الجمعة. ديسمبر 5th, 2025

الرقة بوست – خاص

نجم الدين النجم 

قد لا تجد عزيزي القارىء ما يهمك في هذا النص، كما قد لا تجد ما يثري معلوماتك أو يشبع فضولك، هذه السطور مجرد “حتوتة” لم أجد مهرباً من كتابتها، بعد أن أرهقني جلد سياطها  كل يوم، في الليل والنهار، في الحلم واليقظة.
لعلي لا أبالغ إنْ قلت إنّ الرقيين هم أكثر الناس عشقاً لوطنهم، ولا أبالغ أيضاً إن قلت إنني لم أقرأ ولم أسمع عن امرىءٍ لديه ارتباط حميمي بمدينته، كما الرقي الولهان في غرام معشوقته “الرقة”، وانطلاقاً من هذه القناعة أحببت أن أشارككم بعض الذكريات، التي أقتات عليها كل يوم، مثلما ينتظر السجين زيتونتي السجان، اللتين لا تشبعانه ولا تتركانه يموت جوعاً ليرتاح.
عشت 11 سنة من طفولتي في شارع فيصل -عرفت أن هذا هو اسمه مؤخراً- هو أحد شوارع حارة البياطرة الذي يربط بين مجسم الساعة وحي الثكنة، كان أبي يستأجر بيتاً عربياً صغيراً (حوش) مؤلفاً من غرفتين بمبلغ كان قدره آنذاك 1500 ليرة سورية.
على يمين منزلنا كانت دكانة العم أبو هيثم، يبيع فيها مختلف المواد التموينية، كان رصيف هذا الدكان هو ملتقى لرجال وختايرة الحارة، وكان ينفق عمي أبو هيثم من السكر والشاي على جلسات السمر اليومية، ضعف ماكان يبيعه من هاتين السلعتين.
على يسار المنزل كانت عيادة الدكتور “عبد المسيح شمعون”، كانت هذه العيادة من العيادات المشهورة في المدينة، بسبب شهرة طبيب ماهر كان يعمل فيها سابقاً اسمه “درويش مرداش”، حسب ما كان يقول لي أبي، وكان الدكتور عبد المسيح طبيباً ماهراً أيضاً، عدا عن كونه محبوباً بين الناس بسبب تواضعه الشديد وكرمه البالغ، فكان يعالج الكثير من محدودي الدخل في الحارة ومنهم عائلتي بشكل مجاني ودون مقابل، وغالباً ما كان يعطيهم الدواء مجاناً أيضاً، من النماذج المجانية التي توزعها شركات الأدوية على الأطباء.
مقابل البيت تماماً مقصف الرشيد السياحي، والذي كان بمثابة ملعب لأطفال الحارة، بسبب سعة حديقته المشجرة، وعند ظهيرة كل يوم كنا نترقب باصات السياح الأجانب القادمين إلى المقصف، كي نطلب منهم أقلام الحبر!، وفور نزول السياح من الباص كنا نجتمع حولهم ونقول ” بين بليز.. بين بليز”، وقلم الحبر الأجنبي كان شيئاً ثميناً بالنسبة لنا، ومنتجاً رائعاً بألوانه وتصاميمه، مقارنة مع أقلام البيك مملة الشكل، وكان بعض السياح يعطوننا السكاكر بدلاً من الأقلام، إلا أن معظمنا كان يرميها خوفاً أن يكون في داخلها خمر !!.
ومن عيادة الدكتور عبد المسيح يبدأ الشارع الذي ينتهي بالبنك المركزي والذي كانت أمي تعمل موظفة فيه، وبعد البنك بأمتار قليلة تقع كنيسة الشهداء وروضة الشهداء للأطفال، كانت أمي توصلني للروضة قبل أن تذهب لعملها، وفي أشهر كثيرة كانت تبقيني كأمانة عند عساكر الحرس على باب البنك، لحين انتهاء الدوام، بسبب عدم توفر قسط الروضة المالي.

