أسئلة عن وطنٍ عاصمَتُهُ القلب
معبد الحسون
{وبينما هو يتكلم بهذا آمن به كثيرون} إنجيل يوحنا ـ اصحاح: (8: 30).. {وإذا حجابُ الهيكلِ قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل، والأرضُ تزلزلت والصخورُ تشققت* والقبور تفتحت، وقام كثيرٌ من أجساد القديسين الراقدين* وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا المدينة وظهروا لكثيرين} إنجيل متى ـ اصحاح: (27: 51,52, 53).
مع هذا لم يتتلمذ ويخلص له حقيقة حتى ساعة مغادرته هذا العالم سوى اثني عشر حوارياً، أحدهم خانه قبلُ في أيامه الأخيرة، وارتد وغدر به وبقي أحد عشر فقط.. فأين الموتى الذين أحياهم وأهلوهم؟ وأين من شهدوا معجزة قيامهم؟ أين العُميُ والعُرجُ والممسوسون والبرصُ ومن شهدوا شفاءهم على يديه رأيَ العين أيضاً، ورأوهم أو سمعوا بهم ينتقلون إلى ملكوت شفائهم بين يديه، وهم يفارقون بؤس يأسهم إلى أرحبَ مافي حيواتهم من فرح وسعادة..؟ ألم يكونوا مئات الآلاف أيضاً..؟ فلماذا تنكروا له جميعاً على الصليب؟ فلم يشهدوه ولم يدفنوه ولم يسعفوه بالكاد بدمعة أو كلمة مأثورة، شاهدة للحقيقة أو رثاء معتذر..؟
يحيلني هذا السؤال الذي لاجواب له إلى وطني [ctt template=”4″ link=”23f1f” via=”yes” ]وطني سوريا الذي يتمزق أشلاءً ويُدَمَّرُ جميعاً، ويُهَجَّرُ أهلُهُ ويُقتلُ أبناؤه وتغير خرائطه وتفتت جغرافيته ويُبَدَّلُ نسيجُهُ وسكانُه وكلُّ ما فيه، @RaqqaPost[/ctt]سوريا الذي يتمزق أشلاءً ويُدَمَّرُ جميعاً، ويُهَجَّرُ أهلُهُ ويُقتلُ أبناؤه وتغير خرائطه وتفتت جغرافيته ويُبَدَّلُ نسيجُهُ وسكانُه وكلُّ ما فيه، يحيلني إلى جملة من أسئلة، أعتقد أنها هي الأخرى لاجواب عليها، ولا معنى لطرحها أصلاً في هذه المرحلة على أقل تقدير.. رغم هذا يجب أن تُطرَحَ مع الإحتفاظ بحق تقرير لامعقوليتها وغباوتها(كما ستبدو في نظر كثيرين)، وذلك تطريقاً(أي فتح طرق)، لكل سبل التاريخ المسدود، واستكمالاً له فيما إذا قُرِّرَ يوماً أن يُكتب، وأن يتحول ذلك الذي كان يسمى ذات يوم وطنٌ اسمه سوريا إلى مجرد سيرة مطوية في بطون التاريخ، تسرد كما يُسردُ اليومَ عن “إرم ذات العماد”، التي لم يُخلقْ مثلُها في البلاد، وتَشرحُ ما يُشرَحُ ويقال عن الأمم الغابرة في كتب التاريخ الضخام..
أين كان المثقفون الأنبياء عن وطنهم، ولماذا لم يحملوا السلاح ويدافعوا عنه، ولماذا لم ينزلوا الى الساحات والميادين، ولماذا لم يحلوا هم بدلاً من الجيش الحر “الحرامي”، ولماذا لم يعتاضوا بأنفسهم وأبنائهم عن”صبيب البيتون والداشر والدايح والحميماتي والحمال والسرسري والعطال الذي لاعمل له”، على حد توصيفهم يوماً في وصف الجيش الحر؟ أين المشايخ والعلماء الأفاضل وأصحاب السماحة والفضيلة؟ وأين الفنانون والمبدعون.. أين وجهاء القوم ورؤساء العشائر والملأ الأعلى المؤثر في المجتمع؟ وأين أصحاب المال والتجار ورجال الأعمال والاستثمارات؟ أين جهابذة”الكفاح الثوري” الذين خاضوها لا على ارضها، بل عبر عواصم ومدن الله البعيدة الكثيرة؟ أين جماهير النساء اللائي يقطعنَ اليوم كلحم القديد بين نفيٍ وتهجير واعتقال واستباحة عرض وفَقدٍ وثُكلٍ وترملٍ وضياع كل بقية من آدميتهن اليوم؟ لماذا لم يؤثرن الدفاع عن بلدهن وبيوتهن ولم يقاومن العدو بكل طريقة حتى لو كانت حمل أقل الأسلحة اليدوية الخفيفة، وبكل سبل الكفاح المتاحة التي يستطعنها ويقدرن عليها؟ أم مازلن يعملن بالحكمة القديمة القائلة:(كُتِبَ القتلُ والقتالُ علينا وعلى الغانياتِ جرُّ الذيول)؟ أين الشبيحة ومؤيدو المجرمين الذين يهللون لمجازر شعبهم وقد باتوا اليوم من مصيرهم النهائي على يقين، والذين يزغردون فرحاً في مواكب اغتصاب أمهاتِهم وأخواتِهم وهم ينتظرون واثقين متأكدين، من أن اللحظة التالية مباشرة، بعد أن يفرغ نظام الأسد وإيران والروس من إبادة شعبهم، سوف يَفْرغُ هؤلاء لحزمهم فوراً في “شوالات”مهترئة لرميهم من على ظهر المركب كأكياس القمامة..؟ أين ثلثي الصامتين الماشين الحيط الحيط، والقائلين يارب الستر، والذين أصبحوا ثواراً بعد أن وصلوا بر الأمان إلى تركيا، واحتوتهم مقاهي عينتاب وأورفا واسطنبول؟(مع ملاحظة أن”ثوار أورفا وعينتاب” يعدلون خمسين ضعفَ عددِ ثوار الرقة الميدانيين الحقيقيين قبل التحرير)، وأين ثلاثةُ أرباع باقي الثلثين الذين شمّروا عن سواعد الجد ورفعوا علم الثورة خفاقاً على صفحات الفيسبوك، وقرروا أن يشعلوها حرباً مدوية على الأعداء من على صفحات النت، ثورة مجلجلة مشتعلة بجانب منفضة السكائر وفنجان القهوة.. ثورة نيرانها “السمايلات” وهديرها المزمجر “الهاشتاغات”؟ أين أولئك الساسة الأفذاذ الذين تركوا الثورة والثائرين بعد انطلاقتها الأولى، ومنذ أشهرها الأربعة أو الخمسة المبكرة في عام 2011، وهرولوا لاهثين إلى أنطاليا واستنبول لعقد المؤتمرات وتقاسم حصة النصر قبل أن يصبح الصباح عليهم، حيث كان قالب الكاتو مايزال بعدُ حبة قمح تحت التربة، تحسباً من أن الناتو قد يسقط النظام(كما فعل مع القذافي يومذاك)، وإذ بالمولد قد انفض بلا سُكّر أو حُمّص؟ أين داعش وجاحش وأخواتها وأنصارها والسفهاء من مقاربيها والمعجبين بهم من البُلْهِ والسُذَّج والمغتربين عقلياً، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أن لعبة إحراق العيدان، والسيطرة على المكان أو أجزاء من المكان، أو وضع اليد على بعض المال والنفط، وتجنيد الغلمان والولدان وإمارة العجيان، والذين ظنوا أن حرق أعواد الكبريت تسلية، والتخلي عن شعبهم تحلية.. أين هم الآن وقد أجمع القرار وأُبرِم على تصفية الوطن واحتلال الأرض وانتهاك العرض، والمؤكد المؤكد أنهم ذاهبون مع الذاهبين لا محالة، من أبناء شعبهم”الضال”، وماضون نحو الإنقراض شأنهم شأن أهل “السنة المرتدين”، والمؤكد المؤكد أيضاً أنهم(بعد أن عاونوا المحتلين على حرق سوريا ببعض أعواد الثقاب وبعض صفائح الوقود) سيكونون هم أولَ المحترقين وآخرهم، وأكبر الملعونين في ميزان الدنيا وموازين الآخرة.
يجب اليوم أن يقالَ مالم يُقلْ قبلُ حفظاً وتكريماً للمشاعر والألقاب وحساسية المواقف.. قبل أن تمورَ السماءُ موراً وتصيرَ الجبالُ كالعِهْنِ المنفوش.. وأتوقع لو كان المخاطبون بهذه الأسئلة رجلاً يجلس معنا اليوم، لأجابوا: [ctt template=”4″ link=”8MUz3″ via=”no” ]صلِّ على النبي يارجل، ألم نقم بواجبنا وما هو أكثر من واجبنا؟[/ctt]
ألم نقاتل بالبيانات والتصريحات؟ ألم نطلق النيران العدوة والصديقة على العدو والصديق، من خلال البوستات ومشاريع منظمات المجتمع المدني؟ ونُجْمِعُ نحن وكل “شللنا الثورية” على قلب رجل واحد أننا نموت حباً بالوطن وعلم الثورة؟ واسألْ الفيس بوك؛ فشهادتُه أوثق من شهادة رجلين أو رجلٍ وامراتين.. هل تريدنا أن نحمل السلاح جميعاً ؟ وهل تشكو سوريا لا سمح الله من قلة مقاتلين أو أعدادهم؟ ولو أننا نزلنا جميعاً إلى الميدان كما تطلب؛ من كان سيتصدى للعدو الغاشم على جبهات الثرثرة ومن يسدُّ ثغورَ الكلام؟ فلكل مجاله واستطاعته.. هناك ميدانيون متخصصون بحمل السلاح والسعي وراء أسر الشهداء والمصابين ،ومواجهة الرصاص في المظاهرات، ومتابعة شؤون المشافي الميدانية وشق عناصر النظام وغير ذلك من المهام الخطرة.. وظيفتُهُم أن يقاتلوا ويُقتلوا، وهناك من هو مثلنا سلاحُه الكلمة والرأي والهتاف للحرية، وظيفتهم جمعُ الهشيم بعد حصاده.. هذا إن بقي بعدُ هشيماً في وطن عاصمتُهُ قلوبُ محبيه فحسب، ولم يُطعَم كُلّهُ للنيران ..