السبت. ديسمبر 6th, 2025

د. رشيد الحاج صالح 

الرقة بوست – خاص

تعد استراتيجية تضييع الثورات في دهاليز الخيارات العدمية ( تقسيم البلدان, الإتيان بطغاة أسوأ من الطغاة الحاليين, إجبار أمم على التخلي عن تطلعاتها القومية, بيع أراضٍ وطنية للغير, استنهاض الأصوليات لكي تحرق بها كل شيء ..)من الخطط التي يلجأ إليها الطغاة لمواجهة الثورات والانتفاضات التي تنفجر في وجوههم في أزمان وأماكن مختلفة, أولاً لمعاقبة الثائرين وإجبارهم على العودة لحضن الطاغية صاغرين, وثانياً لأن بيع الأوطان وتوزيع قسم منها على كل طامعٍ تُعَدُّ من أسهل الخطط التي يلجأ إليها الطغاة طالما أن الأوطان بالنسبة لهم مجرد سوبرماركت كل شيء فيه قابل للبيع والشراء، وطالما أن هناك ربحاً شخصياً. واليوم يبذل النظام الأسدي قصارى جهده لمحاصرة المناطق الثائرة التي خرجت عن سيطرته – ومنها الرقة – بعدد من تلك الخيارات العدمية, الأمر الذي يتطلب التفكير النقدي في تلك الخيارات وفهما بوصفها احدى استراتيجيات الثورة المضادة التي يجب على السوريين مواجهتها هذه الأيام.

وينبئنا تاريخ الثورات عن كثيرٍ من تلك الخطط. فقد قسمت بلدان, وهُجِّر ملايين البشر, وأبيدت شعوب, وضيعت أمم تاريخها, لكي تُجبَّر على القبول بطغاتها وتتوقف عن التطلع نحو مطالب الحرية والكرامة. فالشعوب غالباً ما تضطر لبيع أحلام الحرية في مزادات الحروب والعنف والخوف, خاصة إذا طال أمد تلك الحروب.

وفي سورية اليوم دأب النظام الأسدي, ومنذ اندلاع الثورة على اجتراح عدد من الطرق والخطط العدمية لمواجهة الأماكن الثائرة, بما يتناسب مع خصوصية كل منطقة, وذلك بنوع من الخطط التي يمكن أن نطلق عليها ” الخيارات العدمية “, التي تجعل خيار الرجوع إلى النظام أفضل الخيارات المتاحة, والتضييق على الخيارات الأخرى إلى أقصى درجة ممكنة, طبعاً يشاركه في هذا التضييق الأطراف الخارجية, الصديقة منها والعدوة. هي مجموعة من الخيارات التي تجعل الحياة مستحيلة بدون جوع وذل ومهانة, حياة تجعل الناس غرباء عن أنفسهم, وكأنهم نزلوا من السماء لا يعرفون إلى أين يذهبون وماذا يفعلون. وهو وضع كثيراً ما يدفعهم بالتفكير للعودة إلى نقطة الصفر ( حلم النظام الأسدي الكبير), والتهكم بمرارة على ” ساعة الصفر” التي تحولت من حلم دفين في صدور السوريين إلى حقيقة ما بعدها حقيقة في آذار 2011.

نصل إلى الرقة ومأساتها وخياراتها العدمية. تلك المدينة التي بقيت هادئة خلال السنة الأولى من الثورة, تراقب وتتابع, وكأنها أدركت بفطرة أهلها البسطاء أن الطغاة طاعون عصرهم, والديناصورات التي لم تنقرض بعد, وأن اللعب معهم أخطر من اللعب بالنار ( أسهل شيء هو اللعب بالأديان, ولذلك الكل يلعب بها), وأن الوقوف عند طاغية الشام بعد كل سنوات التهميش والنهب والإفقار العلمي والاقتصادي الممنهج, أمرٌ دونه زحزحة الجبال. ومع ذلك نهض طائر الفينيق من تحت التراب, لينفض عن نفسه غبار الذل, وقلة القيمة الاعتبارية التي تعايش أهل الرقة معها لمدة تجاوزت الأربعين سنة, أي جيل كامل بمقياس ابن خلدون.

هكذا كانت الرقة مفاجئة عام 2012, وبدا حاجز الخوف وكأنه مصنوع من خيوط العنكبوت( الأصل في الإنسان أنه لا يخاف, أي أنه شعور مكتسب يجبر عليه حتى يعتاده ), فدخلت الثورة من أوسع أبوابها, حتى بدا وكأنها حرق المراحل التي فاتتها,فزادت في سرعتها وتجاوزت الجميع, لتكون أول محافظة تتحرر من النظام الأسدي, لدرجة أن الخمسين شخصية الأكثر نفوذاً في العالم لم يتوقع أحد منهم ذلك التحرير.

لم يدم التحرر طويلاً, فقد تكاثرت الكتائب كما تتكاثر الأرانب, وبدأت اللحى تزداد طولاً, وأخذ اللباس الأفغاني بالتحول إلى لباس رسمي للثوار الجدد, وذهبت كل محاولات أهل الرقة بتكوين مجالس محلية مدنية تدير شؤون البلديات والتربية والكهرباء وتشرف على أوضاع الناس أدراج الرياح, فخطف من خطف, وهرب من هرب, وأجبر الغالبية على التزام بيوتهم. وما هي إلا أشهر قليلة حتى بدأ الصراع العسكري بين الكتائب يلوح بالأفق, ولم نصل إلى نهاية 2013 حتى تمكنت داعش من السيطرة الكاملة على المدينة وريفها.

كانت الرقة قبل الثورة من المناطق التي دأب النظام الأسدي على تهميش أهلها,( غالبية المناصب الرسمية في الرقة تشغل من قبل أشخاص من الساحل ودير الزور), مثلما همش اقتصادها وفراتها ( لا يوجد أي مشروع سياحي مهم على الفرات, كما أن المشاريع الزراعية الملحقة بسد الفرات فشلت فشلاً ذريعاً بسبب الفساد والترهل), أما نصيبها من الميزانية فكان يبيع محافظيها قسماً منه لمسؤولين آخرين ضمن لعبة الصراع على النفوذ والحصول على الرضى. دون أن ننسى إدخال مدارسها في حالة تشبه الموت السريري( بلغ نقص المعلمين 40%, كما تفرغ أكثر من 10% من المعلمين في مناصب داخل منظمات حزب البعث), أما افتتاح جامعة فيها فقد تأخر إلى عام 2006, كنوع من العقوبة لمنطقة الجزيرة والمنطقة الشرقية عموماً بسبب تعاطفها مع صدام حسين في الثمانينات ( قال ذلك محمد سلمان محافظ الرقة في تلك الفترة). أما بعد أن أضطر النظام الأسدي لفتح جامعات في المنطقة الشمالية والشرقية لتحفيف الضغط على الجامعات الكبرى فقد حاول افراغها من مضمونها المعرفي والثقافي, كعادته عندما يقوم بفعل أي شيء.

أما بعد الثورة, فقد مرت الرقة بثلاث مراحل, وتتهيأ للدخول في المرحلة الرابعة.

المرحلة الأولى :

بدأت بالمظاهرات والاعتصامات ( أشهرها اعتصام نقابة المحامين في شهر آب 2011). بدأت المظاهرات ” طيارة “, ثم تحولت إلى مئات يخرجون كل يوم جمعة من الجوامع, ثم التحقت الكليات الجامعية بالركب وأخذت مكان الصدارة, وأصبح مصطلح ” طالب جامعة ” لدى عناصر الأجهزة الأمنية يشبه اليوم مصطلح ” إرهابي ” في المحافل الدولية ( هدد أحد المسؤولين الأمنيين بتحويل الكليات إلى اسطبلات للحيوانات لأنها أنفع لأهل الرقة ). وصلت المظاهرات إلى ذروتها مع تشييع علي البابنسي ومصطفى الزنة في آذار 2012( تجاوزعددالمشيعين الـ 100 ألف مشيع), وتوالى الشهداء الذين يسقطون كل يوم برصاص عناصر الأمن والفرقة 17 وبدم بارد في محاولة يائسة لتخويف الرقاويين وثنيهم عن الانخراط في فعاليات الثورة. فسقط محمد قحطان السيد أحمد وأحمد العزو وعبدالله أحمد اليوسف والقائمة تطول. هكذا أصبح للرقة رموز ودماء.

المرحلة الثانية :

هي مرحلة تحرير الرقة وسيطرة الكتائب المسلحة عليها في آذار عام 2013, ففي تلك الفترة توالى سقوط النواحي ومناطق ” تل أبيض ” و” الطبقة ” نتيجة عجز النظام الأسدي عن جلب قوات مساندة لقواته في الرقة بسبب الضغط العسكري على المناطق الأخرى, ولم تجدِ نفعاً استغاثات العقيد سمير الحاكم بأمره لتلك المدينة ورئيس الجهاز الأمني فيها. تحررت الرقة على أيدي كتائب مختلطة: محلية وإسلامية, كتائب لم يكن عندها أي مشروع لإدارة المدينة, فتقدم أهل الرقة لتأسيس مجالس تدير أمور المدينة وتقرر مصيرها. في البداية تجاوبت تلك الفصائل وتركت الأمور للمدنيين, فعاد قسم كبير من الموظفين إلى أعمالهم وبدأت الزبالة تختفي من الشوارع, فكان اداء تلك المجالس المحلية في هذه النقطة أفضل من أداء الحكومة اللبنانية العام الماضي, كما اجريت الامتحانات الجامعية وأمنت الكتائب تلك العملية, ناهيك عن وصول الإغاثة إلى كل محتاج, وإن كان ما يسرق أكثر من الذي يصل للمحتاجين, مثلما قدم فصيل أحرار الشام مساعدات مالية للموظفين (عشرة آلاف ليرة لكل موظف) كنوع من المساعدة المالية العاجلة, على اعتبار أن هذا الفصيل استولى على أموال المصرف المركزي في الرقة عند خروج النظام منها (قدرت في حينها بـ 11 مليار), ولم يقدم ذلك الفصيل أي كشف حساب ولو شكلي عما فعله بتلك الأموال.