طور طفولي جديد

عند بلوغي السادسة، وبشكل مفاجئ أخبرني أبي أنني سأذهب للمدرسة بعد أيام قليلة، لم يعننِ الأمر كثيراً، ولم أكن متشوقاً لارتياد المدرسة، إلا أنني شعرت بالإثارة عندما ابتاع لي أبي الحقيبة الجديدة والدفتر الموشوم بوجه حافظ الأسد، ودفتر الرسم وأقلام التلوين الخشبية، وبدأ الشوق للمدرسة يكبر، عندما أخذتني أمي للخياط لكي يأخذ قياسات الزي المدرسي الجديد “الصدرية”.
مرت أيام قليلة واستيقظت صباحاً للذهاب إلى المدرسة، ارتديت الصدرية وحملت الحقيبة، ورشت أمي من عطرها على طولي وعرضي، ومن ثم خرجت برفقة أبي من المنزل عند السابعة والنصف، فأخبرته فور خروجنا أنني أريد الذهاب للمدرسة لوحدي، لم يهتم لما قلت، إلا أنني أعدت عليه ما أريد، فسألني إن كنت أعرف الطريق جيداً، فأجبته ومضيت.
في الحقيقة لم أكن أعرف الطريق جيداً، لكنني مشيت على الطريق الذي كان مكتظاً بالطلاب الصغار حتى وصلت إلى باب مدرسة فاطمة الزهراء الابتدائية.
ومع مرور بضعة أيام أصبحت المدرسة مكاني المفضل، وكنت أشعر أنني أفضل من الطلاب الآخرين في الصف، دون إدراك فعلي أن سبب ذلك هو أن أمي علمتني القراءة والكتابة بشكل كامل قبل دخولي إلى المدرسة بسنة واحدة، وليست اجتهاداً مني أو عبقرية.
اعطاني أبي مفتاح البيت، وقالت أمي إنّ عليَّ أن احافظ عليه من الضياع والسرقة، كانت هذه أول مسؤولية حقيقية يكلفاني بها، فأصبحت أفتح باب المنزل بعد العودة من المدرسة وانتظرهما داخله حتى وصولهما من العمل.
بعد 4 سنوات في مدرسة الزهراء أخبرت والديَّ أنني اريد الانتقال إلى مدرسة المجتهدين!، فسألني أبي محتداً وما هي مدرسة المجتهدين؟ وهل مدرستك كلها كُسالى؟ وما شأنك أنت بهم؟
فقلت له أنني أرغب في الذهاب إليها لأن كل الطلاب يقولون إنها مدرسة للمتفوقين فقط، وكررت عليه الطلب أياماً كثيرة، حتى امتثل في نهاية الأمر، وأخذني للتسجيل في مدرسة الرشيد الابتدائية، واختار لي مدير المدرسة حينها صف المجتهدين أيضاً، وفرح أبي بذلك لأن إحدى بنات عمومته هي المعلمة، الآنسة “رويدة الحاج” رحمها الله وطيب ثراها.
كانت المدرسة ككل المدارس ونسبة المتفوقين فيها لم تكن أكثر من بقية المدارس، إنما السبب الحقيقي لشهرتها الواسعة في ذلك الوقت، هو أن جُل طلابها هم من أبناء المسؤولين الحكوميين والأطباء والمهندسين والتجار، مما أضفى صفة التفوق على كل الطلاب فيها.
منذ أول يوم لي في المدرسة شعرت بالندم، كانت الأجواء بالنسبة لي..
منذ أول يوم لي في المدرسة شعرت بالندم، كانت الأجواء بالنسبة لي فيها الكثير من التصنع والرياء، وفي أول حصة أحضرها قلت لنفسي: “يا الهي هنا كلهم يكتبون على دفاتر الراصور”، ذهبت في اليوم التالي وأنا احمل دفاتر الراصور أيضاً، إلا أن ذلك لم يكن كافياً، لم اشعر أبداً بالانتماء لهذه المدرسة، فبدأت انطوي على نفسي شيئاً فشيئاً حتى ظن الجميع أنني طالب كسول عكس المتوقع.
بعد مضي شهر واحد أو أكثر بقليل، اقتنعت فيه المعلمة أنني كسول بالفعل ولا أستحق أن أجلس في المقعد الأول، فأمرتني أن انتقل لأحد المقاعد المتأخرة، كان ذلك أمراً رائعاً بالنسبة لي، فمن في الخلف هم يشبهونني أكثر، وبدأت الأمور تتحسن بعد الجلوس في المقاعد الخلفية، وانتهت السنة بحصولي على 98 علامة من أصل 100 وهو المجموع الكلي.

يتبع …

كـاتب وصـحـفي سـوري

By

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *