالغ فيه) من أعراف المجتمع، وأن تعيش حياتك كما ترغب حتى لو تصادمت مع المجتمع الذي يقابل أفعالك بالدهشة والاستنكار أحياناً، أما في اللامنتمي فقد اعتب كولن ويلسون بطل «الجحيم» لـ«هنري باربوس» نموذجاً للامنتمي الأصيل في الأدب الحديث.. حيث كان يسترق النظر من ثقبٍ في جدار غرفته بالفندق إلى سيّدة تتعرّى، ما يُشعل في جسده ثوران الشهوة.. كان يصنع من خلال اختلاس النظر إلى الآخرين عُمقهُ وفحواه.. باربوس كان يريد -حسب كولن ويلسون- أن يقنعنا بأن اللامنتمي إنسان لا يستطيع الحياة في عالم البورجوازيين المريح المنعزل، أو قبول ما يراه ويلمسه في الواقع، لأن البورجوازي يرى العالم مكاناً منظَّماً تنظيماً جوهرياً، تمنعه دقائق حياته اليومية من الاهتمام بعنصر القلق المرعب الذي يحيط به؛ أما بطل «الجحيم» فلم يكن يرى العالم معقولاً ولا منظَّماً، لذلك كان يَقذف بمعانيه الفوضوية في وجه البرجوازي المنغلق من خلال اختلاسه النظر، وهو يحس الكآبة العميقة ويشعر بأن الحقيقة يجب أن تقال مهما كلف الأمر، وإلا فلن يكون الإصلاح ممكناً. وهنا تبرز وجودية سارتر الأنيق والمهندَم المتصالِح مع الوجود بكل مافيه من غثيانٍ وقرفٍ وعَفَن. دون مثاليات أو طرق محددة للكمال وجودياً.
نكرر: وجودية هايدغر كانت مثالية، ومثاليتها تكمن في احتكاك بالموت قبل فوات الأوان… تخيّل معي كوباً فارغاً صُنع من الزجاج الشفاف، ولهُ تلك الأذن التي تستطيع من خلالها حَمله، هذا الكوب قابل لأن تملأهُ بالشاي، النسكافيه، الماء، أو أن تملأه بأحد أنواع المشروبات الكحولية حتى؛ من وجهة نظر «سارتر» غير المثالية: في اللحظة التي يقفز فيها هذا الكوب ليحدّد نوع / ماهيّة المشروبات التي يستطيع تحمّل حرارتها أو برودتها بكل بساطة يُصبح موجوداً بالمعنى الفلسفي للكلمة، وهذه القفزة إلى الوجود فلسفياً والتي تتطلب منه جهداً ومسؤولية، هي ذاتها قفزة «كريكغارد» التي أشرتُ إليها في بداية المقال… أما مثالية «هايدغر» فترى أن الوجودي العادي قد حدّد أنواع المشروبات منذ أن فكّر بشكل جدّي بعد أن خرج من العلبة الكارتونية، لكن الأكواب شذّت في تحديد ماهيّاتها حتى تصارعت فيما بينها، وغابت ملامحها وابتعدت عن أصليتها، وعليها أن تستعجل بالعودة من خلال التعلّق بالموت الذي يُعطي من جانبهِ القيمة لضرورة ذاك الاستعجال؛ وفي اللحظة التي يفكر فيها الكوب بالفناء الذي ينتظره، ويقرر العودة (بمفرده) إلى جذوره وفق هذه المنهجية الخاصة يُصبح موجوداً (مثالياً)، وهذا يتطلَّب صراعاً مع الأكواب الأخرى الرافضة لذلك.. ربما لأن «هايدغر» ببساطة سليل تراكم فلسفي بثّه «هيغل» ومن بعده «ماركس» في وقت سابق عن أن قضايا العالَم فحواها الصراع المستمر.. و(جُل فلسفات ألمانيا انبَنَت على قضايا الصراع بين الأفراد والطبقات والحقائق والماهيّات).
أيها السادة، إن المقاربة بين «هايدغر» (المُلحد)، وتنظيم الدولة الإسلامية حسبما أوردَ حرليف، أمر يدعو للضحك فعلاً.. أصلية «هايدغر» ووجوديته المثالية ترتكز كما قلنا على الكينونة المرهونة بزمان ينتهي بالموت؛ ومن السخف بمكان أن يكون الرجل قد طرح فلسفةً متعلّقة بماورائيات، في الوقت الذي يتصارع فيه العالَم على أعتى مستوى، وإلا لكنّا لقّبناه بالشيخ أو الأمير أو المجدِّد مارتن هايدغر، الداعي إلى استخدامنا الحاضر كوسيلة لتحصيل الأصليّة الماوراء طبيعية عبرَ الاحتكاك بالموت، والواعدِ إيّانا بالحور الحِسَان، اللاتي لم يطمثهن إنسٌ قبلنا ولا جان.

علاقة الوجودية بتنظيم دولة الإسلام مجدَّداً
قلنا إن الوجودية التي تركت جميع الأبواب مفتوحة أمام الإنسان ليختار منها، قد سَعت إلى تكريس فكرة الذاتية البشرية (Subjectivity)، وقالت إن الإنسان هو «Subject» وليس «Object»، والذات (Subject) «Will» دائماً، أي أنها تملك خياراتها، على غرار الشيء (Object) المحكوم، وهذا يفرض ألا يكون ثمة قوة خارجية تسخّره كما أسلفنا.
إن الصراع الذي يعيشه الإنسان بين قضية كونه أداةً بيد الخالق، وما يترتب على ذاك الفهم من وجود مغزى محدد للحياة، وطريقة الخلاص منها؛ وبين كونهِ ذاتاً حرة مسؤولة وخائفة وقلقة ومضطربة وصابرة ومثابرة، يدفع الإنسان للبحث عن أسهل الطرق وأقصرها.. والتي هي بلا شك تتمثل بالأصولية الدينية، التي تعيش استقرارها النفسي بأبهى صوره، والتي توفّر على صاحبها عناء البحث، وتخلّصه من اضطراب حرية اتخاذ كل القرارات؛ وهذا (مبدئياً في الجوهر) هو ما يدفع الملايين مسلمين وغير مسلمين إلى الالتحاق بتنظيم الدولة على سبيل المثال. وهذا هو معنى «الدين أفيون الشعوب»، أي راحة الشعوب واستقرارها النفسي كـ أدوات ذات غاية محدَّدة ومسلَّم بها مسبقاً؛ يقول سارتر: إن الإنسان السوي كائن من لحم ودم، يؤثر بالمجتمع ويتأثر به؛ ويقول «إيريك فروم» في كتابه «الهروب من الحرية»: «إن الشخص الأصولي حتى وإن ظهر بمظهر المسؤول القادر على قيادة المجتمع، وإيجاد حياة أبدية له، أو ظهر بمظهر المسيطر القادر على التحكم بنفسهِ على أقل تقدير، هو شخص مذعور، وهو خائف، يخشى مسؤوليات حريته، ويرغب دائماً بإيجاد سلطة أعلى منه، لأنه عاجز عن تحقيق ذاته» وهكذا تراه يبحث عن الفتوى أياً كانت.
استناداً إلى «لأنه عاجز عن تحقيق ذاته».. أخذ تنظيم الدولة وغيره من الأصوليين على عاتقهم مفهوم الانتقام من كل قضايا الإنسان في العالم الدوني، واعتبروا أن هذا الانتقام وسيلة سريعة ومجدية للانتقال إلى العالم الآخر غير الممل، الممتع والمفعم بالحيوية والأكشن، المليء بالمفاجئات حد التخمة. تعبيراً عن كل انكسارات أفراده المتوالية على المستوى الشخصي في متابعة حياتهم بشكل يبرز وجودهم بصورة ما.
ثم إن الدين الإسلامي نفسه يساعد متتبعهُ تاريخياً على إيجاد المبررات لكل الأفعال، بالدرجة ذاتها التي ترك فيها الباب مفتوحاً لإعمال العقل، وتحمّل المسؤولية، حتى واقعة انتحار الشاب السوري «جابر البكر» ذاتها في ألمانيا، يمكن تبريرها إسلامياً بالقول إنه «ضحى» بنفسه لتفادي البوح بأسرار لها علاقة بعناصر آخرين، وهذا مشابه لحادثة «البراء بن مالك» في معركة «حديقة الموت» حينما ألقى بنفسه خلف سور قلعة «مسيلمة» وسط جموع العدو لفتح الباب، في الوقت الذي يعلم مصير مثل هكذا خطوة، إلا أنه ألقى بنفسه هناك لإنقاذ رفاقه، وتلبيةً لنداء «الواجب» الديني؛ وهذا ما يستدل به الجهاديون في تنفيذ العمليات الانتحارية.
أيها السادة، أعتقد أن الصورة باتت أكثر وضوحاً الآن.. إن الخوف وحدهُ من يفصل كشعرة بين إحدى أهم الأفكار التي صنعها الإنسان، وبين التنظيم الغرائزي الذي يجد (مبرراته) على الدوام.
الخوف ومشاعر العجز التي تنتاب المرء أحياناً عن تحقيق ذاته بصورة يستطيع المحاججة عنها، والملل، واللاجدوى المصاحبة لذلك، تضع الإنسان أمام خيارات محدودة كلياً.. إما: الله وأديانه وجنانه ونيرانه، أو ممارسة الديكتاتورية وسياسيات وأفكار الاستبداد حتى على مستوى العائلة والأصدقاء، أو انتخاب دونالد ترامب بكل ما يحمله الرجل من صفات تشير إلى أن العالم سيكون مليئاً بالإثارة حال فوزه، أو موسيقا الراب بتقاطعاتها المنطقية والجليّة مع محاولات الإنسان كسر الجليد بأي طريقة كانت، أو اللحاق بسينما هوليوود ذات سيناريوهات الـ٢٥ دولاراً، ارتياد المراقص والأندية الليلية، وأخيراً كأدنى مرتبة نذكر الأفلام الإباحية. كل ذلك من شأنه مساعدة المرء على البحث عن «قيمة» لشيء ما. أو دعونا نسمّي كل ذلك (أدوات التسلية والهروب)… وفشل تلك الأدوات في إقناع الإنسان ستجعل منه «داعشياً».
إنَّ عجْزَ العالم أيها السادة عن تحسين صورة حياة الإنسان، وإقناعهِ بإمكانية إيجاد نفسه، سيُفضي إلى تشكيل طبقة خائبة على سويّة هذا التراكم المدعو «تنظيم دولة الإسلام».
كرِّر من فضلك الفقرة الواردة أعلاه، وتعال نختم مقالنا هذا.

خاتمة
قلنا: إنَّ عجْزَ العالم عن تحسين صورة حياة الإنسان، وإقناعهِ بإمكانية إيجاد نفسه، سيُفضي إلى تشكيل طبقة خائبة على سويّة هذا التراكم المدعو «تنظيم دولة الإسلام».
عزيزي القارئ، هدِّئ من روعك قليلاً.. «داعش» ليست تنظيماً إرهابياً، داعش لا تبثُّ الرعب وتُرهب الآخرين، بقدر ماهيَ تعبِّر بعنف عن مشاعر اليأس والغربة في هذا الوجود؛ إن مجموع نتائج انكسارات الإنسان أمام نفسه يُسمى في المجتمع الحديث إرهاباً؛ واليائسون إرهابيون بالمُطلق، لأنهم رفضوا استراقة النظر إلى الجحيم (الآخَرون هم الجحيم) ورفضوا صناعة ذواتهم عن طريق ذاك الآخر، فعمدوا إلى التخلص منه كليّاً لسببين، الأول هو أن الدين يُعد قضيّة أشمل من الآخَر بحد ذاته، والثاني هو أن الآخر الذي يتعرَّى خلف الجدار، هو بطبيعة الحال جحيم يدعو إلى إعادة النظر في الغايات الدنيوية التي فشل الداعشي أساساً في تحقيقها على المستوى الشخصي، ما جعله يائساً….. وهم بذلك (اليائسون على اختلاف مذاهبهم) يُفقدون الحياة جوهرها (جمالياً) بكل تأكيد.
والآن نسأل: كيف وصل بتنظيم الدولةِ الحالُ إلى اليأس حتى تآلف عناصره فيما بينهم، وقطع البعض منهم آلاف الكيلومترات ليصل إلى الرقة أو الموصل؟ وهنا أستطيع أن أجزم تماماً أن من قطعوا تلك المسافة كانوا أساساً أمام خيارين، الانتحار بشقيه الطبيعي والفلسفي، أو الانتقام.. المُفضي إلى الخلود (دينياً).
أعزائي ثمة أمر لابد أن نعيره الاهتمام، وهو أن المبررات الوجدية الدنيوية، هي مبررات حقيقية لا غنى عنها.. صحيحٌ أن تنظيم الدولة يرى في الحياة غير جديرة بالمعيشة، إلا أنه يحاول قدر المستطاع من خلال تلك المبررات أن يجعلها مستساغة، لأن الإنسان بطبيعته وغريزته لا يبحث عن الموت، إنما هو يبحث عن المغزى من خلال «الاحتكاك» بالموت. لذلك: المبررات الوجودية التي ربطناها بـ«نساء وأطفال المسلمين» هي تبرير جيد للبقاء على قيد الحياة، وممارسة ذاك الانتقام على أوسع نطاقاته. لكن لماذا؟ لأن فلسفة وجودية أُخرى قابلت تنظيم الدولة قبل نشأته، ولو أن العالَم لم يُجابِه هذا التنظيم بالقوة، لقدَّم نفسه كدولة تحكم بالشريعة الإسلامية على خطى قوانين المملكة العربية السعودية، والقوانين الدينية المتَّبعة في إيران، وأعتقد أن هذا ممكن، ومطلب محق إن صح التعبير؛ وقد ذكر «James Williams» في كتابه «Lyotard: Towards a Postmodern Philosophy» الذي استعرض فيه أبرز معالم فلسفة الفرنسي «ليوتار» مابعد الحداثية، عن استحالة اللجوء إلى مايسمى بـ «عالمية الحقوق»، ونقل عنه أنه قال: إن ما يراه مجتمع ما حقاً، ليس بالضرورة أن يكون حقاً لدى شعوب أخرى لأن الأعراف والفروق الجذرية بين الأفراد والثقافات والنُّظم تختلف بعضها عن بعض.. ويقول «باسكال» إن الحقيقة خلفَ جبال البيرينيه، خطأ فيما وراءها. وهكذا فالشعوب تختار ما تراه مناسباً.
ولتبيين ما أردتهُ بالحديث عن مبررات تنظيم الدولة الوجودية في هوامشها الملموسة في متناول اليد أقول: إن تديّن والدتي هو تدين عاطفي.. وجود والدتي كمسلمة في هذا العالم هو وجود عاطفي. وما أقامَ الجمهورية التركية بعد انهيار الإمبراطورية هو وجود قومي، والقومية هي عاطفة للحس الجمعي.. لو لم تنهض تركيا بتلك القومية كانت ذهبت أدراج الرياح بلا أية ملامح.. اللائكية الفرنسية مثال آخر أيضاً بعد الحرب العالمية الثانية.. المسائل هنا تؤخذ بجانبها العاطفي، والوجودية ارتكزت على فهم عواطف الإنسان كما قلنا، وتنظيم الدولة الإسلامية ينتهج تأليب الحس الجمعي لدى أتباعه من أنهم مهددون وجودياً بالفناء، وأن الخلود هو الدين وحده.
إن الوجودية الإيرانية وتوسّعها على حساب وجودية أقوام آخرين، لا يمكن أن تُجابَه إلا بذات الطريقة والمنهج الذي لا يقبل التفاوض.. إن الوجودية الروسية أيضاً وضربَها بالأعراف والقوانين الدولية عرضَ الحائط، لا يمكن أيضاً مجابهتها إلا بالقوة، وهذه القوة غير خاضعة لقوانين الفلسفة الوجودية لدى سارتر أو غيره.. إذ أن هؤلاء الأقوام في دفاعهم عن نفسهم وبحثهم عن ذواتهم بتلك الطريقة العنيفة، لا يُمكن إخضاعُهم لقيم الجمال والأفضلية التي بُنيَت عليها الفلسفات في جواهرها.
ختاماً: على العالَم فعلياً أن يقف في وجه تلك السياسات التوسعية، التي هي أشبه ما تكون بسياسة الغزو الإسلامي والنازي للعالم آنذاك، على الحكومات أن تتوقف عن صب الزيت على النار، وتتجنّب «تعزيز» فكرة التهديد وجودياً… قلت إن هؤلاء ليسوا سارتريين ليُفاوَضوا على قِيَم الجمال… إن الطريق الأمثل بالنسبة لهم والتي تشبه ضرب عصفورين بحجر هي الجهاد.. القتال للوجود… ما المطلوب من أقلية الروهينغا أن تفعله حين يُهدد وجودها؟ إن أول ما ستفكر به هو القتال.. لكن القتال ليس دفاعاً عن أنفسهم فقط، بل سيحاولون البحث عن الخلود في عالم آخر إذا ما قُتلوا.. هم ليسوا «غلغامش» ليرسموا على جدران بابل ويذهبوا للخلود.. إنهم يريدون الخلود بما وعدهم به (صانِعهم الذي حدَّدَ ماهياتهم).

عبد الله الحسن – ألترا صوت

Print Friendly, PDF & Email

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: