إفتتاحية الرقة بوست: تفكيك الفشل

يحتاج تفكيك الفشل العام الذي نتخبط فيه جميعاً إلى تحقق وتوثيق الشق العقلي النظري من مشكلتنا، وتالياً إلى تحقق وتوثيق الشق العملي من تلك المشكلة، أي استيعاب قوانينها المتحكمة، ثم التحول بها من طور ماهو نظري إلى فعلٍ مُجابِهٍ مُتجاوز.. وواقع الحال اليوم يقول بلا لبس، وبصراحة تشبه صراحة الشمس في رابعة الظهيرة، إننا لما ننجزْ كلا القانونين اللذين لا مندوحة عنهما، ولما نَسِرْ نحوهما قاباً؛ بل وحتى لم نستشرفْ ونكتشف بعد، إن كان هذا(هذا وحده لاغير) هو مانحتاجه..

سبب عدم اكتراثنا بهذا الكشف المبكر عن قانون عقلي مبكر يهدي ويُرَشِّدُ كلَّ خطوة تسعى لاستعادة وطن ضاع من بين أيدينا، وقانون آخر عملي ينظم ذلك العقل، مرجعه فيما أعتقد يرتدُّ إلى عقلٍ سحريٍ قديم، يستوطن قاع دواخلنا في اللاشعور، وقد سافر بنا عبر أجيال الماضي إلى أجيال الحاضر المعاش، واحتل ذلك العقل السحري خلفية تفكيرنا الباطني الذي يحاول أن يمتص معرفته بالحياة والكون وهذا العالم الرحب، وأن يشرحه ويُنَضِّدُه تنضيداً معقلناً قائماً على وعي متوتر بالكارثة، وتحفيزٍ نشطٍ في مواجهتها.. العقل السحري عادة ينيط تنصلَه الآلي المكرور من أية محاولة لتجاوز الكارثة الوطنية والإنسانية التي نعيشها واقعاً منذ سنين بعبارة(خليها على الله)، وهي ترقٍ في عدم تحمل المسؤوليات بغية تعليقها على مشجب الغيبي والمقدس، تمهيداً للاستقالة منها، وتالياً للالتفاف على نتائجها أخلاقياً وموضوعياً، والتنصل مما قد ترتبه من أي مبدأ ملتزم.. فالعقل السحري إذن هو العقل الذي دائماً ما يتوقع تدخلاً ومفاجآت من باطن اللامتوقع، وحلولاً من الطبيعة تأتي فجأة على شكل (نهايات سعيدة)، فهو عقل يستبطن الغيب ويحاكيه محاكاة داخلية، عسى ولعل أن يرأف بنا أخيراً ذلك الغيب والمجهول الذي لا تعين له، وأن يتدخل سحرياً بحيث يحملنا على طريق صحيح وسط غيابات الضياع، وينتهي بنا إلى نتيجة محتملة ولو في حدها الأدنى..

من ينظمون العالم اليوم ويسيطرون عليه نظموا عالمنا داخلياً وخارجياً.. فقد تحقق لنا تحديد موقعنا من الكون عبر أجهزة الاتصال الحديثة، والتي تمتلك قدرة السيطرة والتغول والهيمنة مثلما تمتلك قدرات غير محدودة على أن تحتجزنا في دارات مغلقة كزنازين بلا أبواب ونوافذ.. دارات النت، والفيس بوك، والواتس أب.. الخ.. تلك التي تمنحنا شعوراً كاذباً بالتفوق والسيطرة والتواصل، وهي في حقيقتها إنما تستفرغنا في طبيعة تحاكي ذاتها بألفاظ وكلمات وأوهام، مثلما تتحاور الأشجار والعصافير في المنام، وكما تشعر أنها تتحاور في فضاء رحب واسع دون أن تدري بأنها إنما تتحرك في محض حلم، وأنها مجرد نموذج رمزي في قاع الباطن الحالم، يحاكي نموذجه الرمزي المقابل، ولا فكرة لدى الحالم عن أدوات ما يعتمل في مخيلته المصورة سوى أنه يحلق في فضاء رحب.

السوريون اليوم لو ووجهوا بعشرة أسئلة عن أخص معضلاتهم وأكثرها إلحاحاً وأقربها إلى مواجهة لا تحتمل التأجيل، لأجابوا عن الأسئلة بعشرة أجوبة مختلفة، ولو سئل مائةٌ منهم لأجابوا مائة جواب مختلف.. أكثرهم منطقية وانسجاماً مع نفسه، هو ذلك الذي يجمع في إجاباته حزمة من الأجوبة المتناقضة المتنافرة التي تفي بجزء من المطلوب، ولو مؤقتاً، فيَرُشُّ جوزاً ولوزاً وبندقاً على طبخة بحصهِ ليسيغ إطعامها دون أن يفكر بأنه قد يُضْطَرُّ هو نفسه إلى أكلها وهضمها، وغنى الأجوبة قد يكون أحياناً جزءاً من فقر الأسئلة، وليس شِفاءً لما في الصدور.. وتفكيكُ الفشل لا يمكن البدءُ به إلا برَدِّ المتسببات إلى أسبابها الحقيقية، لا إلى أسبابها التي نظنُّها أو نعتقدها أو نشتهيها أو نتمناها..

حين قال لنا.. للإنسانية جمعاء:{أفلا تعقلون}..؟ فقد فتح لنا كلَّ مغاليق العدم واللانهاية على مصاريعها.. وأنْفَذَنَا منها، فمنَّا مَن وَلَج، ومِنَّا مَنْ أدلجَ في عماءٍ من الظلام، واستحسن سيرَه وإدلاجه فيه حتى الرمق الأخير..

معبد الحسون            21 / 11 / 2016

 

اترك رد

Translate »