غير أن ما كان يخاف منه أهل الرقة حصل, فبعد أن أطمأنت تلك الفصائل لوضعها في المدينة واستتبت الأمورلها, وبدا واضحاً أن التنظيم الأسدي غارق في حروب ريفي حمص ودمشق,وليس لديه أي تفكير بالعمل من أجل استعادة الرقة , كشرت تلك الفصائل عن انيابها فأوقفت كل عمل مدني, وأنشأت ما يعرف بالهيئات الشرعية التي أخذت على مسؤوليتها التدخل في كل كبيرة وصغيرة ( كانت هيئات تشرف عليها جبهة النصرة ” سابقا ” وأحرار الشام بشكل رئيسي), وبات من الواضح أن الشعارات التي رفعت من أجل توَجّه الفصائل لقتال النظام ومساعدة المناطق الثائرة الأخرى, وترك الشؤون المحلية والمدنية لأهل المنطقة مجرد كلام فارغ, وأمنيات بعيدة كل البعد عن طريقة تفكير تلك الفصائل.

وكالعادة, وما أن يستتب الأمر للفصائل المسلحة حتى يبدأ ما يسميه ابن خلدون ” الصراع على الملك بين المنتصرين “, وكانت الضحية هذه المرة الكتائب المحلية, ولا سيما كتائب” أحفاد الرسول ” (الفئة التي كانت تحبذ التوجه للقتال على الجبهات أكثر من غيرها ), حيث دخلت الرقة في موجة من حرب الشوارع وتفجير عدد من الاماكن (أشهرها تفجير محطة القطار من قبل داعش, وهو مقر لفصيل أحفاد الرسول), إلى أن انتهى الصراع بعد عدة أشهر باستفراد داعش بالرقة وسحق كل الكتائب الاخرى.

المرحلة الثالثة :

هي مرحلة داعش. مجموعة من المرتزقة يلبسون عمائمَ وزياً أفغانياً ويرفعون أعلاماً سوداءَ مكتوب عليها ” محمد رسول الله “, ويقولون إنهم يريدون إعادة الخلافة الإسلامية والحكم بشرع الله. أما من يريد أن ينظر إلى الرقة خلف تلك الشعارات فسيجد مدينة شبه ميتة, حيث استولت داعش على كل الدوائر والمرافق وأوقفت العمل فيها, باستثناء بعض العناصر من أجل الكهرباء والماء.. .كما أخذت تتدخل في كل الاعمال الاقتصادية والتجارية من أجل الحصول على الضرائب. أما المدارس والكليات ومديريات الزراعة والصناعة والتجارة والمالية فقد أغلقت, مثلما استولت داعش على كل المؤسسات الاقتصادية ونهبتها ( مؤسسة الإسكان العسكري, الإنشاءات العسكرية, معمل الغاز , المؤسسات الاستهلاكية, محطات الوقود, مؤسسة المحروقات, مؤسسة الاعلاف, المصارف ..).

وكما كان التخويف والقمع هو مفتاح سلطة النظام الأسدي فقد لجأت داعش إلى نفس المفتاح ولكن مع تغيير ” المبرر ” الذي يشرعن استخدام ذلك المفتاح من المبرر القومي إلى المبرر الديني. هكذا انتشرت الاعدامات بسبب وبدون سبب, واعتمدت داعش أسلوب امني فعال لإخضاع المدينة لسلطتها المطلقة , واستبدلت تهمة الكفر بالخيانة, والردة بالعمالة,وسب الذات الإلهية بالمس بالشعور القومي, والعربية الفصحى باللهجة الساحلية, مع بقاء كل شيء على حاله.

منذ ثلاثة أعوام والرقة تخضع أرضياً لداعش وجوياً للنظام الأسدي, الذي حوّلها إلى مجرد موضوع تسلية لطياريه الذين يغيرون عليها كل فترة لمجرد التذكير بالنظام, في سلوك يحمل الكثير من ” العدمية الحاقدة “, فالإنسان كما يقول أيريك فروم هو الحيوان الوحيد الذي يمارس القتل من أجل القتل.

اليوم تعيش الرقة على وقع الأخبار التي تتحدث عما يسمى بـ ” معركة تحرير الرقة ” أو محاصرتها. وبالفعل فقد بدأت  قوات سورية الديمقراطية المعركة من جهة تل أبيض, واستولت على بعض القرى, وسط تخبط غير مفهوم سببه محاولة استبعاد أهل الرقة من المعركة أو تهميشهم والاعتماد بشكل أساسي على عناصر الميلشيات الكردية. والمقلق في الأمر أن  تحالف قوات سورية الديمقراطية المدعوم أمريكياً والغير مرحب به تركيا هو في النهاية تنظيم عسكري عدمي مثل داعش والتنظيم الاسدي: مجرد ميلشيات منظمة عسكريا تتلقى دعم منتظم, ولا تستمد سلطتها من الناس ومطالبهم بالحرية والعدالة بل من قوتها وقدرتها على فرض نفسها بقوة السلاح, مثلما أنها مستعدة للتعاون مع النظام الأسدي ( وحتى مع الشياطين الزرق كما يقال ),والدخول في معادلات اقتسام السلطة والنفوذ, بعيداً عن المصالح الكبرى لأبناء المنطقة من عرب وكرد وغيرهم.

هذه هي الرقة اليوم: محاصرة بين عدمية داعش على الأرض, عدمية النظام من الجو, عدمية قوات سورية الديمقراطية من الشمال. أما رقاويو الداخل فيعيشون حالة من الهلع والترقب لما سيحل بهم, وانتظار المعارك التي لا تجلب معها سوى الدمار والموت, في حين يعيش رقاويو المهجر والمخيمات هاجس الخوف على أهلهم وأبنائهم, ويفرِّغون تلك الهواجس في مواقع التواصل الاجتماعي وعبر الواتس آب.

التفكير في تحرير الرقة من داعش ومستقبلها في مرحلة ما بعد داعش (إن تحررت) يتطلب من أهل الرقة, وكل مهتم, أن يأخذ بعين الاعتبار النقاط الثلاث التالية:

الأولى: أن قوات سورية الديمقراطية لا تستطيع تحرير الرقة بدون التعاون مع أبنائها. نقول هذا الأمر لأن هناك نوعا من العمل على تهميش أهل الرقة قدر المستطاع, وفي هذا الإطار فإن تصريحات صالح مسلم عن أن القوات الكردية لن تدخل مدينة الرقة وستكتفي بالدعم اللوجستي والمشاركة في حصار المدينة غير كافٍ, ويأتي لكي يخفف من مخاوف الرقيين لا أكثر. مخاوف الرقيين أساسها تهميشهم وتحويلهم إلى مجرد أداة تابعة للميلشيات الكردية وليست من أن هناك عناصر كردية ستدخل الرقة. حتى مسألة تحديد من سيدخل المدينة هو قرار أمريكي في النهاية, لأن من سيدخلها لن يتمكن من ذلك بدون تغطية طائرات التحالف. فعلى الجميع أن يعرف أن مقاتلي صالح مسلم لن يقاتلوا في شوارع الرقة، ولن يحررالرقة إلا أبناؤها إذا ماتوافر لهم الدعم والتغطية والتحالفات المساعدة.

ثانياً: لايوجد اتفاق واضح بين الأتراك وأمريكا والأكراد حول تلك المعركة، وبدون هذا الاتفاق لايمكن تصورنجاح المعركة، لأنه وبكل بساطة يمكن لأي طرف أن يفشل المعركة منفرداً. مثلما أنه لا يمكن لأي طرف أن ينجح في تلك المعركة منفرداً.

ثالثاً: لا جدوى تذكر من عملية تحرير الرقة دون التفكير في الرقة في مرحلة ما بعد داعش. فالرقيون تعبوا من استبدال مستبد بآخر, وميليشيا بأخرى. التنقل بين العدميات لا يجلب سوى مزيد من العدمية, وهي عدميات تدفع الشعوب لهجر السياسة, لأن كل الخيارات تصبح متساوية. وهذا يعني أن على جميع الأطراف مساعدة أهل الرقة في استعادة مدينتهم لكي يديرها أهل الرقة أنفسهم, ويدافعوا عنها بأنفسهم, وهذا أكثر نفعاً للأطراف الأخرى إذا كانت تعرف مصالحها. وعلى أهل الرقة أيضاً ادراك ذلك لأنهم لا يجوز أن يفكروا بأنفسهم على أنهم مجرد طرف تابع ليس له حول ولا قوة, فمعركة الرقة مستحيلة بدون اهلها, وأن أي ترتيبات بدونهم أمر معدوم الفائدة.

كاتب وأكاديمي سوري

By

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *